فرانسواز جيل 

على امتداد قرون من الخبرة وتراكم البيانات طوّرت صناعة التأمين فهما لا يُضاهى للمخاطر، فالمخاطر هي المادة الخام التي يقوم المؤمنون بتحليلها وتسعيرها وإدارتها لمساعدة الأفراد والمؤسسات على التعامل مع حالات عدم اليقين الكثيرة في الحياة، ومن هنا فإن فهم المخاطر واستباقها يُعدّ أمرا حاسما للحفاظ على الصلة بالواقع وتعزيز القدرة على الصمود، والوفاء بالمهمة الأساسية لصناعة التأمين وهي «حماية المجتمع من غير المتوقع» . 

غير أن طبيعة المخاطر تشهد تحوّلا متسارعا غير مسبوق، مدفوعا بتغيرات سريعة في المجالات الاجتماعية والتكنولوجية والبيئية والسياسية. وهذا ما يجعل من الضروري أكثر من أي وقت مضى فهم ما يُعرف بـ«المخاطر الناشئة»—أي تلك المخاطر الجديدة، أو المعروفة سابقا لكن يصعب قياسها من حيث تكرارها وحجم خسائرها المحتملة. 

وغالبا ما تكون المخاطر الناشئة مترابطة، وتتشكّل بفعل الابتكار والتغيرات الاجتماعية والأخطار الطبيعية. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي تكنولوجيا جديدة إلى استجابات تنظيمية واسعة، أو تحديات في سوق العمل، أو أضرار بالسمعة لبعض الشركات. وبالمثل، يمكن للأحداث البيئية أن تتسبب بسلسلة من التداعيات، من انهيار البنى التحتية إلى أزمات صحية وخسائر مالية، بما يخلق تأثيرات متتالية تهدد الاستقرار عبر مختلف القطاعات. ولم يعد دور شركات التأمين مقتصرا على إدارة المخاطر المعروفة، بل بات يتعين عليها أيضا استشراف المخاطر القادمة والاستعداد لها، حتى وإن لم تكن مفهومة بالكامل بعد. 

وفي بعض الأحيان، تكون المخاطر الناشئة في حقيقتها مخاطر قديمة اكتسبت شكلا جديدا أو ظهرت على نطاق مختلف. فعلى سبيل المثال، كانت موجات الحر تُصنّف في السابق كمخاطر بيئية تُحصر آثارها إلى حد كبير في الزراعة وبعض البنى التحتية المادية. أما اليوم، فقد باتت آثارها المعروفة تشمل أيضا الضغوط على الصحة النفسية، وتراجع إنتاجية العمل، والضغط على البنية التحتية الرقمية وأنظمة الطاقة. 

ومن السمات الأساسية للمخاطر الناشئة درجة عالية من عدم اليقين. فبينما تعتمد إدارة المخاطر التقليدية إلى حدّ كبير على البيانات التاريخية والنماذج الإحصائية لتقييم «المعروف المعروف»، فإن المخاطر الناشئة تندرج غالبا ضمن فئة «المعروف المجهول» أو حتى «المجهول المجهول»؛ حيث تكون البيانات التاريخية ناقصة أو غير متوفرة أساسا. 

وللتعامل مع هذه المخاطر، ينبغي أن يتحول الهدف من التنبؤ إلى الاستعداد. ويمكن لأدوات مثل استشراف الأفق، والاستشارات المتخصصة، وتحليل السيناريوهات، وغيرها من وسائل التنبؤ، أن تساعد في رصد الإشارات المبكرة للمخاطر الناشئة، وتحديد مواطن الضعف غير الملحوظة، ودعم اتخاذ قرارات مستنيرة قبل تفاقم الأضرار. 

وعادة ما تتبع إدارة المخاطر الناشئة مسارا منظما يبدأ بالاكتشاف وينتهي بالفعل. ففي مرحلة الاكتشاف، يجري رصد الإشارات - بما في ذلك الاختراقات البحثية، والتطورات التنظيمية، والابتكارات التكنولوجية، والاتجاهات المجتمعية -عبر مجالات متعددة. ثم تأتي مرحلة التقييم، التي تهدف إلى فهم مدى أهمية هذه الإشارات، وحجم عدم اليقين المرتبط بها، وتأثيراتها المحتملة. وفي هذه المرحلة، تقوم المؤسسات بتحليل كيفية تأثير المخاطر على عملياتها وسمعتها واستقرارها المالي. 

تلي ذلك مرحلة تحديد الأولويات؛ حيث يسعى صناع القرار إلى تخصيص الموارد المحدودة للمخاطر الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية. ونظرا لكثرة المخاطر الناشئة، يتعين على المؤسسات تحديد أيها يستوجب تحليلا أعمق أو استجابة فورية. وأخيرا، يجب أن تترجم إدارة المخاطر الفعالة هذه الرؤى إلى إجراءات ملموسة، تشمل تعزيز آليات الرصد، ورفع مستوى الوعي الداخلي، وتجنّب المخاطر أو الحد منها، فضلا عن استكشاف الفرص التجارية الممكنة. 

وتؤثر المخاطر الناشئة في شركات التأمين بطريقتين مترابطتين. داخليا، تمسّ هذه المخاطر ديناميكيات القوى العاملة، ومتطلبات المهارات، واستمرارية العمليات، ورفاه الموظفين. وخارجيا، تعيد تشكيل طبيعة المخاطر التي يواجهها العملاء، وتخلق احتياجات جديدة للحماية، وترفع سقف توقعاتهم من شركات التأمين. ويساعد فهم هذه الازدواجية شركات التأمين على ترسيخ موقعها ليس فقط كمتحمّلة للمخاطر، بل كشريك فاعل في إدارتها. ووفقا لتقرير «مخاطر المستقبل 2025» الصادر عن شركة أكسا، يرى 72% من المشاركين عالميا أن دور شركات التأمين في مواجهة المخاطر الناشئة سيزداد أهمية في المستقبل. 

ويأتي الذكاء الاصطناعي في صدارة المخاطر الناشئة حاليا، إذ يمتلك القدرة على إحداث تحولات عميقة في العمليات، وخلق نقاط ضعف جديدة، وإعادة تشكيل توقعات المجتمع من شركات التأمين. فهذه التكنولوجيا تتطور بسرعة كبيرة، وتتوسع بوتيرة متسارعة، وتعيد تشكيل مجالات متعددة، من الأمن السيبراني وخصوصية البيانات، إلى عمليات اتخاذ القرار، وإدارة المخاطر المرتبطة بالسمعة، وقضايا أوسع مثل التضليل المعلوماتي والتفكك الاجتماعي. 

وعلى الصعيد الداخلي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز الكفاءة التشغيلية وتفاعل العملاء، لكنه يخلق في الوقت نفسه مخاطر جديدة، مثل: الاعتماد المفرط على القرارات الآلية، ومشكلات الثقة، والفجوات في المساءلة. أما خارجيا، فيواجه العملاء مخاطر تتعلق بالمسؤولية القانونية، وانتهاكات الخصوصية، وعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. كما تضيف التداعيات الاجتماعية والأخلاقية غير الواضحة على المدى الطويل مزيدا من التعقيد، ما يستدعي إجراء تحليلات دقيقة للسيناريوهات لفهم المخاطر والفوائد المحتملة مستقبلا. 

ومع ذلك، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصا كبيرة. إذ يمكنه تحسين تقييم المخاطر، وتعزيز القدرات التنبؤية، ودعم عمل الخبراء الاكتواريين، ومكتتبي التأمين، ومديري المطالبات، فضلا عن توفير تفاعل مخصص بدرجة عالية مع العملاء، ورفع مستويات الإنتاجية. 

وفي المرحلة الراهنة، ستركز المؤسسات اهتمامها المباشر على المخاطر المرتبطة بخصوصية البيانات والامتثال التنظيمي؛ نظرا لما قد تسببه من أضرار قانونية وسمعة سلبية. أما المخاطر الناجمة عن الاعتماد التشغيلي المفرط، فستندرج ضمن التحديات متوسطة الأجل. غير أن لهذه المسألة وجهين، إذ إن إهمال الإمكانات الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي -أي عدم توظيفه لتحسين الكفاءة، وتقييم المخاطر، وتخصيص الخدمات- سيؤدي إلى ضياع فرص مهمة وتراجع القدرة التنافسية. 

**media[3409973]**