العُمانية/ تولي سلطنة عُمان اهتمامًا متزايدًا بتمكين الشّباب، كونهم عنصرًا محوريًّا في استدامة التّنمية وصناعة المُستقبل في إطار التوجّهات الوطنيّة الراميّة إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، كما أسهمت البرامج والمُبادرات الوطنيّة في توفير بيئات حاضنات للإبداع، وتطوير المهارات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يدعم تحويل أفكار الشباب إلى مُبادرات ومشروعات ذات أثر اقتصاديّ واجتماعيّ، ويُعزز قدرتهم على استشراف التحديات والفرص المُستقبليّة.

وفي هذا السياق، يقول علي بن عبد الله المسكري من هيئة البحث العلمي والابتكار: يأتي اهتمام سلطنة عُمان بمنظومة الابتكار الوطنيّة عبر ركائز داعمة، أهمّها المرسوم السلطانيّ رقم (11/2026) في يناير2026م والخاص بإنشاء هيئة البحث العلمي والابتكار، الذي أكّد على التحوّل نحو اقتصاد ومُجتمع المعرفة، وتوفير البيئة التمكينيّة اللازمة لتعزيز التحوّل الاقتصاديّ والاجتماعيّ المنشود، حيث تتكامل اختصاصات ومهام هيئة البحث العلمي والابتكار مع أولويات رؤية عُمان 2024".

وأضاف أن المؤسسات التعليميّة والمراكز البحثيّة، بمُختلف مستوياتها، تمثل الأساس المتين للبناء العلميّ والمعرفيّ، والدعامة الرئيسة للتقدم التقنيّ والصناعيّ، مع أهميّة توجيه الطاقات الذهنيّة والمعرفيّة نحو الإبداع والابتكار والتطوير، بما يؤهل الشباب ليكونوا ركيزة للاستثمار، وقادة لمسيرة التنميّة الاقتصاديّة، عبر الاستناد على الاستثمار في الابتكار من خلال تأسيس شركات طلابيّة رياديّة ناشئة صغيرة ومُتوسطة تسهم في تحويل المُخرجات البحثيّة والمعرفة العلميّة إلى منتجات ومُخرجات اقتصاديّة وطنيّة تحقق عوائد اقتصاديّة للمُبتكرين، وعلى الاقتصاد الوطني ككل.

وعلى صعيد الجانب المُؤسسي والوطني، وضح المسكري أن الهيئة تبذل جهودًا متواصلة لتعزيز منظومة الابتكار الوطنيّة من خلال تطوير البرامج الداعمة في مجالات البحث العلمي والابتكار، وتحفيز الشراكات بين المؤسسات الأكاديميّة والقطاع الصناعي، وتوسيع نطاق المُبادرات الموجهة للشباب، وأسهم دعم البحوث المبنيّة على الكفاءة والبحوث الاستراتيجيّة في رفع جودة الإنتاج العلميّ وتوجيهه نحو أولويات وطنيّة ذات أثر اقتصاديّ، في المجالات الاستراتيجيّة المتنوّعة.

وأضاف: تلعب المسابقات العلميّة والهاكاثونات دورًا مهمًّا في نشر ثقافة الابتكار، وتحفيز الشباب على تطوير حلول عمليّة للتحديات التنمويّة، وعلى المُستوى الوطنيّ، تأتي المُبادرات الداعمة لتمكين الشباب وفتح آفاق أوسع لهم في مجال ريادة الأعمال والشركات الناشئة، مثل برنامج الشركات الناشئة العُمانية الواعدة، الذي يُقدم برامج ومنحًا تُسهم في تسهيل تأسيس الشركات الناشئة وتزويدها بالمهارات للنمو والتوسع في الأسواق المحليّة والخارجيّة، إلى جانب الدعم الاستثماريّ الذي تقدمه الصناديق الاستثماريّة الوطنيّة لدعم مشاريع الشباب.

وأكد على أن للهيئة جهودًا ملموسة تبذلها في هذا المجال، حيث يبرز برنامج الحاضنات العلميّة لتكون بيئات جاذبة للطلبة والموهوبين، وبالتوازي مع ذلك، تم إطلاق برنامج دعم مراكز الابتكار ونقل التكنولوجيا في مؤسسات التعليم العالي، وفيما يختص ببناء القدرات البحثيّة والابتكاريّة تنبثق العديد من المُمكنات الابتكاريّة المُختلفة الموجّهة لفئة الشباب بمختلف شرائحهم في مجال الابتكار، وتعزيز أدوارهم المُستقبلية في استشراف التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

ووضّح أن من أبرز هذه البرامج، برنامج تحويل مشروعات التخرج الطلابية إلى شركات ناشئة في نسخته الثامنة، كما أعلنت هيئة البحث العلمي والابتكار في عام 2025 عن تأهل (5) مشروعات علميّة مُبتكرة للمشاركة في منتدى لندن الدولي للعلماء الشباب الذي تُشارك الهيئة فيه بصفة سنويّة، كما تواصل جهودها نحو تنظيم النسخة الوطنيّة من مسابقة مختبر الجدران المُتساقطة بشكل سنوي، وتشارك أيضًا في المعرض الدولي للاختراع والابتكار والتكنولوجيا في ماليزيا لإشراك مجموعة من الشباب المبتكرين العُمانيين المتميزين، وفي الدورة الأولى من معرض جنيف الدولي للاختراعات في نسخته الـ50، وفي تنظيم فعالية (بذور من أجل المُستقبل) التي أُقيمت في جمهورية الصين الشعبية.

وأشار المسكري إلى الجهود المؤسسية المتصاعدة التي تبذلها هيئة البحث العلمي والابتكار لتمكين الشباب في مجالات الابتكار على المُستوى الوطنيّ، ومنحهم فرصًا حقيقيّة للنمو والاستدامة، مع المزيد من البرامج والمشروعات القادمة التي تهدف إلى تمكينهم بشكل أكبر في الابتكار وريادة الأعمال، بما يتواءم مع المُستهدفات الوطنيّة، وأهداف الخطط الخمسيّة، لتعزيز دورهم في التحوّل الاقتصاديّ القائم على الابتكار.

من جانبها، تقول خلود بنت موسى البلوشي – مساعدة عميد كلية الهندسة والتكنولوجيا بجامعة التقنيّة والعلوم التطبيقيّة: عملي كمُساعدة عميد كلية الهندسة والتكنولوجيا، وكأكاديميّة مُهتمة بالمشروعات الهندسيّة ومُشاركتي في أكثر من تقييم لمسابقات ابتكاريّة محليّة ودوليّة، أُتاحت لي فرصة التعامل المُباشر في بيئات المشروعات والابتكار سواء على مُستوى البرامج الداعمة، ومراكز الابتكار، أو الحاضنات الأكاديميّة، وهو ما أسهم في صقل مهاراتي المهنيّة وتحويل عدد من الأفكار من إطارها النظريّ إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والتوسّع"، وتبيّن أن "الحديث عن بيئات الابتكار يُحيي فهمنا حول أهميّتها لتكون مساحة آمنة للتجريب والتعلّم من الخطأ وربط المعرفة الأكاديميّة بالواقع العمليّ واحتياجات السوق".

وعن مُساهمة البرامج الوطنيّة في القطاعات المُختلفة والمُشاركات في المُسابقات الدوليّة المُوّجهة لتمكين الشّباب، قالت البلوشي: على سبيل المثال لا الحصر ساعدني ذلك في تطوير مجموعة مُتكاملة من المهارات من ضمنها التفكير التصميميّ، وإدارة المشروعات، والابتكار القائم على حل المشكلات، فمن خلال حلقات العمل والمُعسكرات الابتكاريّة، نحن نتعلّم كيفيّة تحليل التحدّيات المُجتمعيّة والتقنيّة بطريقة منهجيّة، وبالتالي تحويلها إلى فرص ابتكاريّة ذات قيمة مُضافة.

وأضافت: لا ننسى دور الإرشاد والتوجيه من خبراء محليين ودوليين الذي له دور أساسي في بناء الثقة بالقدرات الذاتيّة، وتعزيز مهارات القيادة والعمل ضمن فرق متعددة التخصّصات، وهو ما يُعد عنصرًا أساسيًّا في المشروعات الهندسيّة والتكنولوجيّة.

أمّا على مُستوى تحويل الأفكار إلى مشروعات واقعيّة، فقالت إن المبادرات عادة ما تساعد على دعم الابتكار سواء في القطاعات الأكاديميّة أو الصناعيّة في توفير البُنية الأساسيّة اللازمة، مثل المُختبرات المتخصّصة، ومساحات العمل المُشتركة، والدعم التقنيّ والاستشارات الازمة، وأسهم هذا الدعم في تسريع مراحل النمذجة الأوليّة والاختبار، وتقليل الفجوة بين الفكرة والتطبيق. ووضحت: عززت الشراكات مع القطاع الخاص في فهم مُتطلبات السوق، وربط المشروعات البحثيّة بالاحتياجات الفعليّة للصناعة، الأمر الذي زاد من فرص الاستدامة والتوسّع.

وفيما يتعلّق بالتحديات قالت البلوشي: لن تخلُو رحلة التنفيذ والتوّسع من تحديات مُتعددة ومُتشابكة، أبرزها محدوديّة الموارد الماليّة والبشريّة في المراحل الأولى، مما أسهم في صعوبة تحقيق التوازن بين الالتزامات الأكاديميّة والإداريّة ومُتطلبات التطوير والإشراف على المشروعات الابتكاريّة، كما واجهنا تحديات تتعلّق بجاهزيّة بعض الأفكار تقنيًّا للانتقال من مرحلة البحث إلى التطبيق العمليّ، إضافة إلى الحاجة المُستمرّة لمواءمة مُخرجات المشروعات مع متطلبات السوق المُتغيّرة وتسارع التطوّر التكنولوجيّ، ويمكن التعامل مع هذه التحديات من خلال التخطيط المرحليّ، وتجزئة الأهداف، والاستفادة من برامج التمويل والدعم الوطنيّ والدوليّ، بما أسهم في تجاوز العقبات وتحويلها إلى فرص للتطوير والتحسين المُستمر.

وخلال مرحلة التوّسع، ترسّخ البلوشي أهميّة تطبيق مبادئ حوكمة واضحة، وتعزيز نماذج الأعمال القابلة للتطوير، بالإضافة إلى الاستثمار المُستدام في تطوير الموارد البشريّة الشابة لضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجيّة للمؤسسة، ووضحت أيضا: يمكن القول إن التجربة العمليّة في بيئات الابتكار لم تقتصر على تحويل فكرة إلى مشروع فحسب، بل أسهمت في بناء عقليّة ابتكاريّة قادرة على استشراف المُستقبل، وتعزيز دور الشباب كقوّة وطنيّة فاعلة في تحقيق التنمية المُستدامة والاقتصاد القائم على المعرفة".

وفي السياق ذاته قال ماجد بن فايل العامري – المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ثواني: "يُمكن القول إنّ منظومة الابتكار الشبابيّ في سلطنة عُمان شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، انتقلت فيه من مرحلة بناء الوعي والتركيز على الأفكار وتطويرها، واختبار ملاءمتها للسوق واحتياجات المُجتمع، إلى مرحلة أكثر نضجًا ترتكز على التطبيق، وبناء الحلول الناجحة، وربط الابتكار باحتياجات حقيقيّة وتحديات واقعيّة في السوق وتتكامل مع رؤية "عُمان 2040"، هذا التحوّل يشكّل ركيزة رئيسة لتحقيق أهداف التنميّة المُستدامة وبناء اقتصاد قائم على المعرفة".

وحول تطوّر منظومة الابتكار في سلطنة عُمان، أكد العامري: شكّلت المنظومة اللبنة الأساسيّة عبر وضع استراتيجيات وطنيّة واضحة، وبرامج داعمة لريادة الأعمال، وحاضنات ومسرّعات أعمال، إضافة إلى مُبادرات تدريبيّة ركّزت على المهارات المُستقبلية مثل التحوّل الرقميّ، تحليل البيانات، والتفكير التصميميّ، وتوظيف الذكاء الاصطناعيّ.

وأضاف: " أمّا على مستوى التطبيق، فقد ظهرت نماذج شبابيّة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتقديم حلول رقميّة في مجالات حيوية نعالج تحديات واقعية وممارساتها مختبرة عالميا ومشهود لها بالنجاح مثل التقنيات الماليّة، والصناعات الإبداعيّة، وخدمة العملاء بالذكاء الاصطناعيّ، والتجارة الإلكترونيّة، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًّا في عقليّة الابتكار لدى الشباب العُمانيّ.

واستنادًا الى الممارسة المهنيّة، ذكر العامري: من تجربتنا في ثواني، لمسنا بشكل مُباشر هذا التحوّل؛ حيث أصبح الشّباب لا يكتفون بتقديم أفكار مُبتكرة، بل يحرصون على دراسة السوق والمنافسين وفهم المُستخدم وسياق الاستخدام، وتحليل البيانات، وبناء نماذج أوليّة لمُنتجات قابلة للتطوّر والتوّسع وجديرة بالاستثمار، هذا التطوّر يعكس انتقال الابتكار من كونه مُبادرة فرديّة إلى مُمارسة منهجيّة مدعومة بالمعرفة والتجربة.

ووضح: تتطلع رؤى الشّباب العُمانيّ اليوم إلى تكوين شراكة حقيقيّة مع المؤسسات الوطنيّة الداعمة، تقوم على الثقة، وإتاحة الفرص والتجسير لشراكات جديدة، وتمكينهم من التجربة دون الخوف من الفشل، حيث يتطلّع الشّباب إلى العمل في بيئة تسمح لهم بالمُشاركة في صناعة القرار، وتقدّر الابتكار كقيمة مُضافة، لا كمُخاطرة، كما يسعون إلى أن يكونوا جزءًا من الحلول الوطنيّة الكبرى، لا مجرد مُنفذين، بما يعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء".

وتشير رجاء بنت خلفان الراشدي – صاحبة منصّة "البحث الذكيّة" إلى نظرة الشّباب ومفهوم استشراف المُستقبل حيث طرحت تساؤلًا مشروعًا مفاده، ماذا لو لم يكن المُستقبل حدثًا ننتظره، بل قرارًا نصنعه؟، هذا السؤال لم يعد مجرد فلسفة عابرة بالنسبة للشباب العُمانيّ اليوم، بل نقطة انطلاقة، نحن لا ننظر إلى استشراف المُستقبل كترف فكريّ أو تنبؤ غامض، بل كمسؤولية وطنيّة تبدأ من وعينا، وتُترجم إلى مُبادرات، ومهارات، وأفعال حقيقيّة على أرض الواقع"، وتُضيف: "الشّباب العُمانيّ المُبتكر يُدرك أن العالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة؛ اقتصاد يتبدل، ووظائف تختفي وأخرى توجد، وتقنيات تُعيد تعريف معنى العمل والمعرفة، لذلك أصبح استشراف المُستقبل بالنسبة لنا هو القدرة على قراءة هذه التحوّلات مُبكرًا، وفهم أثرها على مُجتمعنا، ثم التحرّك بذكاء لصناعة حلول تواكبها بدل أن نتأخر عنها".

وعن التمكين بالمعرفة، تبيّن الراشدية: نحن نؤمن أن التمكين الحقيقيّ يبدأ من المعرفة، فالمنصّات الذكيّة والبحثيّة لم تعد مُجرد أدوات مُساندة، بل أصبحت مساحة لتشكيل الفكر، وربط الأفكار باحتياجات المُجتمع، وتحويل الأسئلة إلى مشاريع ذات قيمة اقتصاديّة واجتماعيّة، فحين يمتلك الشاب القدرة على الوصول للمعلومة الصحيحة، وتحليلها، وربطها بالواقع، يُصبح عنصرًا فاعلًا في صناعة القرار لا متلقيًا له"، أمّا فيما يختّص بالأدوات والمهارات التي يرى الشّباب أنها الأكثر أهميّة لتمكينكم من الإسهام الفاعل في مُواجهة تحديات المُستقبل الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

وأضافت: الأدوات وحدها لا تصنع المُستقبل، ما يصنعه فعلًا هو الإنسان القادر على التفكير النقديّ، وطرح الأسئلة الصحيحة، والعمل بروح الفريق، والتواصل بوضوح، واتخاذ القرار بشجاعة، ولهذا يحرص الشباب العُمانيّ على تنمية مهارات الابتكار، وحل المشكلات، والقيادة، والتفاوض، لأنها تمثل الجسر بين الفكرة والتنفيذ، وبين الطموح والأثر.

وأكدت الراشدية: يدرك الشباب العُماني وجود تحديات اقتصاديّة واجتماعيّة لا بدّ من مواجهتها، فهي لا تُواجه بعقليّة فرديّة، بل بعقليّة تشاركيّة، ونؤمن بأن الشراكة بين الشباب والمؤسسات، وبين القطاعين العام والخاص، هي الطريق الأسرع نحو حلول مُستدامة، فحين يُمنح الشاب الثقة، ويُشرك في التخطيط، ويُتاح له المجال للتجربة، يتحوّل من باحث عن فرصة إلى صانع لها. فاستشراف المُستقبل بالنسبة للشباب العُمانيّ ليس خوفًا مما هو قادم، بل إيمانًا بقدرتنا على صناعته، هو إصرار على أن نكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من الانتظار، ومع التمكين الصحيح، والمنصّات الذكيّة، والإرادة الصادقة، فإن مُستقبل سلطنة عُمان لا يُتوقّع؛ بل يُبنى بأيدي شبابه.