ترجمة: أحمد شافعي

هناك رجال دولة أصحاب رؤية، ومفاوضون رفيعو المقاصد، ووسطاء براجماتيون، ودبلوماسيون محترفون. وهناك في المقابل حمقى يتدخلون حيث لا ينبغي لهم. ومع انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار، وموت أعداد هائلة من المدنيين أو فرارهم، واستمرار الحروب التي بدأها دونالد ترامب أو غذّاها أو تعهد بإنهائها من دون رادع؛ لم يعد هناك شك في الخانة التي ينتمي إليها.

وبلغة البيسبول؛ فإن ترامب في أوكرانيا، وإيران ولبنان، وإسرائيل وفلسطين، خاسر في ثلاث محاولات من ثلاث. لقد تباهى بأنه وحده قادر على عقد الصفقات وصنع السلام، لكنه لم يحقق هذا ولا ذاك. وفي كل مرة يفشل فيها يجعل الأمور في الغالب أسوأ.

صار العصر البطولي لدبلوماسية القرن التاسع عشر الذي جسّده توازن القوى في «كونسرت أوروبا» الذي صاغه الأمير مترنيخ، و«السلام مع الشرف» الذي أعلنه بنيامين دزرائيلي في البلقان جزءا من التاريخ، لكن الزمن لم يبتعد كثيرا عن صانعي سلام حازوا جائزة نوبل، مثل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، والدبلوماسي الفنلندي مارتي أهتيساري، أو السيناتور الأمريكي جورج ميتشل الذي توسط في اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية حين كانوا ينخرطون في معالجة نزاعات مستعصية في أنحاء العالم. أين خلفاء ديزموند توتو، وأندريه ساخاروف، وإسحاق رابين حين تشتد الحاجة إليهم؟

اليوم تفشل اتفاقات وقف إطلاق النار بانتظام قاتم، وقد تعثر هذا الأسبوع أحدث مسعى في لبنان. أما اتفاقات أخرى، مثل: الاتفاق في إيران فتُخرق يوميا. والسودان لا يملك أي وقف لإطلاق النار أصلا. فلماذا أصبح إنهاء «الحروب الأبدية» بهذه الصعوبة؟ وسط مستويات قياسية من الصراع العالمي يبرز غياب الوسطاء المحترمين والمحايدين، وغياب الساسة المستعدين للمخاطرة الجريئة بوصفه أحد الأسباب الرئيسة.

والفجوة في القدرة بين شخص مثل: ريتشارد هولبروك، الدبلوماسي الأمريكي الذي ساعد في تسوية حرب البوسنة، ومبعوثي ترامب الهواة، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر تشبه الفارق بين أرسنال وفريق هواة يلعب صباح الأحد في حديقة عامة.

من الناحية الوقائعية سجل ترامب الدبلوماسي بائس؛ فقد وعد بإنهاء حرب أوكرانيا في يوم واحد، وها هي الآن تدخل عامها الخامس. لقد انحاز بوضوح إلى روسيا، وقال للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد أن وضعه تحت ضغط قاس: إنه «لا يملك أوراقا»، ثم قطع إمدادات الأسلحة. غير أن ترامب بالغ في تقدير قوته، وقلل في الوقت نفسه من ميل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الخداع، ومن قدرة أوكرانيا على الصمود. وقد التفّ مسؤولو الكرملين حول ويتكوف وكوشنر الساذجين خلال «المفاوضات» في موسكو. ومن المخزي أن هذا الثنائي المتحرك لم يزر كييف حتى الآن. أما ترامب بعد أن خسر ماء وجهه فقدْ فَقَدَ اهتمامه أيضا. واقتناعا منه بأن الكفة بدأت تميل يقترح زيلينسكي الآن وقفا لإطلاق النار، ومن المرجح قياسا إلى السوابق أن يرفضه بوتين.

بعد أن هاجم إيران بصورة غير قانونية في فبراير أعلن ترامب وقفا لإطلاق النار في أبريل من دون أن يحقق أيا من أهدافه الرئيسة بينما ظل مضيق هرمز مغلقا إلى حد كبير أمام حركة الشحن. وتحدث الخروقات يوميا، ولا تقود «محادثات السلام» الفاترة عبر أطراف ثالثة غامضة إلى أي نتيجة فيما يترنح الاقتصاد العالمي.

ومرة أخرى قلل ترامب من صعوبة التحدي، وبالغ في تقدير قدرة القوة العسكرية الغاشمة على تغيير الحقائق السياسية، واتبع غرائزه الخاصة، وهي غرائز سيئة إلى حد مؤسف، وهمّش الحلفاء الأوروبيين، وسعى عبثا إلى انتصار سريع وسهل. وها هو الآن يواجه صراعا طويلا، وكونجرسا متمردا، ورأيا عاما غاضبا.

وفي غزة في الأثناء يبدو الانتصار المدوّي الذي أعلن ترامب أنه حققه في أكتوبر الماضي حين جرى الاتفاق على هدنة وأُطلق سراح رهائن إسرائيليين فارغ الصدى على نحو واضح. فقد اصطدمت خطته ذات النقاط العشرين التي ارتكزت على نزع سلاح حماس بالرمال سريعا.

أما «مجلس السلام» الذي اقترحه بأفكاره المتضخمة لإعادة إعمار غزة فيفتقر إلى المصداقية.

والحقيقة القائمة هي استمرار المعاناة الفلسطينية بصورة لا يمكن تبريرها أخلاقيا، واتساع الاحتلال العسكري الإسرائيلي. والآن يفعل شريكه في التآمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في جنوب لبنان ما فعله في غزة؛ إذ يحوّله إلى صحراء خالية من السكان معرقلا بذلك التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني. وقد دار بين الرجلين شجار حاد الأسبوع الماضي.

تعكس إخفاقات ترامب المتتالية مشكلة أكبر؛ فقد جاءت اتفاقات وقف إطلاق النار والهدن وذهبت في مناطق نزاع مثل اليمن وميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة من دون أن تقود إلى تسويات دائمة. وفي السودان لا يزال الاتفاق على احترام هدنة إنسانية فضلا عن وقف الأعمال القتالية بعيد المنال بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الأهلية. ويظل انعدام الثقة العميق بين أطراف الحرب عاملا ساما مشتركا. وكذلك العناد الشديد، والاعتقاد الخاطئ بأن النصر الكامل لعبة صفرية.

غالبا ما تنبع العجز المزمن عن إنهاء الحروب بصورة دائمة من غياب عمليات سلام منظمة ومعترف بها. تكاد تُنسى اليوم تلك الأيام التي كان فيها مبعوثون أمميون يتمتعون بتفويض واضح ينخرطون مع جميع الأطراف، وينشئون مجموعات عمل، ويقترحون إجراءات مرحلية لبناء الثقة وجداول زمنية محددة.

ومرّت فترة طويلة كان فيها وزراء خارجية أمريكيون، مثل هنري كيسنجر ووارن كريستوفر وجون كيري، يخوضون دبلوماسية مكوكية نشطة سعيا إلى السلام. في المقابل؛ يقف ماركو روبيو شاغل منصب وزير الخارجية الحالي، وهو رجل طموح وناعم الحضور لا تثقله المبادئ بعيدا عن ساحة الاشتباك مخبرا رئيسه بأنه على صواب حين يكون مخطئا. ويبدو أن ترامب وروبيو وحدهما فوجئا بأن حزب الله الذي استبعده مضيفوه الأمريكيون من محادثات السلام رفض أحدث وقف لإطلاق النار في لبنان.

تعكس الطبيعة العنيدة والمستعصية للصراعات الحديثة صورة عالم اليوم؛ ففي نظام عالمي يفتقر إلى قواعد متفق عليها، وتتعامل فيه القوى الكبرى والجهات الفاعلة من غير الدول مع القانون الدولي والمحاكم الدولية بازدراء تصبح إدارة الحرب والسلام فوضوية بالقدر نفسه.

وبالنسبة إلى أنظمة عديمة الضمير عازمة على تعظيم مكاسبها الوطنية لا يُعد أي اتفاق غير قابل للكسر، ولا يُنظر إلى أي خرق مشين بوصفه عارا يستحق التوقف عنده. ومن دون قواعد لا يمكن إنفاذ اتفاقات السلام في نهاية المطاف.

ويزيد ضعف المؤسسات سوءا ابتذال السياسيين وفسادهم؛ فقد أُهدرت قيمة أدوات القوة الناعمة، والحوار، والمنطق، والإقناع، والواجبات الأخلاقية، والسياق التاريخي، وصارت موضع استخفاف.

في المقابل؛ تُمنح الأولوية للقوة الساحقة، والنتائج الفورية، والتصريحات التي تحرك الأسواق. في هذا الخراب الخالي من الشعر يصبح «المدى الطويل» مفهوما غريبا، وتغدو الحقيقة والعدالة قضية خاسرة. حتى السلام نفسه صار مفهوما نسبيا في عصر يستطيع فيه رئيس أمريكي محارب قصف دولا عدة أن يزعم بلغة مزدوجة تذكّر برواية «1984» أنه يستحق جائزة نوبل للسلام!

إن الجدل العقيم الذي لا ينتهي حول وقف إطلاق النار يحجب الأثر المروّع للصراعات على الناس العاديين، ويحجب الأسباب الإنسانية الملحّة لوقف العنف. فمنذ بدأت حرب إيران أفادت تقارير بأن ما لا يقل عن 3468 شخصا قُتلوا داخل البلاد، وأصيب 26500، ونزح الملايين.

كما جرى صرف الانتباه على سبيل المثال عن قصف مدرسة ميناب الابتدائية في 28 فبراير الذي ما زال بلا مساءلة حين يُزعم أن القوات الأمريكية قتلت أكثر من 100 طفل. وإذا استؤنف القتال واسع النطاق فستقع فظائع أخرى، ومعاناة إضافية لا داعي لها.

وتستمر أعداد الضحايا المدنيين في الارتفاع في أنحاء الشرق الأوسط الأوسع. ففي لبنان حيث قُتل الآلاف رغم وقف سابق لإطلاق النار فشل في الصمود قدمت اليونيسف لمحة عن الأسبوع الأخير من مايو حين أفادت بأن 77 طفلا قُتلوا أو أصيبوا. وتستدعي مثل هذه المآسي أهوال الوفيات الجماعية بين الرضع والأطفال في ذروة حرب غزة. إنها 77 تذكيرا بأن مفاوضات وقف إطلاق النار ليست عروضا سياسية للاحتفاء الذاتي، ولا تسلية على وسائل التواصل الاجتماعي، كما توحي تعليقات ترامب اليومية، وإنما مسائل عاجلة تتعلق بالحياة والموت.

لن تنتهي أي من هذه الحروب في نهاية المطاف بالقوة العسكرية. القضية ليست في من يملك القنابل الأكبر، أو من يحق له إعلان نصر زائف يا سيد ترامب.

إنها تتعلق بحياة الناس. وكما أثبت التاريخ في معظم مراحله؛ فإن الدبلوماسية المهنية والنشطة والماهرة والمتمرسة هي التي تفتح الباب أمام السلام.

سيمون تيسدال معلق الشؤون الخارجية في صحيفة الجارديان