غزة - بهاء طباسي
«هل يعلم أحدكم أين تباع زيوت المحركات؟ بأي ثمن؟ سأشتري بأي سعر يعرضه البائع». صباح السبت، السادس من يونيو 2026، أرسل رائد أبو عمارة، أحد سكان حي الرمال بمدينة غزة، هذه المناشدة عبر مجموعة مخصصة للمتابعة الميدانية على تطبيق «واتساب». لم يتلقَّ الرجل الرد التقليدي بالعناوين أو أرقام الهواتف، بل توالت عليه الردود في غضون دقائق تعكس عمق الأزمة: «إن عثرت على مَصدر أخبرني فورًا.. أنا أيضًا أبحث»، «لدينا عجز حاد في المستشفى الذي أعمل به»، «أقود سيارة إسعاف، ومحركها مهدد بالتوقف الليلة»، «سعر لتر الزيت المستعمل المستهلك بلغ 250 شيكلًا (نحو 85 دولارا أمريكيا)، وحتى هذا الصنف لم يعد متوفرًا». لم تكن هذه المحادثة الرقمية مجرد استغاثة عابرة، بل جاءت تعبيرًا دقيقًا عن واقع يمس تفاصيل الحياة اليومية لمليوني إنسان يعيشون في قطاع غزة، حيث تحولت المواد التشغيلية البسيطة إلى عصب رئيس يحدد مصير السكان بين الحياة والموت. قفزة فلكية في الأسعار شهدت أسواق قطاع غزة قفزة حادة وغير مسبوقة في أسعار زيوت المحركات وقطع الغيار؛ نتيجة تشديد الحصار ومنع دخول التوريدات. وبحسب شهادات ميدانية لـ«عُمان»، ارتفع سعر لتر الزيت الذي كان يُباع قبل الحرب بثمانية شواكل فقط، ليصل إلى 1200 شيكل (نحو 245 دولارا أمريكيا)، مسجلا ارتفاعا يتجاوز مئات الأضعاف. كما قفزت أسعار قطع الغيار الأساسية من 8 شواكل إلى 800 شيكل، مما جعل تكلفة صيانة وتغيير الزيت للمركبة الواحدة تتخطى حاجز 2600 دولار. ينقل خالد عابدين، وهو ميكانيكي سيارات يدير ورشة صيانة في مخيم الشاطئ للاجئين، صورة هذا الواقع قائلا: «كنا نشتري لتر الزيت بثمانية شواكل، واليوم يطالبنا التجار بـ1200 شيكل للتر الواحد إن وُجد. هذا جنون لا تستوعبه الأسواق. حتى قطع الغيار البسيطة تضاعفت أسعارها مائة مرة، وبات من المستحيل على أصحاب المركبات أو الهيئات الإنسانية صيانة آلياتهم». المولدات والموت السريري في جنوب القطاع، أطلق الدكتور عاطف الحوت، مدير مجمع ناصر الطبي، تحذيرا عاجلا من تداعيات نفاد المواد التشغيلية، مؤكدا أن توقف المولدات الكهربائية في المستشفيات يمثل توقيعا فعليا على «حكم بالإعدام الجماعي» بحق المرضى والمصابين، في ظل غياب أي مصادر بديلة للطاقة. ويوضح الحوت أن المجمع الطبي يعتمد على أربعة مولدات رئيسة لتوليد الطاقة، خرج أحدها بالفعل عن الخدمة بشكل كامل نتيجة غياب قطع الغيار، بينما تواجه المولدات الثلاثة المتبقية خطر التوقف الوشيك. ويحتاج المجمع شهريا إلى نحو 900 لتر من الزيوت الصناعية لضمان استمرار عمل هذه الوحدات، وهو ما يتعذر تأمينه في الوقت الراهن. ويضيف أن انقطاع التيار الكهربائي سيعطل غرف العمليات، والعناية المركزة، وحضانات الأطفال حديثي الولادة، وأقسام غسيل الكلى، بالإضافة إلى محطات توليد الأكسجين؛ مما يجعل الموت النتيجة الحتمية للمئات من أصحاب الحالات الحرجة. وفي السياق ذاته، كانت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة قد أصدرت بيانا رسميا حذرت فيه من التداعيات المباشرة لانعدام الزيوت والفلاتر الخاصة بمولدات المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية. وتشير بيانات الوزارة إلى أن المنظومة الصحية في القطاع تحتاج إلى 2500 لتر من الزيوت شهريا لتشغيل المولدات، في وقت باتت فيه الإمدادات شبه معدومة. شهادة من «شهداء الأقصى» لا يختلف الوضع في مستشفى شهداء الأقصى بوسط القطاع، حيث باتت المنشأة الطبية على شفا انهيار تشغيلي كامل بعد اقتراب خروج مولدها الأخير عن الخدمة؛ نتيجة غياب الزيوت التخصصية ومستلزمات الصيانة الأساسية. و استعرض المهندس إسماعيل أبو نمر، مدير الهندسة والصيانة في المستشفى، الواقع الميداني من داخل غرفة المحركات الرئيسة قائلا: «كانت الغرفة تضم مولدين كبيرين بقدرة 810 كيلو فولت أمبير، وتوقفا نهائيا عن العمل بسبب غياب الزيوت التخصصية وقطع الغيار، مما جعل صيانتهما أمرا متعذرا. لجأنا إلى تشغيل مولدات بديلة بقدرات أقل (500 كيلو فولت أمبير) لكنها تعطلت بعد أسبوع واحد من العمل المستمر». ويتابع أبو نمر: «يعمل المستشفى حاليا بمولد واحد فقط بقدرة 400 كيلو فولت أمبير، وهو ما اضطرنا إلى اتخاذ إجراءات قاسية شملت إغلاق بعض غرف العمليات، وإيقاف محطات تحلية المياه، وقطع التيار الكهربائي بالكامل عن أقسام المبيت للحفاظ على الحد الأدنى من عمل أقسام العناية الفائقة. ويضيف: «الاعتماد على مولد واحد على مدار الساعة يشكل ضغطا فنيا هائلا يهدد بتوقفه في أي لحظة، مما يعرض حياة المرضى للموت البطيء». ويناشد أبو نمر المؤسسات الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتدخل العاجل للضغط على السلطات الإسرائيلية لتوفير خط كهربائي دائم يخدم المستشفى. شلل ميداني وتداعيات معيشية امتدت آثار الأزمة لتلقي بظلالها على منظومة الإسعاف والدفاع المدني؛ حيث باتت سيارات الطوارئ مهددة بالتوقف نتيجة شح الزيوت، مما يعوق قدرتها على الاستجابة لنداءات الاستغاثة ونقل الجرحى. ولم تتوقف التداعيات عند المنظومة الطبية؛ إذ تواجه محطة «عبدالسلام ياسين» لتحلية المياه خطر الإغلاق، وهو ما يهدد بقطع مياه الشرب الأساسية عن آلاف العائلات، بالتزامن مع تحذيرات أطلقتها المخابز المحلية من توقف خطوط إنتاج الخبز للسبب عينه. من جانبه، صرّح إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بأن النقص الحاد في الزيوت والفلاتر والمواد التشغيلية يمثل العائق الأكبر أمام استمرارية الخدمات المنقذة للحياة في القطاعين الصحي والإغاثي. وأوضح الثوابتة أن السبب الجذري للأزمة يعود إلى القيود الصارمة التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على المعابر، حيث يُدرج الزيوت الصناعية وقطع الغيار ضمن قوائم المواد «مزدوجة الاستخدام» التي يُمنع إدخالها لأسباب أمنية. تؤكد تقارير المنظمات الحقوقية والأممية أن نقص هذه المواد التقنية لم يعد مجرد عقبة فنية، بل تحول إلى أزمة مركبة تضرب البنية التحتية الحيوية للقطاع وتؤسس لشلل اقتصادي وإنساني كامل يهدد حياة الملايين. وتطالب وزارة الصحة والجهات الإنسانية المجتمع الدولي بالضغط الفوري للسماح بدخول 2500 لتر من الزيوت شهريا، ورفع القيود عن قطع الغيار لإيقاف هذا التدهور المتسارع.