تتجه سلطنة عُمان نحو مرحلة جديدة من التحول الرقمي في إدارة المعاملات التجارية والضريبية عبر مشروع "فوترة"، الذي يعمل جهاز الضرائب على تطبيقه تدريجيا خلال الفترة المقبلة، ويهدف المشروع لتحديث منظومة الفوترة ورفع دقة وكفاءة العمليات التجارية والامتثال الضريبي لمواكبة التوجهات الإقليمية والدولية نحو التحول للاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية التقليدية.
ويعتمد المشروع على نظام الفوترة الإلكترونية الذي يتيح إصدار الفواتير وتبادلها والتحقق منها إلكترونيا وفق معايير موحدة وآمنة تضمن سرعة تبادل البيانات وتقليل الأخطاء وتحسين الشفافية في التعاملات التجارية بين الشركات والجهات المختلفة، ووفق الوثائق التعريفية الصادرة عن جهاز الضرائب، فإن النظام يستند إلى نموذج "الخمس زوايا" المعتمد عالميا في تبادل الفواتير الإلكترونية، والذي يربط المورد والعميل ومزودي الخدمة وجهاز الضرائب ضمن منظومة إلكترونية مترابط.
تطوير القطاع الضريبي
ويأتي المشروع ضمن جهود تطوير البنية الرقمية للقطاع المالي والضريبي في سلطنة عُمان، حيث يسعى إلى تسهيل عمليات الفوترة والإبلاغ الضريبي بشكل أكثر كفاءة، مع توفير بيانات أكثر دقة وسرعة للجهات المختصة، إلى جانب الحد من الممارسات غير النظامية والفواتير غير الموثقة.
وبحسب المعلومات المعلنة ستبدأ عملية التطبيق بشكل تدريجي، حيث تستهدف المرحلة الأولى كبار المكلفين والشركات المسجلة لضريبة القيمة المضافة، قبل التوسع لاحقًا لتشمل شرائح أوسع من الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما أوضح جهاز الضرائب أن التشغيل الأولي للمشروع مخطط له خلال أغسطس 2026، على أن يتم التطبيق لاحقًا على دفعات متتابعة وفق الجدول الزمني المحدد، ويقوم النظام الجديد على إصدار الفواتير إلكترونيا بصيغة منظمة ومعتمدة عوضا عن الفواتير التقليدية أو ملفات "pdf" بين الأطراف المعنية.
وقال الخبير المحاسبي محمد بن علي الكندي: إن تطبيق مشروع الفوترة الإلكترونية يعد من الخطوات المهمة نحو رفع كفاءة بيئة الأعمال، خصوصا في ظل تزايد الاعتماد على الحلول الرقمية في العمليات المحاسبية والتجارية، كما يتوقع أن يسهم المشروع في تقليل الأعمال الورقية والأخطاء اليدوية، وتسهيل عمليات الأرشفة والتدقيق، وتحسين سرعة تبادل الفواتير بين الشركات.
وأكد أن على دور المشروع في تطوير عملية الامتثال الضريبي وتحسين الشفافية في السوق، ويتوقع أن يتيح النظام وصول بيانات المعاملات بشكل أسرع وأكثر دقة، الأمر الذي يساعد على الحد من الفواتير غير النظامية أو غير المبلغ عنها، إضافة إلى تحسين كفاءة التحصيل الضريبي.
وبين الكندي أن المشروع سيسهم في رفع مستوى الاعتماد على الأنظمة المحاسبية والرقمية داخل الشركات، خاصة مع اشتراط إصدار الفواتير إلكترونيا وفق صيغ موحدة ومعتمدة وربطها بالأنظمة المتوافقة مع متطلبات المشروع، وأضاف أن هذه الاشتراطات ستسهم في رفع جودة الخدمات التقنية المرتبطة بالفوترة الإلكترونية، وتعزيز موثوقية الأنظمة المستخدمة، خصوصا أن المشروع يعتمد على تبادل بيانات مالية وتجارية بشكل إلكتروني ومباشر.
ويرى الكندي أن نجاح المشروع سيعتمد بدرجة كبيرة على جاهزية الشركات وتوفير الدعم الفني والتوعوي الكافي، إلى جانب بناء وعي أوسع بأهمية الفوترة الإلكترونية وفوائدها على مستوى السوق والاقتصاد.
تبني المعايير الدولية
الجدير بالذكر أن النظام سيعتمد رموز تحقق مثل " QR Code " والمعرفات الرقمية الخاصة بالفواتير، بما يسهم في تعزيز موثوقية الفواتير الإلكترونية وسهولة التحقق منها، ووفق الوثائق المنشورة، سيكون رمز " QR" إلزاميا في معاملات البيع للمستهلك النهائي "B2C"، ويتضمن بيانات أساسية مثل اسم البائع والرقم الضريبي والطابع الزمني وإجمالي قيمة الفاتورة، وأوضح جهاز الضرائب أن الفواتير يجب أن تصدر إلكترونيا بشكل مباشر، ولن يسمح بالإصدار اليدوي ثم إدخالها لاحقًا إلى النظام.
ويعتمد المشروع على شبكة "OpenPeppol" العالمية المستخدمة في تبادل المستندات الإلكترونية، وهي شبكة تتيح تبادل الفواتير والمستندات التجارية وفق معايير موحدة وآمنة بين مختلف الأطراف، وتشير الوثائق إلى أن الشبكة مستخدمة عالميا وليست مقتصرة على الدول الأوروبية فقط، ما يعكس توجه السلطنة نحو تبني معايير دولية في مجال الفوترة الإلكترونية والتحول الرقمي.
ومن المتوقع أن ينعكس المشروع على سوق الحلول التقنية والمحاسبية في السلطنة، في ظل الحاجة إلى أنظمة متوافقة مع متطلبات الفوترة الإلكترونية، سواء عبر أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية "ERP" أو مزودي خدمات الفوترة الإلكترونية المعتمدين.
متطلبات الاعتماد
وفي هذا الجانب، وضع جهاز الضرائب مجموعة من المعايير والمتطلبات لاعتماد مزودي الخدمة، تشمل وجود سجل تجاري داخل السلطنة، وتوفر متطلبات فنية وأمنية محددة، إلى جانب الالتزام بمعايير الحماية والتشفير وإدارة البيانات، كما تتضمن المتطلبات وجود شهادات معتمدة في أمن المعلومات مثل ISO 27001، بما يعكس أهمية حماية البيانات وسلامة العمليات داخل المنظومة الجديدة.
ويتوقع أن تواجه بعض المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تحديات مرتبطة بالتحول إلى الأنظمة الرقمية الجديدة، سواء من حيث الجاهزية التقنية أو الحاجة إلى تحديث الأنظمة المحاسبية والتدريب على استخدام الحلول الإلكترونية، إلا أن جهاز الضرائب أكد أن التطبيق سيتم بشكل تدريجي، مع توفير ورش عمل وأدلة استخدام ومواد توعوية لدعم الشركات خلال مراحل التطبيق.
كما أشار الجهاز إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة سيتم إدراجها ضمن المرحلة الثالثة من المشروع، ما يمنح هذه الفئة وقتا أكبر للاستعداد والتكيف مع المتطلبات الجديدة.
ومع سرعة التحول الرقمي في مختلف القطاعات. يمثل مشروع "فوترة" إحدى الخطوات التي تستهدف تحديث بيئة الأعمال في سلطنة عُمان، عبر بناء منظومة إلكترونية أكثر تكاملًا وشفافية، بما يواكب التطورات العالمية في مجال الإدارة الضريبية والاقتصاد الرقمي.