أصبحت الحياة الرقمية جزءا أصيلا من الحياة العامة؛ فما يجري في الهاتف أو الجهاز اللوحي أو مختلف الأجهزة الحاسوبية أو على مواقع التواصل الاجتماعي لا يبقى فعلا خاصا أو شخصيا، إذ ينتقل بسرعة فائقة إلى المجال العام. 

قد تتحول صورة تبدو عابرة إلى قضية رأي عام، ويجرح مقطع فيديو كرامة إنسان أو يفتح بابا للإساءة والابتزاز. وتهز شائعة مجهولة أو مكتوبة بغرض الدعابة ثقة الناس في مؤسسة بأكملها أو تضر بأسواق المال أو بالعملة الوطنية. ولذلك تكتسب القوانين والتشريعات المنظمة للفضاء الرقمي أهمية كبيرة لأنها تتعامل مع التقنية بوصفها مجالا واسعا للفعل والتأثير والضرر. 

والمجتمعات في كل مكان في العالم تنتقل بشكل سريع نحو التحول الرقمي إلى حد باتت تفاصيل كثيرة من الحياة اليومية تدار عبر هذا الفضاء الأمر الذي حتّم وجود قوانين وقواعد واضحة تحمي الأفراد من الاختراق والاحتيال والتشهير والابتزاز وتزوير الحقائق والاعتداء على الخصوصية. 

وفي هذا السياق جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لمواجهة التجاوزات التي أخذت تتسع في الفضاء الرقمي ويحمي حقوق الناس ويحفظ كرامتهم ويصون الثقة العامة في المؤسسات. 

إن خطورة التحولات الرقمية تكمن في أن الضرر أصبح أسرع من قدرة الضحية على الدفاع عن نفسها. في الماضي كان الاعتداء على السمعة أو الخصوصية محدود الأثر نسبيا، أما اليوم، فإن مادة واحدة منشورة عبر منصة واسعة الانتشار يمكن أن تلاحق صاحبها زمنا طويلا، وقد تتحول إلى حكم اجتماعي سابق على الحقيقة، أو إلى إدانة معنوية قبل أن تتضح الوقائع. 

هذا الأمر يجعل حماية الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية ومؤسسات الدولة وسمعتها ضرورة قانونية ومجتمعية. 

وتزداد الحاجة إلى القانون حين يتعلق الأمر بالفئات الأضعف في المجتمع مثل الأطفال الذين يتم استغلالهم كمحتوى والعمالة المنزلية، وضحايا الحوادث الذين تُنشر صورهم في لحظات لا يستطيعون الدفاع فيها عن أنفسهم أو منع استغلالهم. لا يستطيع هؤلاء، في الغالب، مواجهة قوة النشر المنفلت في وسائل النشر التقنية الحديثة ولذلك هم في حاجة لمثل هذا القانون ليضع حدا فاصلا بين الاستخدام المشروع للتقنية وبين تحويل الإنسان إلى مادة للاستهلاك أو التشهير أو التلاعب. 

ومع أهمية القانون وما يتضمنه من مواد رادعة، يظل التشريع جزءا من الحل؛ فالفضاء الرقمي يحتاج أيضا إلى تربية إعلامية قبل أن يصل الأمر إلى القانون، تربية تبدأ من البيت وتمتد للمدرسة والحارة والسبلة والمسجد. كما يحتاج إلى مجتمع ترفض مؤسساته تداول الإهانات والتعدي على الخصوصيات كما ترفض صناعة الشائعات وترويجها؛ فالقانون يعاقب مرتكب الجريمة بعد وقوعها أو عند الاقتراب منها أما الوعي الذي تصنعه مؤسسات المجتمع فمن شأنه أن يمنع نشوء البيئة التي تجعل الجريمة ممكنة ومقبولة ومربحة. 

وإذا كانت مواد القانون رادعة ومغلظة فهذا لا يعني أنها تبني بيننا وبين التكنولوجيا جدرانا عالية أو تصنع حاجزا كبيرا من الخوف، يتعلق الأمر أولا وأخيرا ببناء آلية صحيحة للتعامل مع التقنية وتطبيقاتها واستخدامها في المسار الصحيح الذي يبقيها وسيلة للمعرفة والتواصل والإبداع. والمجتمعات التي تتقدم بسرعة هي التي تحول أدواتها لخدمة الإنسان لا الاعتداء عليه.