ترجمة: نهى مصطفى
عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 اختارت الدول الأوروبية في البداية سياسة الاسترضاء في التعامل مع الولايات المتحدة. ففي مواجهة واشنطن العدائية التي هددت بسحب المظلة الأمنية الأمريكية، ودعمت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر الدفع نحو تسوية غير عادلة للحرب في أوكرانيا، وفرضت تعريفات جمركية عقابية على الصادرات الأوروبية، وساندت أحزاب اليمين المتطرف؛ أقنع القادة الأوروبيون أنفسهم بأن التملق وضبط النفس هما أفضل السبل للحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي. فتجنبوا المواجهة، وتحملوا الإهانات، وأملوا أن يؤدي تقديم تنازلات كافية إلى الحفاظ على جوهر العلاقة مع واشنطن.
وبدا هذا النهج منطقيا لبعض الوقت؛ فما زالت أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في أمنها، وما زالت أوكرانيا بحاجة إلى الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية الأمريكية في حربها مع روسيا. كما بدت الاقتصادات الأوروبية هشة، والسياسة الداخلية منقسمة إلى درجة تجعل من الصعب خوض مواجهة تجارية مباشرة مع واشنطن. ومع صعود أحزاب اليمين المتطرف في أنحاء القارة خشي كثير من القادة الأوروبيين من أن تؤدي المواجهة مع ترامب إلى تقوية حلفائه الأوروبيين، لكن سياسة الاسترضاء كانت مكلفة.
ففي محاولة لمنح ترامب «انتصارا» وافقت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو في يونيو الماضي على رفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% رغم أن التقديرات العسكرية الأوروبية لم تبرر هذا المستوى بالكامل، ما فتح الباب أمام انتقادات داخلية تتهم الحكومات بالتضحية برفاه المواطنين لصالح التسلح. كما واصلت أوروبا الاعتماد على سلاسل التوريد الأمريكية في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية، وخففت جهودها لمكافحة التضليل الإلكتروني إرضاء لإدارة ترامب. وفي يوليو وافق الاتحاد الأوروبي تحت الضغط على اتفاق تجاري غير متكافئ مع واشنطن خلال اجتماع في اسكتلندا. وخلال عام واحد لم تخسر أوروبا نفوذها أمام ترامب فحسب، بل فقدت أيضا كثيرا من ثقتها بنفسها.
لكن منذ بداية عام 2026 بدأت تجاوزات ترامب تدفع القادة الأوروبيين إلى استعادة بعض هذه الثقة. ففي السنة الثانية من ولايته بدا الرئيس الأمريكي أكثر تطرفا مما توقعه كثيرون في أوروبا. فقد أمر بتنفيذ ضربة عسكرية على فنزويلا، وهدد بغزو جرينلاند، وصعد تهديداته بالانسحاب من حلف الناتو، وسعى إلى الالتفاف على قرارات المحكمة العليا للإبقاء على تعريفات جمركية مرتفعة، وتدخل في الانتخابات الأوروبية، وشارك في الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدخلت أوروبا والعالم في أزمة طاقة غير مسبوقة.
أدى هذا التصعيد إلى تراجع شعبية ترامب سياسيا لدى معظم الناخبين الأوروبيين، كما دفع الحكومات الأوروبية إلى العمل بصورة أكثر تماسكا، واتخاذ خطوات أكثر جدية لتعزيز الدفاع والتجارة وأمن الطاقة وحماية الديمقراطية. في الواقع بدأ القادة الأوروبيون أخيرا في تنفيذ سياسات كان ينبغي تبنيها منذ سنوات. ورغم أن هذا التحول لا يزال غير مكتمل ومثيرا للجدل وقابلا للتراجع، فإن مسار أوروبا تغير بصورة جوهرية. فبعد عام من محاولة استرضاء ترامب ربما يصبح عام 2026 بداية السعي الأوروبي الجاد نحو الاستقلال الاستراتيجي الذي طال الحديث عنه.
جاءت اللحظة الفاصلة في يناير عندما صعد دونالد ترامب تهديده بالاستيلاء على جرينلاند بالقوة إذا لزم الأمر بحجة حماية المصالح الأمريكية في القطب الشمالي. ولم ينظر إلى ذلك بوصفه خلافا عابرا عبر الأطلسي، بل باعتباره تهديدا مباشرا وغير مسبوق لسيادة الدنمارك، العضو في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو رغم أن كوبنهاجن ونوك كانتا قد أبدتا بالفعل استعدادا لتعزيز التعاون الأمني والدفاعي مع واشنطن.
وجاء الرد الأوروبي حاسما؛ ففي منتصف يناير انضمت فنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة إلى الدنمارك في مناورات عسكرية مشتركة في جرينلاند. وبعد تهديد ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة على هذه الدول علّق الاتحاد الأوروبي التصديق على اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة، وبدأ مناقشة تفعيل «آلية مكافحة الإكراه» التي تتيح فرض تعريفات جمركية، وتقييد الوصول إلى الأسواق ردا على الضغوط الاقتصادية الخارجية.
في الوقت نفسه بدأ القادة الأوروبيون يتحدثون بصورة أكثر صراحة عن ضرورة حماية القارة ليس فقط من روسيا أو الصين، بل أيضا من الولايات المتحدة إذا اقتضى الأمر. ففي المنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في دافوس اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ترامب باتباع سياسات تهدف إلى إضعاف أوروبا وإخضاعها بينما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى استقلال أوروبي دائم عن واشنطن.
ورغم تراجع ترامب لاحقا عن تهديده بشأن جرينلاند، فإن الصدمة دفعت الأوروبيين إلى إدراك أن اعتمادهم على الولايات المتحدة تحول من مخاطرة قابلة للإدارة إلى تهديد حقيقي. وانعكس هذا التحول على موقفهم من الحرب في أوكرانيا، خاصة بعدما تراجعت المساعدات العسكرية الأمريكية من أكثر من 19 مليار دولار عام 2024 إلى 400 مليون دولار فقط في ميزانية 2026 بالتزامن مع تخفيف واشنطن العقوبات على النفط الروسي بعد إغلاق مضيق هرمز.
وجاء الدعم الأوروبي لأوكرانيا بطيئا بسبب الانقسامات الداخلية وصعود اليمين المتطرف؛ إذ عرقل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان قرضا أوروبيا بقيمة 105 مليارات دولار قبل أن تؤدي هزيمته الانتخابية في أبريل إلى تمريره. ورغم أن القرض لا يحل كل مشكلات كييف، فإنه وفّر لها استقرارا ماليا أكبر وأرسل رسالة واضحة إلى موسكو وواشنطن بأن الدفاع عن أوكرانيا أصبح جزءا من الأمن الأوروبي نفسه.
وفي هذا السياق بدأت أوروبا تشكيل «تحالفات الراغبين» لدعم أوكرانيا وحماية المصالح الأمنية المشتركة بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا ودول أخرى، قبل أن تتوسع لاحقا لتشمل مبادرات مثل حماية الملاحة في مضيق هرمز. ورغم أن هذه التحالفات ما تزال في بدايتها، فإنها تعكس نموذجا أمنيا أوروبيا جديدا يقوم على التعاون المرن بدل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وفي مطلع 2026 أطلق الاتحاد الأوروبي برنامجا دفاعيا مشتركا بقيمة 175 مليار دولار لإعادة بناء الصناعات العسكرية الأوروبية، وتقليل الاعتماد على الموردين الأمريكيين.
قد تبدو هذه الخطوات محدودة، لكنها تحمل دلالة واضحة: أوروبا بدأت تتعلم كيف تتحرك جماعيا عندما تصبح الولايات المتحدة شريكا غير قابل للتنبؤ.
وقد شهدت أوروبا تحولا واضحا في استراتيجيتها التجارية؛ ففي عام 2025 بدد الاتحاد الأوروبي جزءا كبيرا من نفوذه رغم امتلاكه حجم السوق والأدوات القانونية التي كانت تسمح له بالتفاوض مع دونالد ترامب من موقع قوة. لكن انقسام الدول الأعضاء، وترك الشركات الخاصة تتحرك بصورة منفردة أضعفَا الموقف الأوروبي. وفي يوليو رضخت بروكسل لضغوط واشنطن؛ فوافقت على اتفاق تجاري غير متكافئ لتجنب رسوم جمركية بنسبة 30% شمل فرض رسوم بنسبة 15% على معظم الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، وإلغاء الرسوم على السلع الصناعية الأمريكية إضافة إلى التزام أوروبي بشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار، وتوجيه استثمارات إضافية بقيمة 600 مليار دولار إلى السوق الأمريكية بحلول 2028 رغم اعتراف المفوضية الأوروبية نفسها بأن هذه الأرقام طموحة إلى حد يصعب تنفيذه.
ومنذ أواخر 2025 بدأت بروكسل تصحيح هذا المسار عبر تسريع إبرام اتفاقيات تجارية جديدة. ففي خلال أشهر وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات مع أستراليا والهند وإندونيسيا وتكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية، وهي اتفاقيات تنظم تجارة سنوية تتجاوز قيمتها 470 مليار دولار. وأظهر هذا التحرك تحولا جوهريا؛ فأوروبا لم تعد تنتظر إنقاذ النظام التجاري القائم، بل بدأت تبني شبكة موازية من العلاقات الاقتصادية الثنائية.
ومع ذلك لم تتخل أوروبا عن العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي. ففي أبريل أبرم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة شراكة استراتيجية لحماية سلاسل إمداد المعادن الحيوية في إشارة إلى أن التعاون مع واشنطن ما زال ممكنا عندما تتقاطع المصالح، لكن العلاقة الجديدة أصبحت أكثر براجماتية وأقل اعتمادا سياسيا وعاطفيا.
كما دفع ترامب أوروبا من دون قصد إلى تسريع مساعيها لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة. فبعد إطلاق «الصفقة الخضراء الأوروبية» عام 2019 تعرض المشروع لهجوم واسع من أحزاب اليمين واليمين الوسط التي اعتبرته مشروعا مكلفا ومنفصلا عن الواقع، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى تخفيف بعض التزاماتها البيئية بعد انتخابات 2024.
لكن أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية في أوكرانيا، ثم الحرب على إيران أعادت صياغة النقاش الأوروبي. فالقارة ما تزال تستورد 93% من احتياجاتها النفطية و88% من الغاز بينما يوفر الخليج نحو خُمس وارداتها النفطية. ومع ارتفاع أسعار الغاز إلى أكثر من الضعف قدرت المفوضية الأوروبية أن دول الاتحاد قد تتحمل ما يصل إلى 45 مليار دولار إضافية من تكاليف الطاقة حتى عام 2026.
وأصبح واضحا بالنسبة إلى أوروبا أن التحول إلى الطاقة النظيفة لم يعد قضية بيئية فقط، بل مسألة أمن استراتيجي؛ ففي أبريل اقترحت المفوضية الأوروبية تعديلات ضريبية تهدف إلى جعل الكهرباء أرخص من النفط والغاز بوصفها استجابة مباشرة لأزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية إلى جانب إعداد أهداف أوروبية ملزمة للتوسع في الكهرباء وخطط وطنية جديدة للطاقة في فرنسا وألمانيا ودول أخرى.
ولعل أبرز آثار تطرف دونالد ترامب في أوروبا ظهرت داخليا بعدما تحول إلى نموذج ملهم لليمين المتطرف الأوروبي من فيكتور أوربان ومارين لوبان إلى جورجيا ميلوني وأليس فايدل ونايجل فاراج. وفي عام 2025 تجاوز ترامب وحلفاؤه الدعم الرمزي إلى التدخل المباشر في السياسة الأوروبية عبر دعم أحزاب اليمين المتطرف والتدخل في الانتخابات الألمانية والرومانية والمجرية.
لكن هذه التدخلات جاءت بنتائج عكسية في كثير من الأحيان؛ ففي ألمانيا بقي حزب البديل من أجل ألمانيا خارج السلطة رغم تقدمه الانتخابي، وخسر اليمين المتطرف الانتخابات الرئاسية في رومانيا بينما تعرض أوربان لهزيمة قاسية في المجر. كما بدأ عدد من قادة اليمين الأوروبي، مثل ميلوني وفاراج ولوبان، في النأي بأنفسهم عن ترامب بعدما تحول الارتباط به إلى عبء سياسي متزايد.
ومع ذلك لا تزال الصورة معقدة؛ فضعف ارتباط هذه القوى بترامب يمنح الأحزاب الليبرالية والديمقراطية فرصة جديدة، لكن هذه الفرصة قد لا تدوم. ففي ألمانيا تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في بعض استطلاعات الرأي بينما تراجعت شعبية حكومة المستشار فريدريش ميرز. وفي رومانيا انهار الائتلاف الحاكم المؤيد للاتحاد الأوروبي فيما يقترب تحالف اليمين المتطرف من تصدر المشهد إذا جرت انتخابات مبكرة.
ولن يكفي خطاب دونالد ترامب العدائي لإنقاذ الديمقراطية الأوروبية ما لم تنجح الأحزاب الرئيسية في توفير الأمن والازدهار لمواطنيها؛ فالمطلوب ليس الاكتفاء بمواجهة اليمين المتطرف، بل تحويل رد الفعل ضد ترامب إلى مشروع سياسي يقوم على تعزيز سيادة القانون، وحماية الحدود، ودعم الدفاع الأوروبي، وتحقيق أمن الطاقة، وتعميق التكامل الاقتصادي.
يواجه مشروع «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي اختباره الحقيقي؛ فالأوروبيون لم يعودوا يسعون إليه بدافع العداء لترامب، بل لأن الاعتماد على الولايات المتحدة بات مكلفا وخطرا. وإذا عجزت أوروبا عن الدفاع عن أوكرانيا، أو حماية ديمقراطيتها، أو تأمين تجارتها وطاقتها من دون واشنطن فإنها ستفقد قدرتها على حكم نفسها.
والمفارقة أن ترامب ربما حقق بضغطه المتواصل، ما فشلت فيه سنوات من الخطابات الأوروبية؛ إذ كشف ثمن التبعية، ودفع الأوروبيين إلى إعادة التفكير في معنى التحالف القائم على الندية والاحترام المتبادل.
ماتياس ماتيس أستاذ مشارك في الاقتصاد السياسي الدولي في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، وزميل أول لشؤون أوروبا في مجلس العلاقات الخارجية
ناتالي توتشي أستاذة ممارسة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في بولونيا، وزميلة أولى في معهد صنع السياسات الأوروبية بجامعة بوكوني في ميلانو
الترجمة عن Foreign Affairs