في محاولة تحليل مغزى الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي الأخير والتنبؤ بمصيره قفزت إلى ذهني بصورة مفاجئة صورتان تبدوان متباعدتين تماما. الصورة الأولى هي المطربة العظيمة «فيروز» والثانية لبن غوريون المؤسس الحقيقي لدولة إسرائيل ومشروعها التوسعي الذي تعمل على أساسه حتى اليوم. 

إذ بدا هذا الاتفاق وكأنه جولة من صراع طويل بين فيروز كصوت مفرد توحد عليه كل اللبنانيين في مسار قوة ناعمة سعى -ربما دون قصد- إلى بناء وطنية جامعة لكيان سياسي تفوقت فيه ومنذ نشأته الهوية الطائفية على الهوية الوطنية. 

ينسب للرئيس عبد الناصر أنه كان شديد الإعجاب بفيروز و«الرحبانية» وكان يراهم الإنجاز الثقافي الأهم للبنان الحديث وأن صوت فيروز الذي غنى للبنان والجنوب هو عابر للطوائف وعابر للسياسة أي يمثل عنصرا قادرا على توحيد السبيكة اللبنانية المتباينة في الداخل وأن صوت فيروز الذي غنى للقدس ومكة ودمشق قادر على المساهمة في تأكيد عروبة لبنان وارتباطه بحاضنته العربية والإسلامية. 

لفهم اختصار فيروز لبنان كوطن يمكن أن نتذكر أن الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون وفي محاولة لاستعادة نفوذ فرنسا التقليدي على لبنان والذي إزاحته الولايات المتحدة بكل قسوة لم يجد وسيلة لاستعادة قدر من هذا النفوذ إلا بزيارة فيروز في منزلها ٢٠٢٠ وقام بمنحها أعلى وسام فرنسي كان قد أسسه نابليون بونابرت نفسه. 

من يصارع فيروز كرمز لوحدة لبنان هو المشروع الصهيوني الذي قدمه بن غوريون في مباحثات سيفر التي سبقت العدوان الثلاثي على مصر ٥٦ ونشرته وثائق ومذكرات إسرائيلية رسمية. 

عمل بن غوريون على منع لبنان من أن ينصهر في بوتقة الدولة الوطنية وإلى احتلال جنوبه حتى الليطاني وطرد المسلمين من الجنوب المجاور للشمال الإسرائيلي وتفريقهم والتمهيد لنشوء إمارة مسيحية موالية الغرب ومعزولة عن عروبتها أي الإبقاء على الهدف الأصلي الذي سعت إليه القوى الغربية من إنشاء كيان ما عرف بلبنان الكبير ١٩٢٠». 

احتذى بن غوريون في هذا حذو حاييم وايزمان الذي طالب في رسالة للحكومة البريطانية قبل نحو ٣٠ سنة من إنشاء إسرائيل نفسها بضم الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني للدولة اليهودية القادمة. احتل الإسرائيليون قرى عدة في الجنوب اللبناني عام ١٩٤٨ وانسحبوا منها لاحقا ولم يكن هناك لا مقاومة ولا يحزنون. 

السردية أو الفرضية الإسرائيلية التي بني عليها الاتفاق والتي تقول إن حزب الله إنما يدخل لبنان في حرب يرتهن بها بلده للأجندة الإقليمية الإيرانية. أو التي تقول إن إسرائيل تشن حروبا عدوانية على لبنان بسبب تهديد المقاومة اللبنانية لشمال إسرائيل بعد ١٩٨٢ أو بسبب المقاومة الفلسطينية قبلها بعد انتقالها من الأردن إلى لبنان عام ١٩٧٠ هي مغالطة تاريخية كبرى. 

لكن يبدو أن «فيروز» واحدة لا تكفي لصنع وطن موحد. فقد قدمت الطوائف اللبنانية استثناء غير مسبوق لقاعدة أن الشعوب تتوحد في مواجهة الخطر الخارجي خاصة إذا كان هذا الخطر هو اعتداء على السيادة الوطنية كما هو حال العدوان الإسرائيلي منذ مارس الماضي. 

انقسمت النخب السياسية وأمراء الحرب رغم سقوط مايقرب من ٤٠٠٠ شهيد لبناني وإصابة ما يقرب من ١١ألف مصاب بنيران إسرائيل واحتلالها الحالي لمساحة ٥٦كم. عندما تقارن المجتمع اللبناني في الحرب الحالية بالمجتمع الإيراني أو بالمجتمع المصري بعد حرب ٦٧ واللذين وضعا خلافاتهما مع النظام جانبا وتوحدا ضد العدو يمكن أن تعرف الفرق المخيف بين سيادة الهوية الوطنية الجامعة على الهويات الفرعية وبين سيادة الهوية الطائفية الفرعية على الهوية الوطنية. 

الانقسام لم يكن مقصورا على الطوائف بل امتد لمؤسسات الدولة. وقفت مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الحكومة فيما في توافق «جزئي» بين السنة والموارنة في جانب ومؤسسة البرلمان التي يرأسها الزعيم الشيعي نبيه بري ومعه حزب الله الممثل في الحكومة والبرلمان وقفا في الجانب المضاد. جيش لبنان المحترم وطنيا والذي يضم جنودا من كل الطوائف اتخذ وضعا حكيما أقرب إلى الحياد مادام المستوى السياسي الذي يفترض منه توجيهه بقرار موحد منقسم على نفسه وتتبادل وحداته الاتهامات الحادة فيزعم كل طرف أن الآخر لا يمثل الشعب اللبناني. 

كما يزعم كل طرف أن الطرف الآخر يعمل لصالح قوى خارجية فيرى الرئيس ورئيس الحكومة ومعهما معظم زعماء الموارنة والسنة أن الشيعة يعملون لصالح الأجندة الإقليمية لإيران ويرى المعسكر الآخر أن خصومه في بعبدا والنخبة البيروتية يتماهون مع المشروع الإقليمي للولايات المتحدة وإسرائيل. 

الاتفاق فشل في تحقيق الهدف الأساسي الذي حدده عون وسلام قبل المفاوضات ألا وهو وقف الحرب أو تحديد موعد حاسم لإنهائها. 

الاتفاق فشل حتى في لجم إسرائيل عن الاستمرار في العدوان أثناء سير المفاوضات بكل الإحصاءات الموثقة زادت وتيرة الاعتداءات التوغلات في مرحلة «إبريل/يونيو على وتيرتها قبل المفاوضات ووصل عدد الشهداء والمصابين تقريبا لنفس ماقالوا قبل المفاوضات. بعبارة أخرى قبل الطرف الوفد اللبناني التفاوض تحت النار وتغيير الإسرائيلي الوقائع على الأرض ليأخذ من المفاوضات ما عجز عن أخذه. 

لم يتضمن الاتفاق بندا صريحا بتعهد إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة والعودة لخط الهدنة ١٩٤٩ كهدف نهائي للمفاوضات وحمل الاتفاق المقاومة وليس المحتل أسباب استمرار الحرب بل وقبل الوفد اللبناني أن يوصف حزب وطائفة يمثلان تقريبا ثلث سكان لبنان أنه عدو للدولة اللبنانية مثلما هو عدو لإسرائيل! 

بهذا الاتفاق قد يبدو أن بن جوريون الساعي إلى لبنان طائفي وممزق مهيمن عليه إسرائيليا عبر محاولة اختطاف الزعامة المارونية بجانبه قد كسب جولة من فيروز التي دعت والرحبانية وخصوصا ابنها الموسيقار العبقري زياد الرحباني إلى لبنان موحد عابر للطوائف متفق على أن إسرائيل هي العدو. لكن هناك من الشواهد ما يوحي بأن هذا الاتفاق لن يصمد كما لم يصمد اتفاق آيار ٨٣ الذي صنعه بشير الجميل. 

بعبارة أوضح قد يكو ن بن جوريون والمقصود هنا بداهة هو تصوره التوسعي للبنان المفتت طائفيا قد كسب هذه المعركة لكن يبدو أن فيروز هنا أيضا بوصفها رمزا للبنان موحد قائم على المواطنة دون فرز مازال لديها فرصة لتكسب الحرب في النهاية. 

وما لم يقبل الاتفاق تعديلا جوهريا على الأقل للصيغة الوسط التي اقترحها نبيه بري على جولة مفاوضات الـ٢٢ يونيو المقبلة فإن الثلث المعطل الذي كرسه اتفاق الدوحة ٢٠٠٨ لصالح الحزب سيكون عمليا قادرا على منع التصديق عليه من البرلمان. وإذا تم عد نواب ووزراء أمل وحزب الله في البرلمان والحكومة وأضيف إليهم حلفاؤهم في الجانب المسيحي «تيار المردة سليمان فرنجية ونسبيا من التيار الوطني الحر التابع للرئيس السابق ميشال عون بالإضافة للحزب القومي السوري الاجتماعي والقوى الناصرية. 

ومع الموقف الذي سجله زعيم دروز لبنان وليد جنبلاط على الاتفاق معتبرا إياه تضييعا للجنوب فإن تمرير الاتفاق يكاد يكون مستحيلا. 

تطور إيجابي محتمل قد يقلل خطر اندلاع حرب أهلية جديدة بسبب اتفاق يهدف لنزع سلاح حزب الله قبل خروج الاحتلال. 

هذا التطور يتمثل في احتمالات جادة لتغيير في التحالفات السياسية الطائفية الموجودة بين أغلب الموارنة وأغلب السنة بعد حادث اغتيال رفيق الحريري ٢٠٠٥ وحادث أو خطأ نزول حزب الله لبيروت ٢٠٠٨. السنة قد يتغير موقفهم تدريجيا إذا أدركوا أن إسرائيل ربما تسعى من الاتفاق لتمكين الموارنة من الهيمنة السياسية على لبنان، كما سعت مع فيليب حبيب وبشير الجميل في اتفاق آيار ١٩٨٣ والذي قاومه السنة ضمن تحالف واسع ضم الشيعة والدروز وكل القوى القومية واليسارية. 

الموقف شبه الحيادي للدروز وجنبلاط المختلف مع حزب الله في مسألة العلاقات الوثيقة مع طهران قد يتغير كذلك بعد الاتفاق إذا بدت تباشير هيمنة سياسية مارونية خاصة مع خبرة ١٩٨٣ المريرة أيضا؛ حيث قام الموارنة بدعم إسرائيلي بالصعود جبل الشوف معقل الدروز وجرت مذابح مخيفة للطائفة الدرزية. تعلم وليد جنبلاط من درس الجبل ومن من والده العروبي كمال جنبلاط إن نزع الدروز من حاضنتهم العربية هي حكم عليها بالفناء. 

حتى في القسم المسيحي قد يعلو صوت التيار الداعي للتعامل مع إسرائيل كعدو والذي يعتبر رمزه الرئيس الأسبق إميل لحود وشخصيات مسيحية لا تشعر بارتياح لما تراه اختطاف من قائد القوات اللبنانية سمير جعجع لتمثيل الطائفة بكل عراقتها وروابطها مع العالم العربي. 

يحتاج لبنان إلى أكثر من فيروز واحدة ليعبر من المواطنة الطائفية إلى المواطنة الجامعة ولكنه ربما إذا التصق بحقيقة أنه مسيحييه ومسلميه بمن في الداخل ومن في المهجر متحدون على صوتها وخصوصا على رائعتها «بحبك يا لبنان يا وطني بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك» قد يكون قد خطا الخطوة الصحيحة الأولى.