ترجمة: أحمد شافعي
في أكتوبر، ساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحقيق وقف إطلاق للنار بين حماس وإسرائيل، ووسط صخب إعلامي كبير، أطلق خطة من عشرين نقطة لحل الصراع الحرون.
في ذلك الوقت كانت إسرائيل تتوق إلى استعادة الرهائن، وحماس إلى إنهاء القصف المستمر لقطاع غزة، ومع ذلك لم يكن أي من الطرفين مستعدا للتنازل عن مطالبه القصوى، أو راغبا في إغضاب الرئيس الأمريكي الذي كان مصرا على تحقيق نصر؛ فاتفقا على خطة ترامب، كلٌّ وفق فهمه لها، أي أن تنسحب إسرائيل إلى خط متفق عليه وتحتفظ بالسيطرة على قرابة 53% من غزة وتسمح بإعادة إعمار المنطقة التي سويت بالأرض فقط بعد نزع سلاح حماس، وأن تناقش حماس نزع السلاح فور تمهيد طريق واضح لدولة فلسطين المستقبلية.
ولم يكن أي من الطرفين مستعدا للبدء بتقديم التنازل. ولم تحدد الخطة ترتيبا لذلك.
ولم يكن هذا عيب الخطة الوحيد؛ فقد نصت أيضا على أن تجري «عملية إلغاء طابع غزة العسكري» تحت إشراف مراقبين دوليين «من خلال عملية تفكيك متفق عليها». لكنها لم تحدد أولئك المراقبين أو الشكل الذي سوف تتخذه العملية، وهل ستسلم حماس أسلحتها الثقيلة أولا أم الصغيرة والأنفاق ومنشآت إنتاج الأسلحة.
وللحيرة دور مركزي في بطء تقدم مجلس السلام بقيادة ترامب الذي كان يفترض أن ينهي صراع غزة تماما. وفي الوقت الذي ألهت فيه حرب إيران ترامب، يستمر شعب غزة بلا خيار إلا أن يعيش في ظروف مزرية.
كان من مهام الخطة الأساسية تأسيس قوة دولية لفرض الاستقرار ـ مؤلفة من قوات عربية وأوروبية بل ومن بعض البلاد الآسيوية مثل إندونسيا ـ تتولى إدارة الأمن في القطاع. بعبارة أخرى، قوة دولية ينتظر منها أن تنزع سلاح حماس بالقوة إن لزم الأمر.
ولم يضع جندي واحد قدمه في غزة، وتظل قوة الاستقرار الدولية محض فكرة لا وجود لها على الأرض. فـ«لا أحد يريد أن يتولى مهمة محاربة حماس بالنيابة عنا» حسبما قال إران ليرمان عقيد المخابرات المتقاعد ونائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق الذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن لفورين بوليسي.
تم تعيين نيكولاي ملادينوف، وزير الدفاع البلغاري السابق ممثلا رفيع المقام للمجلس فهو يرأس هيئة تكنوقراطية فلسطينية جديدة يطلق عليها اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)، وينص موقع الإنترنت لهذه الهيئة على أن المنتظر منها أن تدير «خدمات الحياة اليومية العامة» في القطاع وتعد بصفة عامة حكومة غزة الفعلية في المنفى. لكن اللجنة خاملة منذ شهور في فندق بالقاهرة ولم تطأ أقدامها غزة.
قال محمد شحادة، الباحث الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR): إن حماس تشك في أن ملادينوف يعمل تحت ضغط إسرائيلي وأنه تعمد منع اللجنة من زيارة غزة تأخيرا لإعادة الإعمار ومنعا لتقدم العملية السياسية ما لم تنزع حماس سلاحها. وفي مارس نشر باسم نعيم، عضو مكتب حماس السياسي المسؤول عن صنع القرار، في موقع إكس أن ملادينوف يريد تحقيق «أهدافه الخاصة» على حساب الشعب الفلسطيني وأهدافه هي «إرضاء الأمريكيين والإسرائيليين».
في الوقت نفسه، يتكدس أهل غزة في أقل من نصف المساحة التي كانوا يعيشون فيها قبل الصراع. فقد توغلت القوات الإسرائيلية في مزيد من الأرض منذ وقف إطلاق النار، وتجاوزت ما يعرف بالخط الأصفر، وهو عبارة عن خط حدودي معين بكتل خرسانية صفراء تفصل 53% من غزة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية عن المنطقة الخاضعة لسيطرة حماس.
وتوسعت القوات لتحتل قرابة 11% من الأرض الإضافية فهي تسيطر الآن على 64% من غزة. ويتردد أن حافة المنطقة الخاضعة حديثا للسيطرة الإسرائيلية معينة على الخرائط بـ«خط برتقالي» يمثل حدا فعليا جديدا. وتحتاج منظمات الإغاثة إلى موافقة إسرائيلية مسبقة لتوفير الإغاثة للمقيمين في ما بين الخطين الأصفر والبرتقالي، فهي منطقة عازلة إسرائيلية موسعة.
في نهاية شهر مايو، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه وجَّه قوات إسرائيلية إلى السيطرة على أكثر من 70% من غزة معززا الشكوك في أن إسرائيل تسعى إلى توسيع واحتلال الأرض. فضلا عن ذلك، يشير نشطاء إلى أن طرد الفلسطينيين جزء من سياسة الدولة. إذ توثق منظمة جيشا -وهي جماعة قانونية إسرائيلية تناصر حرية الحركة للفلسطينيين- وجماعة عدالة -وهي مركز قانوني آخر للحقوق العربية في إسرائيل- العديد من مظاهر الحياة في غزة. في فبراير بعثت المنظمتان رسالة إلى السلطات الإسرائيلية تطالب بـ«نهاية فورية» لما وصفتاه بـ«التحرش والقيود غير القانونية المفروضة على السكان الفلسطينيين الساعين إلى الرجوع إلى غزة من خلال معبر رفح» قادمين من مصر.
زعمت منظمة جيشا في فبراير أن عددا ضئيلا فقط ممن غادروا غزة خلال الحرب قد أتيح لهم إعادة الدخول وأن تنسيقية الأنشطة الحكومية في الأراضي -وهي وحدة في وزارة الدفاع الإسرائيلية- قد منعت فلسطينيين كانوا خارج غزة قبل بداية حرب 2023 من العودة.
قالت تانيا هاري المديرة التنفيذية لمنظمة جيشا: إن «قرابة ثلاثين ألف فلسطيني وقعوا طلبات رجوع إلى غزة من مصر؛ حيث يقيم أكثر من مائة ألف، لكن السماح لهم يجري بإيقاع شديد البطء». وقالت إنه ينبغي السماح لخمسين مريضا بالرحيل مع مرافقيهم وأن عددا مماثلا من الناس يجب أن يتمكنوا من الرجوع إلى غزة كل يوم وفقا للشروط المتفق عليها في المفاوضات. لكن عدد الذين يسافرون عمليا في كلا الاتجاهين «منخفض عمدا».
في وقت المفاوضات، أصرت مصر على أن يكون عدد المسموح لهم بالرحيل مساويا لعدد العائدين. وفي حين تخشى مصر وبلاد عربية أخرى من أنها قد تستضيف الفلسطينيين الراحلين عن غزة خوفا من احتمالية عدم سماح إسرائيل برجوعهم، قال نشطاء لفورين بوليسي: إن إسرائيل أشد توقا إلى رحيل الفلسطينيين منها إلى قبول الراغبين في العودة.
قالت هاري: إن طرد الفلسطينيين من غزة يبدو سياسة دولة. وأضافت لفورين بوليسي أن «إسرائيل كانت شديدة الوضوح بشأن رغبتها في رحيل الفلسطينيين عن غزة، فهم لا يخفون ذلك أصلا. بل لقد قال وزير الدفاع إسرائيل كاتز إنه يبحث عن بلاد راغبة في استقبال الفلسطينيين من غزة. والهدف السياسي بالغ الوضوح».
وتذهب جيشا وعدالة إلى أن تثبيط عودة الفلسطينيين إلى غزة يرقى إلى «نقل قسري للشعب» ويمثل جريمة حرب.
وقال ليرمان: إن البعض في اليمين المتطرف بإسرائيل أعربوا عن نواياهم لاحتلال غزة وطرد الفلسطينيين، وهي إشارة محتملة إلى وزير الأمن إيتامار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش وكلاهما ينتمي إلى حكومة نتنياهو ويساند «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من قطاع غزة.
غير أن ليرمان أضاف أنه لم يكن يتصور أن طرد الفلسطينيين سياسة حكومية. وقال: إن الفكرة بالنسبة للقوات الإسرائيلية هي البقاء في غزة إلى أن ينتهي تهديد حماس.
قال ليرمان: إن «ملاجينوف طلب من العاصمة الإسرائيلية إخبار نتنياهو بأن حماس لا تنزع سلاحها، وأن قوة الاستقرار الدولية غير قادمة» وأضاف: إن هذا يعني أنه على إسرائيل أن تخلق الظروف اللازمة لنزع الجماعة سلاحها.
وقال لفورين بوليسي: إن «الاستراتيجية ليست غزو غزة، وإنما تصفية قادة حماس، والزحف قدما لتضييق المناطق الخاضعة لسيطرة حماس، مع إبقاء العمل دون مستوى المواجهة المباشرة».
وقال شحادة، زميل مجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: إن المشكلة هي أن إسرائيل تسعى إلى نزع السلاح تماما ليكون نقطة البداية، بينما تضغط حماس من أجل التفكيك التدريجي للأسلحة. وقال إنه في حال تسليم حماس أسلحتها الصغيرة، فسيتسنى للمستوطنين الإسرائيليين التقدم لاحتلال الأرض.
وقال شحادة إنه «في حال انتهاء الأسلحة، وفي حال تفكيك حماس، سوف يتقدم المستوطنون للاستيلاء على غزة في غضون أشهر، كما يفعلون في الضفة الغربية» في إشارة منه إلى عنف المستوطنين في الضفة. «وترتيبات مجلس ترامب للسلام لا تعد ضمانا يمنع الاحتلال الإسرائيلي».
من جانبها، تقول الحكومة الإسرائيلية: إن كل ما تفعله هو أنها تحاول نزع سلاح حماس لاجتناب ضربة أخرى كالتي وقعت في السابع من أكتوبر 2023. وفي إسرائيل، ثمة مخاوف من أن مناقشة قيام دولة فلسطينية قبل هزيمة حماس قد تعد مكافأة للسابع من أكتوبر فتكون تشجيعا للجماعة.
وتخشى حماس من التعرض لضرب جماعات محلية مسلحة بالتعاون مع إسرائيل في حال تسليمها أسلحتها للقوات الإسرائيلية.
قالت حماس إنها عازمة على تفكيك أسلحتها وتخزينها بعيدا لخمس سنين أو عشرة أو خمس عشرة إلى أن يتم التوصل إلى طريق ذي مصداقية لإقامة دولة فلسطينية وتكون تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، «فقال باسم نعيم في ديسمبر: إن «بوسعنا أن نتكلم عن تجميد أو تخزين أو وضع السلاح، مع ضمانات فلسطينية، وعدم استعماله مطلقا خلال وقف إطلاق النار الحالي أو الهدنة».
يرى ليرمان اللجنة الوطنية لإدارة غزة كيانا عديم السلاح عاجزا عن المراقبة الفعالة لمثل هذه العملية، وقال: «إننا لا نثق في أن حماس تعني ما تقوله، وأن تخزينها للسلاح أشبه ما يكون ببالونة اختبار».
جوهريا، ينبع التردد في المضي قدما لا من غياب الثقة فقط وإنما أيضا من إحساس كل طرف بأنه صاحب اليد العليا، وإن أضر به ذلك. إذ يبدو أن حماس اجترأت بفشل الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب إيران وبنجاة جماعة حزب الله اللبنانية المسلحة وإن بقي الشعب الذي يفترض بها حمايته في أسوأ الأحوال. وتشعر أنها قادرة على الاحتفاظ بأسلحتها واستئناف تكتيكاتها في موعد لاحق.
وإسرائيل واعية بتفوقها العسكري وترى أنها ناجحة في الضغط على حماس حتى وهي متهمة بطرد الفلسطينيين وحرمان مليوني نسمة أنهكتهم الحرب من المأوى والعلاج والأطراف الصناعية. وينتظر كلا الطرفين خروج ترامب من البيت الأبيض وموت مجلس السلام في هدوء.
أنشال فورا صحفية مقيمة في بروكسل
الترجمة عن فورين بوليسي