في الوقت الذي نُحذَّر فيه من مغبة ترك العطور وقناني الماء وشواحن الهواتف وسائر المواد القابلة للانفجار أو التلف في السيارات، تحت فوهة شمس لا تعرف الرحمة، وفي وقت تُسجلُ فيه بلادنا درجات حرارة استثنائية على مستوى العالم، يخرجُ أبناؤنا إلى قاعات الامتحانات ومنها إلى أرصفة الانتظار دون أن تسترعي أجسادهم الغضّة شيئا من الانتباه أو الشفقة والرأفة!! 

دأبتُ خلال أيام الأسبوع الماضي على اصطحاب ابنتي إلى المدرسة وإعادتها يوميًا، تخفيفًا لغلواء المشقة التي ستكابدها، كما فعل كثيرٌ من أولياء الأمور في هذا القيظ اللاهب. فالطالب، ما إن يُسلّم ورقة إجابته حتى يفقد حقّه في الاحتماء بصفّه، ليجد نفسه على نحوٍ مُباغت تحت وطأة الحرّ الشديد، حيث لا ظلّ يقيه، ولا نسمة هواء باردة تُخفّف عنه، ولا يقين لديه بموعد وصول من سيُقِلّه إلى المنزل وسط زحام المركبات وطول الانتظار أمام بوابات المدرسة المُكتظة! 

وإذا كان هذا بعض ما يُلاقيه الطلبة الذين ينتقلون في سيارات خاصة، فما بالُ أولئك الذين يذهبون ويعودون في حافلات يصعبُ الجزم بكفاءة تكييفها، وسط ازدحام المقاعد بالأجساد والحقائب، حتى ليغدو التنفّس كارثيا! 

في ذلك السباق المحموم، رأيتُ وجوهًا شاحبة أنهكها الحر، وعيونًا مُرهقة أثقلها الانتظار الطويل. آنذاك وجدتُ نفسي أفكّر، كما قد يُفكّر غيري بالضرورة: لماذا نُصرُّ على استكمال العام الدراسي وصولا إلى هذا التوقيت الذي يتقاطع كل عام مع ذروة المناخ الصيفي القاسي في بلادنا؟ ألا تستحقُ ظروفنا البيئية مراجعةً جادّة، لا سيّما في ظل التفاوت الواضح في جاهزية المدارس وقدرتها على توفير التكييف وتهيئة بيئة مناسبة للطلبة؟ 

ولا يبدو أنّ الطقس وحده من يسقط من أجندة اهتمامنا؛ فالبرنامج التعليمي لم يأخذ مناسباتنا الدينية والاجتماعية بعين الاعتبار. فعلى سبيل المثال مرّ العيد هذا العام مرورًا باهتًا، إذ اختصر أغلبنا إجازته، وتقلّصت فسحة اللقاء العائلي، واضطررنا للتراجع عن بعض برامج زياراتنا المعتادة رضوخا للامتحانات التي تقرع الأبواب.. وهنا لا نتحدث عن طلبة دبلوم التعليم العام وما تفرضه هذه المرحلة من اعتبارات استثنائية، وإنّما عن أطفال وناشئة في مرحلة التعليم الأساسي (الحلقة الثانية). فتحولت الأيام التي يُعوَّل عليها أن تُضفي قدرًا من البهجة والسكينة إلى أيام مشوبة بالقلق والانشغال.. هذا ما يحدث عادةً حين يُصاغ التقويم الدراسي بمعزلٍ عن إيقاع حياتنا ومناسباتنا القليلة!! 

حتى تلك الحيل الصغيرة، كتأجيل الامتحانات القصيرة إلى الأسبوع الذي يسبق العيد لضمان حضور الطلبة، لم تصنع سوى فرحة مبتورة. فالأبناء منشغلون بالاختبارات، والأسر توزعُ وقتها بين الاستعداد للعيد ومتابعة متطلبات الدراسة. وإن كان المقصد رفع مؤشرات الحضور والانضباط، فإن التعليم يفقدُ شيئًا من معناه جرّاء انحيازه الدؤوب للغة الأرقام على حساب الخبرات الإنسانية التي تُغذّي العملية التعليمية وتثريها. 

فهل الأهم أن تمضي الخطة التعليمية بحذافيرها، أم أن تُؤخذ جوانب حياتنا الإنسانية بعين الاعتبار؟ فثمّة متغيرات لا يمكن تجاهلها، من قبيل المناخ الذي يزداد قسوةً والأعياد التي تتزحزحُ من عام إلى آخر.. لذلك أظنّ أنّ التفكير في التقويم الدراسي ليس ترفًا تنظيريًا بقدر ما هو مسألة تمسّ جوهر العملية التعليمية، كما تمسّ إيقاع حياة الناس وظروفهم الواقعية. 

فلا يمكن للتعليم أن يتقوقع كحلزون في جداول زمنية صمّاء ميتة وعاجزة عن تحريك جسدها اللزج، لا بد من إعادة النظر في توزيع مواعيد الاختبارات والإجازات كلما دعت الحاجة إلى ذلك.. فنحن لا نتعامل مع قانون كوني ثابت لا يقبل المراجعة، وإنّما مع سياسات وخطط بشرية وُضعت في أصلها لخدمة الإنسان أولا.. ولذا تبقى أهم دواعي استمرارها كامنة في قدرتها على الاستجابة للتحولات التي تعصف بنا. 

اللافت حقا -ومن خلال اطلاعي على بعض المقالات- أنّ قضية من هذا النوع باتت تُشغلُ العالم في السنوات الأخيرة، أعني آلية تكيف التعليم مع مُعطى التغير المناخي، فموضوع كهذا لم يعد هامشيًا البتة، ففي بلدانٍ عدّة من آسيا إلى أوروبا، امتد النقاش حول إمكانية: تجويد المباني المدرسية ووسائل التبريد فيها، إضافة إلى مراجعة مواعيد الدراسة والإجازات والاختبارات.. فإذا كانت السياسات التعليمية في العالم تخضع للمراجعة كلما تغيرت الظروف، فما بالك بدولة تُسجل أرقاما قياسية على مستوى العالم؟ دولة تغلي وتستعر في قلب الحزام الحراري الأشد ضراوة!