حين نسمع مصطلح «الحماية الاجتماعية»، قد يتبادر إلى أذهاننا فورًا أنها مجرد مساعدات محدودة ترتبط بظروف معينة. لكن ما حدث مؤخرًا في (جنيف) غيّر هذه النظرة تمامًا، وقدم للعالم رؤية جديدة ومبسطة لكيفية حماية الإنسان طوال مسيرة حياته. 

ففي حدث بارز حظي باهتمام دولي واسع، أطلقت سلطنة عُمان، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، تقريرًا رفيع المستوى يوثّق تجربتها الرائدة في «إعادة تصميم منظومة الحماية الاجتماعية». هذا التقرير كان بمثابة إعلان عن «كتيب إرشادي» يمكن لدول العالم الاستعانة به لبناء مجتمعات أكثر أمانًا واستقرارًا. 

فكيف تحولت هذه المنظومة إلى نموذج يُدرَّس عالميًا؟ وماذا تعني للمواطن البسيط؟ 

الفلسفة الأساسية التي قامت عليها المنظومة الجديدة للحماية الاجتماعية، والتي أشاد بها الخبراء الدوليون، هي «نهج دورة الحياة». تخيل أن الدولة تضع يدها في يد المواطن منذ يومه الأول في الحياة وترافقه خطوة بخطوة: ففي الطفولة توفر «منفعة الطفولة» لدعم الأسرة في مصاريف التنشئة والتعليم، وفي مرحلة الشباب والعمل تحميه عبر برامج الأمان الوظيفي، وإجازات الأمومة والأبوة، وتأمين إصابات العمل، وفي الكبر تضمن له «منفعة كبار السن» ونظامًا تقاعديًا عادلًا يحفظ كرامته بعد سنوات العطاء، وبعد وفاته تضمن حياة كريمة لمن يترك خلفه ممن كان يعيلهم في حياته. 

هذا الترابط الشامل يعني ببساطة ألا يُترك أحد خلف الركب، وألا تسقط أي فئة من شبكة الأمان. 

أضف إلى ذلك أنه في الماضي، كانت أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية مجزأة في 11 صندوقًا، مما أدى إلى تشتت الجهود وغياب العدالة في المزايا. وبالتالي، فإن التجربة العُمانية التي وثقها التقرير الدولي نجحت في تفكيك هذا التعقيد عبر خطوتين شجاعتين: 

أولًا: صندوق واحد، من خلال دمج (11) صندوقًا تقاعديًا تحت مظلة واحدة هي (صندوق الحماية الاجتماعية)، مما ألغى الفوارق وضمن الكفاءة الإدارية والمالية. 

ثانيًا: الاستدامة المالية، من خلال تصميم المنظومة لتستمر لعقود طويلة قادمة؛ بحيث تضمن للأجيال الحالية والقادمة حقوقها دون خوف من التقلبات الاقتصادية. 

ومن أبرز النقاط التي ركّز عليها التقرير أيضًا قوة الأتمتة وسرعة الوصول. فقد أصبحت «الأتمتة والرقمنة» أحد أهم عناصر نجاح المنظومة؛ إذ لم يعد المواطن بحاجة إلى تقديم أطنان من الأوراق؛ فالمنظومة ترتبط إلكترونيًا بجميع جهات الدولة، وتُصرف المنافع عبر تطبيقات ذكية وسلسة (مثل تطبيق حماية) بدقة وسرعة قياسية، مما يغلق أبواب البيروقراطية إلى حد كبير. 

إن إطلاق هذا التقرير الدولي حول التجربة العُمانية يُعد بمثابة شهادة ثقة عالمية تقر بأن الاستثمار الحقيقي للدول يكمن في الإنسان. لقد أثبت هذا النموذج للعامة ولصنّاع القرار حول العالم أن التنمية الاقتصادية لا تكتمل إلا بوجود أمان اجتماعي حقيقي يحمي المواطن في يومه، ويؤمّن له غده.