ما زلت أؤمن بأن جميع الطرق تؤدي إلى فلسطين، وفي ظل هذه المقولة التي نقتبسها من العبارة الشهيرة: «كل الطرق تؤدي إلى روما». أذكر أنني -على سبيل الطرفة- أخضعت هذه المقولة للاختبار عندما كنت في روما في زيارة علمية، فقررنا مع بعض المشاركين في المؤتمر الخروج في جولة استكشافية لروما، وأثناء تجوالنا في شوارع المدينة كنا نتحدث عن المقولة الشهيرة: «كل الطرق تؤدي إلى روما»، وكنت أقول لهم: إننا لا نخشى أن نضل طريقنا في هذه المدينة؛ فنحن نمضي حيث نشاء، ونسلك ما نشاء من الطرق، وفي النهاية سنصل إلى وجهتنا؛ لأن جميع الطرق تؤدي إلى روما. 

يعيدني ذلك إلى قضية فلسطين وإلى الطرق التي تؤدي إليها، وليست الطرق المقصودة هنا طرقا جغرافية بقدر ما أعنيها طرقَ إيصال قضية فلسطين إلى العالم، والسعي إلى تحقيق العدالة لها؛ فقضية فلسطين تجاوزت مسألة الاحتلال الجغرافي للأرض وسلبها، وتعدّت ذلك إلى الإبادة الجماعية، وهضم الحقوق، وانتهاك حقوق الإنسان في أبشع صوره، وإلى حالة من العجرفة التي تتحدى جميع القوانين الدولية، وتستفز الشعوب الحرة في العالم المصدومة من الوحشية الصهيونية التي تُحرس من قبل كيانات حكومية عالمية كبيرة. 

هذا ما يجعل قضية فلسطين متجددة وتأتي بأشكال متعددة من النضال والعمل؛ فهناك من هم على الأرض وفي الميدان يقاومون ويقاتلون دفاعا عن أرضهم وحقوقهم وأهلهم، وهناك من يبذلون جهودهم إعلاميا في نقل الصورة من قلب الحدث مباشرة إلى العالم، ويتعرضون في سبيل ذلك للقتل والاستهداف المباشر، وهناك أيضا من يعملون من خارج موقع الحدث، فينشرون الأخبار والحقائق والصور المتعلقة بفلسطين، ويسعون إلى إيصالها إلى مختلف شعوب العالم وبمختلف اللغات، وهؤلاء أيضا يواجهون ضغوطا مباشرة وغير مباشرة تستهدف محتواهم الرقمي وحضورهم الإعلامي. كشفت هذه المواجهة أقنعة حكومات كبرى في العالم تؤيد الكيان الصهيوني الإسرائيلي وتدعم جرائمه، وكذلك كشفت عن وجود شركات عالمية كبيرة اصطفّت إلى جانبه، وأظهرت حقيقة مواقفها، فتشارك بعض هذه الشركات هذا الكيان بالمعلومات والبيانات المساعدة والموجهّة للقتل، ويمارس بعضها الآخر التضييق على من يفضح ممارسات الكيان الإجرامية أو يدافع عن القضية الفلسطينية. 

هذا ما نجده أيضا في عدد من الشركات والمنصات التي تسهم -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- في ممارسات يمكن وصفها بأنها امتداد للفاشية الصهيونية عبر تقييد المحتوى، وملاحقة الأصوات المناصرة للحقوق الفلسطينية، والتأثير في تدفق المعلومات المتعلقة بالقضية إلى الرأي العام العالمي. 

نُقِرُّ بأننا نعيش في هذه الأيام واحدة من أقسى مراحل التطرف الصهيوني، وأنها أيام عصيبة على الجميع، ونُخضع فيها للامتحان، وسيكشف لنا التاريخ بعد مدة من الزمن من كان في الصف الصحيح في هذه الأحداث ومن في الصف غير الصحيح. والتاريخ مهما حاول بعضهم تزويره أو إخفاءه فإنه سيكشف الحقائق ولو بعد حين، وهذا ما يجعلنا نؤكد أننا جميعا ذوو مسؤولية تجاه هذه القضية، وأننا نحمل أمانة على عاتقنا تتمثل في الوصول إلى فلسطين بالطرق المتاحة لنا؛ فيصل الكاتب بقلمه ونصوصه إلى فلسطين، فيعبّر عما يجول في داخله نثرا أو شعرا، وينقل الصحفي كل ما يمكن أن يلتقطه من أخبار هذه القضية ومن معاناة المظلومين والمنكوبين فيها، وكذلك يكون دور المصوّر والفنان، ويكشف واقعها، ويفضح عدوها وفق الحقائق والإثباتات، وهذا دور المحلل العسكري والسياسي في كونه يمتلك أيضا صوتا وقلما يحتاجه العامة؛ فيمكن أن يصل بهما إلى فلسطين، وأن يكشف للعالم قضية لا يمكن أن تُنسى. يمتد الأمر إلى المجموعات والمؤسسات بأنواعها الإعلامية -الصحف والقنوات- والطبية والخيرية. 

لعلنا اليوم أقرب إلى فلسطين بطرقنا الكثيرة المتاحة رغم كل الضغوط السياسية والرقمية والمضايقات والتهديدات التي تمارسها بعض القوى تجاه الدول أو الجهات غير المؤيدة للظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. لذلك لا بد لنا من أن نحدد طرقنا الموصلة إلى هذه القضية وإلى فلسطين، وأن نواصل العمل بواسطتها كل بحسب موقعه وإمكاناته. 

ما أسوأ صورة الأفراد والمجتمعات والمؤسسات حين تُفضّل الصمت خوفا من ضغوطات المواقف وتداعياتها! وما أبغض أن نكون في حالة من الخوف أمام هذه المعضلة الإنسانية التي لا يمكننا اختزالها في بعدها الإسلامي أو العربي فحسب؛ إذ باتت قضية إنسانية وعالمية امتزجت في الوجدان البشري ومساره الأخلاقي؛ فنجد اليوم من غير المسلمين ومن غير العرب من يكافحون من أجل هذه القضية -رغم ما يتعرضون له من تهديدات ومضايقات واستهداف وأذى-! وسبق أن رأينا وسردنا عن نماذج كثيرة من ذلك لدى ساسة ورياضيين وفنانين وعلماء، وشمل أيضا بعض الحكومات وممثليها وشعوبها، ولا نحتاج إلى إعادة سرد تلك الأمثلة. 

لكن ما يهمنا اليوم هو أن الأمة العربية بحاجة إلى إعادة ضبط بُوصلتها تجاه فلسطين وقضيتها، ومضاعفة الجهد الذي يقود إلى فلسطين، وأن تستثمر الوسائل المتاحة لديها، وهذه الوسائل في معظمها تعبير عن الرأي الذي يكفله القانون الدولي والأخلاقي عبر كشف الحقائق المرتبطة بهذه القضية، والدفاع عنها بوضوح ومسؤولية. على المجتمعات العربية وحكوماتها أن تتجاوز عقدة الخوف وتشرذم مواقفها تجاه القضية الفلسطينية التي تتضاءل عاما بعد عام؛ إذ أُشغِلت كثير من الدول العربية بمشكلاتها الداخلية التي أُغرقت فيها عن سبق إصرار وتخطيط، وتآكلت عقيدة وحدتها التي أخذت تنحسر شيئا فشيئا، فغدت حلما لم يتجاوز كلمات أغنية. 

لست بصدد إعادة ترديد الحلم العربي وأغانيه، ولكن نأمل أن تبقى فلسطين قضيتنا الجامعة نرصد أحداثها ونصل إليها بكل ما نملك من وسيلة متاحة، وفي ظل حالتنا العربية، وبصفتي عُمانيا؛ سأكتفي حاليا بدائرتي العُمانية التي أنتمي إليها، فأعبّرُ عن فخري بالموقف العُماني حكومة وشعبا تجاه هذه القضية التي لا مهادنة فيها ولا نفاق ولا خوف؛ فهي قضية تمس الإنسانية كما ذكرنا. ويكفيني فخرا أن الشعب العُماني والحكومة العُمانية يقفان في موقف واضح تجاه هذه القضية الذي يعكس دعما يتخذ صورا متعددة تتجلى في المنظومة السلمية والمنهجية الدبلوماسية التي عُرفت بها عُمان. 

ونستدل على ذلك عبر تصريحاتها التي عرّت زيف المنظومة الصهيونية، ونستدل أيضا عليه من الدور الذي اضطلعت به الصحافة العُمانية الحرة التي شكّلت ركنا مهما في التعبير عن الموقف العُماني الداعم للقضية الفلسطينية والدفاع عنها، ويكفي أن عُمان -بكل مكوناتها- تقف إلى جانب العدالة وصفّ الضعفاء والمظلومين، ويكفي أنها قادرة على قول «لا» بكل قوة وشجاعة قولا وفعلا. ومن أراد أن يتعرف إلى ما تتميز به عُمان وما يجعلها تمضي قدما في الدفاع عن القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا الإنسانية؛ فلينظر إلى تاريخها العريق، وإلى عُمان الإمبراطورية التي لم تخشَ في الحق لومة لائم، والتي كانت عصيّة على الغزاة وقادرة على صدّهم، ويكفي أن نتأمل تاريخها السياسي والعسكري الممتد إلى سواحل شرق أفريقيا، وإلى المحيط الهندي، وإلى السواحل الهندية والفارسية؛ حيث أسهمت في دحر الغزاة وحماية مصالحها وسيادتها وتأمين المنطقة. هذه هي عُمان التي نشأت على هذا النهج، وتواصل السير عليه في الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم والصدع بالحق مهما كانت التحديات. 

أما القول بأننا نواجه طغيانا صهيونيا يمتلك القوة، وأنه ينبغي التخفيف من حدة المواجهة والدفاع طمعا في الحدّ من هجوم الصهيونية وأعوانها وجعجعة التصريحات المسيئة، فهو قول غير دقيق؛ إذ إن التاريخ لا يرحم الضعفاء ولا المترددين. 

ونحن اليوم أمام مرحلة تفرض علينا أن نحدّد موقفنا بوضوح من هذه القضية التي يعتصرنا الألم لما تشهده من ظلم فادح وانتهاكات جسيمة تطال الإنسان وحقوقه وكرامته في ظل غياب تحرك حقيقي من كثير من الأطراف القادرة على التأثير. لذلك نقول: إن الطرق إلى فلسطين ونصرتها ما زالت مفتوحة أمام الجميع، كل بحسب موقعه وقدراته وإمكاناته؛ بالقلم والفكرة، وبالمال والدعم، وبالصوت والكلمة، وبالمهنة والخبرة، وبالجهد الطبي والإنساني، وبكل وسيلة مشروعة تسهم في نصرة الحق وإيصال صوت هذه القضية العادلة إلى العالم. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني