تمرّ المخطوطات عبر أيادي النسّاخ والمحققين، لا كما كانت في شكلها الأصلي، وتحتاج لكثير من المهارة والإتقان أثناء عملية التحقيق، مما يجعلها شديدة الحساسية؛ فالمخطوطات هي ذاكرة معرفية ورقية سافرت عبر الزمن، في رحلة مرّت بالكثير من التحديات والإشكاليات والتغيرات، ليأتي التحقيق كعمل علمي يوصل المخطوطة إلى برّ الأمان نحو الحاضر، وتعد مرحلة صون النص كما كتبه مؤلفه مع إعادة كتابته بصورة تناسب القارئ في زمن حديث، هي الأشد خطورة وصعوبة، وهي متعقلة بجوانب تخص أمانة المحقق وجدارته، وحدود سلطته، وتأثيره على المعنى مع تعددية النسخ، ومحاولته توظيف النص بصورة تتناسب مع الجيل الجديد الذي قد ارتبكت علاقته بالكتاب التاريخي، مما يجعل على عاتق المحقق مسؤوليات كبيرة، ويصنف التحقيق كآلية لفهم النص وإعادة تقديمه في الحاضر. من خلال هذا الاستطلاع نطرح عددا من الأسئلة حول تحقيق المخطوطات مع مجموعة من المتخصصين والباحثين والمحققين.
أمانة المحقق ..
يتمثل عمل المحقق في التعامل مع النص التراثي ونقله، والبحث في تفاصيله ومصادره ومعانيه، وهذا يحتاج إلى جانب الثقافة والتخصصية، ولكثير من المسؤولية العلمية والأخلاقية، شرط أن يبقى صوت المؤلف حاضرا، ويحافظ عليه المتدخل في النص، لهذا يكون السؤال عن أمانة المحقق ذو أهمية بالغة أثناء قراءة النص التراثي.
حول ذلك قال الدكتور محمود المصري مدير عام دار المخطوطات بإسطنبول: "أمانة المحقق لا حدود لها.. والذي يتصدى للتحقيق ينبغي أن يكون هو القوي الأمين، فأمانته تتجلى في تصحيح النص من النسخ ليبلغ فيه أقرب ما يمكن إلى الصورة التي تركها عليها المؤلف، وأمانته تتجلى في أن يوثق كل النقول في النص، وألا يحمل النص ما لا يحتمل عند التعليق عليه، وأن يضع النص في مكانته المناسبة له من النصوص الأخرى التي سبقته أو لحقت به دون المبالغة في تعظيمه أو تعمد الحط من قدره".
ويقول الدكتور خلفان بن زهران الحجي -أستاذ مشارك بجامعة السلطان قابوس-: "المحقق يتعامل مع نص مكتوب، وعلماء التحقيق يشيرون إلى أن المحقق بمثابة شاهد، والشاهد لا يسمح له أن يغير شيئا في الشهادة، وعليه أن يأتي بنصه كما كتبه مؤلفه، يمكن التصرف في هوامش النص، ولكن لا يمكن التصرف في النص أو تغييره وإنما يأتي به كما جاء به المؤلف أو بأقرب صورة يتمكن أن يأتي بها، وإذا حدث تغيير في النص فإنه يكون سهوا فقط، وإلا فإن التغيير متعمدا يعد جريمة في حق العلم، أن يأتي إنسان ويتعامل مع كتاب هو يعرف أنه يتعارض مع فكره وتوجهاته سواء كانت دينية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو غيرها، ثم يغير في بعض الأشياء فيه لتتوافق مع فكره وهواه، فهذه تعدّ جريمة ولا ينبغي أن يكون".
التأثير على المعنى
وفي اختلاف النسخ التي بين يدي المحقق، يلجأ في مراحل الاشتغال لفرض عدد من الضوابط على نفسه، والتي يحكمها النص، فالتحقيق ليس عملا تقنيا وإنما يتعداه ليكون ممارسة معرفية تدخل فيها ثقافة المحقق، وهذا ما يؤثر على المعنى، وحول ذلك يقول الباحث سيف بن مسلم المحروقي: "يؤثر التحقيق من حيث توضيح بعض المفردات العمانية المتداولة في عصر من العصور، فلابد أن تكون الكلمة لها مدلولاتها الصحيحة لتلك المفردة هذا أمر مهم، ثانياً أن يلتزم المحقق بالنص الذي أراده المؤلف دون زيادة على متن المخطوط إن أراد المحقق -وهذا أمر معروف بشكل علمي- توضيح مسألة ما فلا بد أن يشير إليها في الهامش، وأحيانا لا يكون هنالك إسهاب وهو الأفضل، خصوصا في الأماكن المعروفة على سبيل المثال لا داعي اليوم للتعريف بنزوى أو بمسقط أو بصحار ربما يكون هناك تعريف بقرى معينة في داخلية عمان أو في الساحل إلى آخر قرى غير معروفة هذا أمر مهم كثرة الحواشي وكثرة التعليقات والتوضيحات، وهذا يفقد النص التراثي قوته، وبالتالي يكون هناك تشتت بين هل القارئ يقرأ النص المتن أو النص التراثي أم يقرأ التعليقات، ونحن دائما وكل قارئ محب يريد أن يقرأ النص كما أراده المحقق، وهنا تبرز قدراته بحيث يكون هناك توازن".
وحول ذلك يقول الدكتور خلفان الحجي: "قد يحدث التغيير سهوا أو ربما قد قرأه الشخص خطأ، وعن يرد نتيجة اختلاف الثقافات، فعلى سبيل المثال هناك مصطلحات عمانية لا يعرفها غير العماني، وهناك مصطلحات في مجالات متخصصة كالمصطلحات العمانية المتعلقة بالزراعة أو الصيد قد لا يفهم معناها إلا مستخدميها، وهنا قد يحدث تغيير في فهم النص وليس تعمدا".
وأضاف: "لذلك نحن نركز ونؤكد على الطلبة أن على الإنسان ألا يتصدى لتحقيق كتاب إلا إذا كان متوافقا مع تواجهاته العلمية والفكرية وأن يكون عارفا في بيئته وعلومه، وحتى لا يقع في شيء من التحريف وتغيير المعنى".
وحول إشكالية النسخ يقول الدكتور محمود المصري: "لا شك أن ترجيح الفروق بين النسخ عمل علمي له قواعده العامة المعروفة في علم تحقيق النصوص غير أن تطبيقها هو الذي يخضع للاجتهاد، وهذا الاجتهاد يعتمد أولا على تمكن المحقق من اللغة العربية، ثم على تمكنه من العلم الذي ينتمي إليه الكتاب، وأخيرا يعتمد على ثقافة المحقق العامة، ومن يمتلك المنهجية السليمة والمرجعية القويمة هو الذي يستطيع أن يكون صائبا في اجتهاده بترجيح فروق النسخ".
سلطة المحقق
يمتلك المحقق عددا من الأدوات التي تتيح له تقديم النص للقارئ، ليفتح باب السؤال حول حدود سلطة المحقق، وأين تنتهي مهمته العلمية، وهل يؤثر على النص بأي شكل كان؟ يجيب الباحث والمحقق الدكتور فيصل الحفيان: "لا سلطة للمحقق" ويستطرد القول: "الحقيقة أن التحقيق هو عملية كلية، وأن المحقق سلطته محدودة، فيما يتصل بالمتلقي فهذا أمر أوسع قليلا، أما فيما يتصل بالنص فهو يريد أن يخرج النص كما أراده صاحبه".
وحول ما إذا كان المحقق قد يتدخل في النص يقول الحفيان: "أنا أقول دائماً إن النص حرم وعمل المحقق سقفه أن يعيد بناء النص على الصورة التاريخية الأولى التي كان عليها، وأي تدخل منه هو اختراق لهذا الحرم يعني غير جائز علمياً ومنهجيا، ومقاربة التحقيق إنما تقوم أساسا على هذه الفكرة؛ أن المحقق هو مجرد وسيط بين النص التاريخي وبين المتلقي المعاصر".
وأضاف: "إن تدخل المحقق في النص فقد أفسده، والإفساد هذا لا يجوز فيما يتصل بالتاريخ، فالنص يشبه الخبر الصحفي، والسؤال الخبر صادق أم غير صادق؟ كذلك بالنسبة للنص التراثي أيضا، فينبغي أن يكون صادقا".
كيف يقرأ الجيل الحالي الكتاب التاريخي؟
التحول الرقمي جعل قراءة الكتاب التاريخي نادر جدا لهذا الجيل، قد يحتاج الكتاب التاريخي أن يواكب الكتاب الجديد بشكله ومضمونه ليحظى بالقارئ المعاصر، ولا يفقد صلته بمصادره التاريخية، ويقول سيف المحروقي: "بالقراءة يجب أن نفكر جميعاً سواء أكان من محققين، أو من مؤسسات معنية بإخراج هذا التراث بالمؤسسات الثقافية والأدبية أن نخرج الكتاب كما أراده المؤلف، لكن بطرق مختلفة، وهذه الطرق هي محفزة للناشئة خصوصا بحيث أن نخرج الكتاب بصور داعمة ضمن المخطوطة أو يكون هناك من الأفكار أن يكون كتاب موازن وهو خاص بأدب الأطفال وهو مختصر فيه من الرسومات ومن الأشكال وربما نضيف عليه نحن مواقع تحكي فيلم قصير عن شخصية ما أو حدث ما في موضوع المخطوطة، وبالتالي يكون هناك تكامل ما بين النص التراثي كإخراج علمي موجه لجمهور معين، لجمهور أكثر إدراكاً، ولجمهور أقل إدراكاً وهم الأطفال، بحيث نربطهم ربط مباشر بهويتهم من خلال تلك المخطوطات المخرجة بإخراج حديثة".
وأضاف: "الكتب التاريخية اليوم بحاجة إلى إخراج فني جميل، في الغلاف على سبيل المثال، وفي نوع الورق الذي لابد من انتقائه وألا يكون من النوعية الرديئة، وكذلك إضافة بعض الصور على المخطوط لو ذكرنا على سبيل المثال الحياة في زنجبار كما وصفتها السيدة سالمة لماذا يقتصر على الصور القديمة لبيت المتوني وبيت الساحل لماذا لا يكون هناك صور حديثة؟ لماذا لا تكون هناك رسومات تجسد تلك الحياة التي تصفها السيدة سالمة في مذكراتها؟ كل تلك المؤثرات تساعد على قبول القاري للكتاب المحقق".