لا أنسى أول خاطرة نشرتها في جريدة عمان، مطلع عام 1988م، قبل أن ألتحق بالجريدة متدربًا في العمل الصحفي، كانت تحمل عنوان «ليل الأديب»، عبَّرتُ فيها عما أملته عليَّ أحاسيسي لحظة الكتابة، مشفوعة بشغف خاص، وقراءة متواضعة لبعض الكتب المتداولة، لكن وجداني كان يموج بالكثير من الأفكار والأحلام والخواطر، وقبل تلك التجربة بثلاث سنوات نشرت قصائد في الصفحة الثقافية، تحمل إرهاصات الكتابات الأولى.
بعد أن نشرت الجريدة تلك الخاطرة: «ليلُ الأديب»، في عمود مظلل صغير، بصفحة «بريد القرَّاء»، شعرت بنشوة، وكأنني حققت حلمًا، وأنجزت عملًا كبيرًا، ولم لا؟ فالكتابة في حقيقتها أحلام تتراقص في الوجدان، تسيل من قلم الكاتب، أما تلك الخاطرة: «ليلُ الأديب»، فكانت بالنسبة لي أشبه بحبَّة القمح، التي أنبتت بعد نشرها سنابل كثيرة الكلمات والخواطر، ومن يحصر الأفكار التي تعتري الإنسان، والهواجس التي تشغل باله، والأحلام التي تخالج وجدانه ليل نهار، فلا ينفكُّ منها حتى يحققها، أو يحقق بعضها، فيشعر أنه حققها، وهو لم يحقق شيئًا بعد.

**media[3407248]**


تلك كانت أولى الخواطر، سالت من وجداني لحظة شغف، كما تسيل حبة العرق لتلطف الجسم، وكانت بوحي النثري الأول أشبه بنفحة عطر، شعرت بعدها برغبة في الدخول إلى عالم الكتابة الجميل، فدخلته من بوابة العمل الصَّحفي، وتلت تلك الخاطرة أعمدة صحفية ومقالات ونصوصًا، وبلا شك فإنَّ في ذاكرة كل كاتب تجارب من الكتابة، عن أول نص كتبه، وأول مقالة نشرها، وأول خاطرة باح بها وجدانه، تلك الكتابات الأولى لكل كاتب، هي البذرة الحقيقية في أرض الإبداع الكتابي، وفي الغالب تكون صفحة «بريد القرَّاء» بالصُّحف والمجلات، هي الحاضنة لتلك الكتابات المتبرعمة، والأرض الخصبة لنشر تلك الخواطر، لذا فهي بالنسبة لي، وما تزال، أجمل صفحة تحملها الصحف لقرائها، لأنها تقدِّم نصوصًا غَضَّة، سالت من أقلام كتابها الشباب، نصوصًا كُتبت بهاجس محبة، أو بإحساس ناعم لشيء ينبت في القلب، وتلك هي البدايات السَّهلة الصعبة، والخطوات الأولى في المشوار الطويل.
ومثل الخاطرة الأولى يأتي الإصدار الأول للكاتب، أول ثمرة يقطفها من زرعه اليانع، زرع الكتابة الذي تشكَّل في كتاب، بعد أن كان نصوصًا متفرقة، الإصدار الأول يحمل بوح الشباب، وأحلام سنوات ما قبل العشرين، الأحلام الجميلة التي سطَّرها الكاتب، في سنوات مراهقته الفكرية، ومراهناته على أشياء صغيرة، تظهر ملامحها في ديوانه الشعري، أو مجموعته القصصية، أو روايته الأولى، أو كتابه المقالي الأوَّل، يشعر الكاتب بميلاد أول إصدار له، وكأنه أنجب مولودًا حيًا، كائنًا يتنفس الحياة، تسيطر على مشاعره سعادة كبيرة، وتكسو كيانه فرحًا أبيض، كيف لا وهذا الإصدار بمثابة عنقود العنب، والقطفة الأولى من حصاده، وقد يأتي متأخرًا، فبعض الكتَّاب يتريَّثون طويلًا، وقد يطول أمدًا بعيدًا.
يحدث أحيانًا أن يندم الكاتب على نشر بوحه الأول في إصدار، فحين يصبح معروفًا وعلامة أدبية مبدعة، ويتقدَّم به العمر، ينظر إلى إبداعه الأول نظرة استعلاء، وقد قرأت مرَّة أن شاعرًا من مشاهير الشعراء المشهورين إعلاميًا، يتمنى لو يستطيع أن يتخلَّص من كثير مما نشره سابقًا، وهذا بنظري استعلاء على أعماله الأولى، التي ظهرت في فترة سابقة من حياته، قبل أن يصبح مشهورًا، وكأنَّ ما كتبه بالأمس لا يمثله في شيء اليوم، على أنَّ الكتابة توثيق لمسار الحياة، باضطرابها وقلقها، أو كيفما تسير الأيام بالكاتب ويعيش الحياة، وبرأيي أن النصوص المكتوبة في زمن الشباب؛ أدبًا أو فقهًا أو تفسيرًا، أعذب من التي كُتبت بعد ذلك بسنين، لأنَّ البدايات الأولى تكون قد كُتبت عفو الخاطر، وليس بتورُّم معرفي.
في كتابها الشيِّق، الصادر عن دار رياض الريِّس ببيروت، يناير 1999م، وثقت الكاتبة والصحفية العراقية الراحلة سلام خياط (توفيت: 2024م)، تجربتها مع إرهاصات الكتابة، في كتابها الرائع «اقرأ.. صناعة الكتابة وأسرار اللغة». في هذا الكتاب استطاعت أن تتحدث عن أسرار الكتابة لديها، منذ أن دخلت دورة لتعليم فن الكتابة، مستجيبة لنداء إعلان محشور في زاوية بإحدى الجرائد: هل تنوي تعلُّم فن الكتابة؟ وهل لديك الرغبة أن تصبح كاتبًا؟ لا تتردد، إذًا ادخل هذه الدورة دون إبطاء. ومن الجملة الأولى تشدك الكاتبة إلى تجربتها فتقول: بدا الأمر كما لو كان مزحة طريفة، لكن هذه الدورة لم تضف لها جديدًا، فالكتابة: ولوع مبكِّر بسحر الكلمة، وفتون طاغٍ بسطوة الكِتاب. (كتاب اقرأ، ص11).
هي إذن علاقة بين كلمة ينمقها كاتب في جملة، ويرصِّعها في صفحة كتاب، وبين قراءة ينتقيها القارئ من ذلك الكتاب، كما ينتقي النَّحل الرحيق من الزهر، ولوع مبكر وفتون طاغٍ، ليس أعمق من هذا الوصف الذي كتبته الأديبة سلام خياط في تقديمها لكتابها المُهم هذا، ولا أخفي على القارئ سرًا، فإن هذا الكتاب الصغير في حجمه، استطاع أن يدفعني بمحبة إلى مواصلة الكتابة والنشر، إلى أن وجدت نفسي في مرج أخضر، من الأفكار التي يمكن أن تتشكل بقليل من الذكاء والإحساس والمعايشة، إلى مقالات ونصوص وكتابة يمكن أن تُقرأ، وتضيف لقارئها معرفة، وبسبب ما كتبته سلام خيَّاط عن الجاحظ في كتابها هذا، وجدتني أبحث عن كتبه في مكتبتي، وأنا كغيري أحفظ عناوينها، ولا أدِّعي أني قرأتها كلها، وكغيري أرى الجاحظ شيخ الأدباء، وصاحب «البيان والتبيين»، و«الحيوان»، و«الرَّسائل»، و«البخلاء»، و«البرصان والعرجان»، وغيرها مما أبقاه الزمان.
تقول خيَّاط في جملة مدهشة: هل كان سيكون ثمة جاحظ في التراث العربي، لو أنه لم يولع بالقراءة صبيًا، وبات في دكاكين الورَّاقين ليلًا، وليس في ديجورها غير ذبالة شمعة، أو فتيل سراج؟ هل كان سيؤلف ما يقرب من المائة والخمسين كتابًا، لو لم يكن قد قرأ أضعاف هذا العدد، واطلع على كنوزها وخفاياها؟ (كتاب اقرأ، ص24).
إن الجملة السابقة دفعت بي للبحث عن كتب الجاحظ، ووجدت في قراءة رسائله كاتبًا رائدًا في فن المقال، لأن رسائله مقالات أدبية بامتياز، السرُّ يكمن في القراءة، فكلما قرأت أكثر، كلما كتبت أجمل، وغُصْت في عمق الفكرة، لتستخرج منها درَّة ثمينة، هي الكتابة ذاتها.
بل إن كتاب سلام خيَّاط فسَّر لي سبب الفتون الطاغي بسطوة الكِتاب، فقد كنت أجد محبتها في قلبي، كنت بحاجة إلى مبرر وتفسير لفتونها الطاغي، ولولوعي المبكر بسحر الكلمة، ودفع بي إلى شحذ الهمة، أو كما تقول سلام خياط: الكلمات لعبة الكاتب المُفضَّلة، جرسها موسيقاه المُحببة، وسيمفونيته الأثيرة، يستمتع بصحبتها، ويستغرقه بوحها وصمتها، وارتعاشات ذؤابتها! وكأنها حبيبة من دم وروح، يراقب كبرها، ليستمتع بخضوعها بين يديه، على شفتيه وفي قلبه. (كتاب اقرأ، ص12).
إن كل كاتب مدين إلى ومضات الكتابة الأولى، ففي سطورها بداية مشواره الثقافي ومشروعه المعرفي، مدين إلى أول همسة سطَّرها قلمه، مدين إلى البدايات الأولى، كما تنمو البراعم، وكما يتفتَّح الزَّهر، وكما تكبر الأشجار، مدين إلى أشياء دفعت به إلى الكتابة الأولى، ومعانقة القلم، وإحساسه العميق أنَّ هذا القلم ريشة فنان، يرسم بها لوحات من كلمات.
وإن كانت تلك الكلمات المتواضعة، التي نشرتها جريدة عُمان في صفحة بريد القراء، مطلع عام 1988م، بعنوان: «ليل الأديب»، هي مفتاح الكتابة لهذه المقالة، ومفتتحها الفاتن، ولمقالات كثيرة كتبتها خلال العقود الماضية، فلأن حروفها هي البذور الأولى لما نما بعد ذلك، بذور قمح الكتابة، ليصير خبزًا شهيًا، ويتخلَّق من كل بذرة ألف فكرة، وكانت أشبه بتعويذة سحرية، نفثت في قلبي محبة الكلمة، وما أجمل العودة إلى لقاء الكتابات الأولى.

**media[3407249]**