العُمانية: أكدت مؤسسة "غلوبال إس دبليو إف" العالميّة على نجاح جهاز الاستثمار العُماني في تعزيز ربحية الشركات الحكومية وإعادة تدوير الأصول الاستثماريّة للدولة وجذب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية إلى القطاعات المرتبطة برؤية "عُمان 2040".
وأشارت المؤسسة في تقرير لها إلى أن نتائج أداء الجهاز لعام 2025 تؤكد على نجاح الهيكل السيادي الذي تبنّته سلطنة عُمان بعد عام 2020، لاسيما نقل الشركات الحكومية لتصبح تحت مظلة الجهاز ليقوم بإدارة الشركات الحكومية مع العمل على تعزيز ربحيتها.
ووضحت المؤسسة أن الجهاز رغم كون حجمه قد لا يكون بالحجم نفسه لعدد من كبريات صناديق الثروة السيادية حول العالم إلا أنه يقدم نموذجًا مختلفًا عن صناديق الثروة السيادية الكبرى في المنطقة؛ إذ يتحول تدريجيًّا إلى المؤسسة التي تربط من خلالها سلطنة عُمان بين إصلاح الشركات الحكومية، وإعادة الاستثمار، والشراكات الأجنبية المختارة، وجعل بعض الأصول جاهزة للتخارج، واستخدام شركات المحفظة لدعم الاستثمار المحلي، وتوفير فرص العمل، وتطوير الموردين.
تعزيز ربحيتها
وبينت أن الجهاز تكفل منذ عام 2020 بإدارة الشركات الحكومية وعمل على تعزيز ربحيتها، وطرح بعض الأصول فيها للتخارج، ليعيد تشكيل ملكية الدولة دون إخراجها من القطاعات الاستراتيجية، ويستخدم الطروحات العامة والبيع المباشر والشراكات الاستراتيجية لجلب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز الانضباط التشغيلي في الأصول الحكومية، مع إعادة توجيه العائدات إلى قطاعات ذات قيمة استراتيجية أعلى أو عوائد متوقعة أكبر.
ويأتي هذا التأكيد من مؤسسة البيانات العالمية بالاستناد إلى ما كشفه جهاز الاستثمار العُماني من نماذج لنجاحه في توجيه مسار شركاته التابعة نحو مسار الربحية، مثل تحوّل مسار مجموعة أوكيو التي واجهت خلال السنوات الماضية تحديات تشغيلية وضغوطًا مالية متزايدة نتيجة التوسع في تنفيذ مشروعات كبرى وما صاحبها من ارتفاع في مستويات المديونية، الأمر الذي فرض الحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة للمجموعة، ومع انتقالها إلى مظلة جهاز الاستثمار العُماني في عام 2020م، جرى تنفيذ برنامج تحول استراتيجي ركّز على تحديث الاستراتيجية المؤسسية وتعزيز التكامل، وإعادة هيكلة المجموعة ورأس المال، وخفض المديونية، وإعادة تدوير رأس المال عبر التخارج المباشر والطروحات العامة في بورصة مسقط.
وأسفرت هذه الجهود عن خفض إجمالي المديونية بنسبة 48 بالمائة من 5 مليارات ريال عُماني إلى 2.7 مليار ريال عُماني، وتحرير ضمانات حكومية بقيمة 2.2 مليار ريال عُماني، وتحسين نسبة صافي الدين إلى الأرباح التشغيلية من 8.6 مرة إلى 0.6 مرة بحلول عام 2025، فضلًا عن حصول المجموعة على تصنيف ائتماني استثماري من وكالتي "فيتش" و"ستاندرد آند بورز".
واستطاعت شركة أوكيو للمصافي والبتروكيماويات تحقيق أول أرباح في تاريخها منذ تأسيسها قبل أكثر من عقدين بعدما واجهت تحديات متراكمة شملت كفاءة التشغيل وتذبذب الأداء وتأثيرات التقلبات العالمية في أسواق التكرير والبتروكيماويات وارتفاع الالتزامات المالية، ومنذ انتقال الشركة إلى مظلة جهاز الاستثمار العُماني أُطلق برنامج تحول إستراتيجي حتى عام 2030م ركز على رفع كفاءة التشغيل وموثوقية الأصول، وخفض التكاليف وإعادة هيكلة الالتزامات المالية، لتسجل الشركة أرباحًا تراكمية بلغت 474 مليون ريال عُماني خلال الفترة من 2021 إلى 2025، إلى جانب رفع الطاقة الاستيعابية لإنتاج النفط من 80 مليون برميل في 2021م إلى 93 مليون برميل في 2025، والبدء في تنفيذ خطوات لسداد قروض مستحقة بقيمة 2.7 مليار ريال عُماني خلال المرحلة المقبلة.
تعزيز التكامل
وواجهت الشركة العُمانية للاستثمار الغذائي القابضة "نتاج" وشركة تنمية أسماك عُمان تحديات مرتبطة بتوسع الأصول وتعدد الأنشطة ضمن قطاع الأمن الغذائي؛ ما استدعى تعزيز التكامل بين الشركات التابعة وتحسين كفاءة التشغيل والاستفادة من الموارد المتاحة، وقاد جهاز الاستثمار العُماني عملية إعادة هيكلة شاملة شملت دمج الشركتين في كيان موحّد، وإعادة تشكيل الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارة، وإعادة هيكلة القروض، وتفعيل منظومة إدارة المخاطر، إلى جانب إبرام اتفاقيات إستراتيجية لاستكمال وتشغيل عدد من المشروعات وبناء شراكات فنية وتنفيذ تخارجات مدروسة.
وأسهمت هذه الإجراءات في تحقيق نمو ملحوظ في الأداء التشغيلي، حيث ارتفعت إيرادات محفظة الأسماك بنسبة تجاوزت 93 بالمائة مقارنة بالفترات السابقة، فيما سجلت إيرادات أصول "نتاج" نموًّا تجاوز 23 بالمائة، وحققت شركات محفظة الغذاء، ومنها مزون للألبان والوسطى للصناعات السمكية، تحسنًا في الأداء تجاوز 100 بالمائة، في مؤشر على نجاح جهود التكامل وإعادة الهيكلة في تعزيز استدامة القطاع الغذائي في سلطنة عُمان.
ومن بين الشركات التي شهدت تحولًا ملحوظًا تحت إدارة الجهاز شركة مزون للألبان، التي واجهت خلال السنوات الماضية تحديات تشغيلية ومالية تفاقمت مع اضطرابات سلاسل الإمداد خلال جائحة كوفيد-19؛ ما انعكس على مستويات الكفاءة والإيرادات والسيولة، وفي إطار جهود إعادة الهيكلة، أجرى الجهاز مراجعة شاملة لأعمال الشركة امتدت عبر مختلف مراحل الإنتاج من المزرعة إلى المستهلك، وتعيين إدارة جديدة لتنفيذ برنامج تحول شامل، والعمل على تطوير المنتجات وتوسيع قنوات التوزيع ورفع الكفاءة التشغيلية، وأسفرت هذه الإجراءات عن بلوغ الشركة نقطة التعادل المالي في عام 2024 وتحقيق أرباح تشغيلية بلغت 3 ملايين ريال عُماني، كما ارتفعت الإيرادات بنسبة 15 بالمائة بين عامي 2024 و2025 نتيجة نمو المبيعات وزيادة الصادرات.
ومن النماذج أيضًا شركة أسياد للحوض الجاف، التي واجهت منذ سنواتها الأولى تحديات ناجمة عن المنافسة الشديدة في سوق إصلاح السفن والخدمات البحرية، إلى جانب اعتمادها بصورة كبيرة على قطاع ناقلات النفط والغاز، قبل أن تتفاقم الضغوط مع تداعيات جائحة كوفيد-19 على حركة القطاع البحري عالميًّا، وعمل جهاز الاستثمار العُماني على رفع الكفاءة التشغيلية للشركة وتطوير بنيتها الأساسية وتبني التقنيات الحديثة، إلى جانب التوسع في قطاعات جديدة وتنويع مصادر الإيرادات والخدمات ذات القيمة المضافة، وترسيخ مكانة الحوض الجاف كمركز إقليمي للصناعات والخدمات البحرية.
وأدت هذه الجهود إلى تحقيق نتائج ملفتة خلال الفترة بين عامي 2021 و2025، حيث سجل صافي الربح لشركة أسياد للحوض الجاف نموًّا سنويًّا مركبًا بلغ 65.9 بالمائة، فيما ارتفعت الإيرادات بمعدل نمو سنوي مركب قدره 16.2 بالمائة، كما حققت الشركة نتائج تشغيلية قياسية عبر تنفيذ 258 مشروعًا خلال عام 2025 بنمو بلغ 11 بالمائة مقارنة بعام 2024، إلى جانب تحسين الإنتاجية التشغيلية بنسبة 22 بالمائة.
تعزيز الاستدامة التشغيلية والمالية
وفي قطاع الفعاليات وسياحة الأعمال، برز مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض كأحد النماذج التي نجحت في تعزيز استدامتها التشغيلية والمالية رغم التحديات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، حيث عمل منذ تأسيسه في بيئة تتسم بتقلبات قطاع الفعاليات وسياحة الأعمال، مع اعتماد نسبي في مراحله الأولى على الدعم الحكومي لتغطية بعض متطلبات التشغيل، وزادت التحديات مع تأثر حركة المؤتمرات والفعاليات الدولية بالعوامل الجيوسياسية والإقليمية؛ ما أثر سلبًا على تدفق الفعاليات والإيرادات التشغيلية.
وفي إطار جهود إعادة بناء نموذج أعمال أكثر استدامة، تم التركيز على تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاعتماد على الإيرادات التشغيلية، واستقطاب الفعاليات الإقليمية والدولية وتطوير الخدمات المقدمة، وأسفرت هذه الجهود عن تحقيق المركز أول أرباح تشغيلية في تاريخه خلال عام 2024 منذ تأسيسه في عام 2016، مع تقليص الاعتماد على الدعم الحكومي، فيما ارتفع الدخل السنوي من نحو 3.4 مليون ريال عُماني في عام 2022 إلى أكثر من 7.6 مليون ريال عُماني في عام 2025.
وأشارت مؤسسة "غلوبال إس دبليو إف" إلى أن جهاز الاستثمار العُماني يركز بصورة كبيرة على الاقتصاد الوطني، حيث يستثمر قرابة ثلثي أصوله داخل سلطنة عُمان، فيما تمثل استثماراته في أمريكا الشمالية 19 بالمائة، وأوروبا 9 بالمائة، وآسيا والمحيط الهادئ 4 بالمائة، والأسواق الأخرى 7 بالمائة، ويُعد هذا التوزيع نموذجيًّا لصندوق استراتيجي، حيث يملك الجهاز قاعدة محلية مدعومة باستثمارات دولية تهدف إلى تحقيق عوائد تُستخدم لإعادة الاستثمار وتوزيع الأرباح على الحكومة، إلى جانب دعم أولويات التنمية المحلية، وتُستخدم أرباح المحافظ الاستثمارية للجهاز في ثلاثة أهداف في آن واحد هي دعم الموازنة العامة، وتعزيز الاحتياطات المالية، وتنمية وتنويع الاقتصاد الوطني عبر إعادة الاستثمار في المشروعات المحلية.
ووضحت المؤسسة التي تقدم بيانات عن صناديق الثروة السيادية العالمية أن الجهاز غيّر توجهه في الشراكات الاستراتيجية الدولية من دورها التقليدي الهادف إلى تحقيق العوائد والأرباح وزيادة الأصول لتؤدي دورًا أكثر فائدة للاقتصاد العُماني عبر جذب الشركاء والتقنيات والقدرات إلى القطاعات المحلية لسلطنة عُمان.
ويركز الجهاز عبر هذه الشراكات على اختيار شركاء استراتيجيين يُسهمون في تعزيز الاستثمارات في القطاعات التي تعدّها سلطنة عُمان استراتيجية، مثل الغذاء والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والطاقة والتعدين والتصنيع وتقنية المعلومات والاتصالات، واعتماد مرونة أكبر في الشكل القانوني من خلال البدء بالتوافق المؤسسي وترك المجال لاختيار هيكل رأس المال المناسب لاحقًا، وإن هذه الشراكات الاستراتيجية مع الدول لا تُدار كاستراتيجية محفظة استثمارية، بل تقع في منطقة وسط بين الاستثمار السيادي والدبلوماسية الاقتصادية.
وذكرت المنصة العالمية أن الشراكات الاستراتيجية الأخيرة للجهاز مع كازاخستان وتركيا والأردن وأذربيجان توضح هذا التوجه، حيث يشير إعلان الصندوق العُماني التركي عن مشاركة شركة الاستثمار الأوزبكية-العُمانية باستثمار أقلية في مشروع للصندوق بأوزبكستان، في خطوة تعكس انتقاله من جهاز يشكل مجموعة من الصناديق الثنائية مع الدول إلى هيكل أكثر مرونة للاستثمار المشترك، يمكن لاحقًا تصميمه كصندوق أو مشروع مشترك أو منصة استثمارية وفقًا لطبيعة الفرص الاستثمارية المتاحة.
ويتماشى هذا التوجه وفق المنصة العالمية مع نشاط صندوق عُمان المستقبل الذي استقبل منذ إنشائه حتى نهاية 2025 نحو 986 طلبًا استثماريًّا، اعتمد منها 186 مشروعًا، بحجم إجمالي للمشروعات بلغ 1.72 مليار ريال عُماني، يمثل الاستثمار الأجنبي فيها 743 مليون ريال عُماني، موضحة أن الصندوق يوفر أداة مخصصة للاستثمار المحلي المشترك، حيث يمكّن الجهاز من تقييم المشروعات، وأخذ حصص أقلية أو تحفيزية، وجذب مستثمرين مشاركين، وتتقاطع القطاعات التي يركز عليها الصندوق مع الشراكات الخارجية للجهاز، وتشمل الطاقة، والخدمات اللوجستية، والغذاء، والتقنية، والتصنيع، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية.
وبيّنت المؤسسة أن الجهاز ينتهج مبدأ "البُعد العُماني" الذي يربط الاستثمارات الخارجية بالاحتياجات المحلية من خلال استقطاب التقنية والقدرات الصناعية ذات الصلة إلى السوق المحلي.
توطين التقنيات
وأشارت إلى أنّ استثمارات الصندوق العُماني التركي المشترك في شركتي "ساماش" و"تيكاترون" ستسهم في وصول مادة بنتونايت الصوديوم إلى الصناعات العُمانية، واستكشاف توطين التقنيات الدفاعية المُدارة عن بُعد في سلطنة عُمان، وبالتالي، فإن الاستثمارات الخارجية ترتبط بالمدخلات والتقنية والقدرات الصناعية ذات الصلة بالسوق المحلي.
كما تحدثت المؤسسة العالمية عن برنامج التخارج الذي يشكّل عنصرًا محوريًّا في استراتيجية الجهاز، حيث تُظهر عمليات التخارج كيف يعيد الجهاز تشكيل ملكية الدولة دون إخراجها من القطاعات الاستراتيجية، عبر استخدام الطروحات العامة والبيع المباشر والشراكات الاستراتيجية لجذب رأس المال الأجنبي وتحقيق الانضباط التشغيلي في الأصول المرتبطة بالدولة، مع إعادة توجيه العائدات إلى قطاعات ذات قيمة استراتيجية أعلى أو عوائد متوقعة أكبر.
وأشارت إلى دور الجهاز في تعظيم المحتوى المحلي حيث بلغ الإنفاق على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في عام 2025 حوالي 278 مليون ريال عُماني (722 مليون دولار أمريكي) منها 186.4 مليون ريال عُماني (484 مليون دولار أمريكي) لحاملي بطاقة "ريادة" لتشكّل هذه المؤسسات 19.9 بالمائة من إجمالي الإنفاق على سلاسل التوريد، إلى جانب إطلاق منصة "فرص"، التي تمنح الموردين المحليين اطلاعًا مبكرًا على المناقصات الصادرة عن الجهاز وشركاته، ما يحول القوة الشرائية للجهاز إلى أداة لتعزيز المحتوى المحلي.
وأشادت منصة "غلوبال إس دبليو إف" باستراتيجية جهاز الاستثمار العُماني التي تركز على تحقيق أهداف محددة تتمثل في تحسين أداء أصول الدولة، وبيع حصص مختارة ضمن برنامج التخارج، وإعادة تدوير رأس المال نحو فرص استثمارية ذات قيمة مضافة، ودعم الاستثمار المحلي، وتعميق الروابط الشرائية مع الشركات العُمانية، إلى جانب توظيف الشراكات الأجنبية لاستقطاب رؤوس الأموال والخبرات إلى القطاعات ذات الأولوية.