شهدت الساحة التربوية والفنية في محافظة مسندم إطلاق مبادرة مبتكرة تحت عنوان "رؤى عُمانية بريشة الذكاء الاصطناعي وفان جوخ" في سيمفونية إبداعية تجسد تلاحم أصالة التراث العُماني مع ثورة التكنولوجيا الرقمية في مبادرة احتضنتها مدرسة تماضر بنت عمرو للتعليم الأساسي، نجحت في تقديم رؤية بصرية مغايرة تمزج بسحر خاص بين (هندسة الأوامر الرقمية) والتشكيل اللوني الواقعي لنقل (هندسة المستقبل برؤية تربوية) تعزز الهوية البصرية وتواكب تطلعات "رؤية عمان 2040".
تأتي الورشة التفاعلية لتفتح آفاق تعبيرية جديدة بالتكنولوجيا الحديثة وثورة الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروعا فكريا وتربويا عميقا، له أثر مستدام يرتقي بثقافة الفن التشكيلي لدى الناشئة، ويتماشى مع التوجهات الاستراتيجية لسلطنة عُمان.
وقال محمد الصوافي مشرف مادة الفنون التشكيلية بتعليمية مسندم وصاحب المبادرة: إن المبادرة تهدف إلى تحقيق تمكين تقني وفني متكامل لطالبات مادة الفنون التشكيلية عبر تدريبهن على صياغة الأوامر البرمجية لإنتاج تصورات بصرية أولية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي ثم نقل تلك الرؤى الرقمية من الشاشات إلى لوحات حية نابضة بألوان الأكريليك على قماش الرسم التقليدي، وتتلخص هذه المبادرة وأثرها التربوي المستدام في ثلاثة محاور رئيسية تكاملية لتصنع هذا الحراك البصري؛ أول هذه الأهداف هو التمكين التقني والفني المتكامل للجيل الجديد، والاعتزاز بالهوية العُمانية عبر ترسيخ قيم المواطنة والارتباط بالأرض من خلال دفع الطالبات لربط الرموز التراثية الأصيلة لمحافظة مسندم (كالمنحدرات الجبلية والقلاع الحصينة والسفن التقليدية) بالمدارس الفنية العالمية وتقديمها برؤية بصرية عصرية تواكب لغة العصر الرقمي وفي نهاية المطاف تصب هذه الجهود في تقديم مبادرة (برزة فنون مسندم) باعتبارها منصة رائدة للابتكار تسهم بفاعلية في تحويل التعليم الفني من طابعه النمطي إلى تجربة ابتكارية حية ومستدامة، تتماشى جنباً إلى جنب مع التطلعات الوطنية الكبرى لـ"رؤية عُمان 2040".
وأضاف الصوافي: كما يظهر بوضوح في التوثيق البصري الخاص بالمبادرة استلهمت طالبات الفنون التشكيلية أسلوب المدرسة التأثيرية وتحديداً ضربات الفرشاة المتموجة والسموات الدائرية الشهيرة للفنان العالمي (فينسنت فان جوخ) وقد أسفرت هذه الورشة عن إنتاج لوحات فنية تتميز بحوار الجبال والبحار بدمج حركة السماء والغيوم الأسطورية المستوحاة من لوحة (ليلة نجومية) مع شواطئ مسندم وبحرها الهادر، وشموخ العمارة العُمانية بتجسيد القلاع والحصون التراثية بطرازها المعماري الفريد الشامخ وسط الطبيعة الجبلية، ورموز الهوية بإبراز مفردات الهوية الوطنية العُمانية كالسفن التقليدية وأشجار النخيل الباسقة بألوان حيوية وضربات فرشاة بارزة تعكس تمكناً فنيّاً عالياً، إضافة إلى أصالة تعززها التكنولوجيا بدمج الفن الكلاسيكي بالذكاء الاصطناعي حيث أثبتت المبادرة أن التطور التقني لا يلغي الإبداع البشري بل يفتح له آفاقاً تعبيرية جديدة محولةً قاعات الدراسة إلى مختبرات حية لابتكار الجمال بروح عُمانية خالصة.
تعزيز الهوية البصرية
وحول ولادة فكرة دمج تقنيات المستقبل كالذكاء الاصطناعي مع المدرسة التأثيرية الكلاسيكية لفان جوخ لخدمة التراث العُماني - وما هو الدافع الحقيقي وراء هذه التوليفة غير المعتادة أشار الصوافي إلى أن الفكرة نبعت من واقع ميداني ملموس كما أضاف: ومن خلال خبرتي السابقة والمستمرة في متابعة نتاجات الطلبة الفنية، لقد لاحظت في الآونة الأخيرة ظاهرة بدأت تتسلل إلى قاعات الفنون التشكيلية حيث يستسهل بعض الطلبة تنفيذ أعمالهم الفنية من خلال نسخها الجاهز من شبكة الإنترنت والقيام برسمها مباشرة دون أي مراعاة لمدى توفر عناصر مستوحاة من البيئة العمانية الثرية أو فهم للأبعاد الثقافية للوحة هذا الاستسهال والنسخ الأعمى يؤدي مع الوقت إلى تلاشي الهوية البصرية المحلية لدى الجيل الناشئ، ومن هنا تولدت لدي قناعة تامة بأهمية تعزيز الهوية البصرية لبيئتنا العمانية الغنية ولكنني أدركت أيضاً أن مخاطبة جيل التكنولوجيا اليوم تتطلب أدوات تشبهه ولا يمكننا دفعه للتمسك بالتراث عبر الطرق التقليدية الجافة، ومن هذا المنطلق وتحت مظلة مبادرة (برزة فنون مسندم) صممنا هذه الورشة التخصصية لطالبات الفنون التشكيلية والتي احتضنتها قاعة مدرسة تماضر بنت عمرو للتعليم الأساسي (١-١٢) بولاية مدحاء، لتقدم تجربة دمج مبتكرة لتستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة لبناء التصور البصري ولتحاكي أسلوب (فان جوخ) العالمي لإضافة لمسة جمالية حركية والهدف الأسمى تكوين نافذة بصرية تُبرز المكانة الجغرافية المتفردة لسلطنة عُمان وما تزخر به من جمال طبيعي، وتُجسد شموخ محافظة مسندم في هيبة جبالها الراسخة وعظمتها الآسرة.
وحول توظيف هندسة الأوامر الرقمية AI Prompting عملياً في إنتاج هذه اللوحات وطريقة ضمان أن الآلة لا تلغي دور الفنان البشري، أوضح مشرف مادة الفنون التشكيلية بتعليمية مسندم وصاحب المبادرة بقوله: قمنا بتدريب طالبات الفنون التشكيلية على ما يُعرف بـ(هندسة الأوامر الرقمية) حيث إن الطالبة هنا لا تقف متلقية بل هي الموجه والمفكر؛ إذ تقوم بصياغة أوامر برمجية ونصية بالغة الدقة تجمع فيها مفردات التراث العُماني مثل: قلاع مسندم وحصونها والسفن التقليدية والجبال والجزر البحرية والنخيل وتدمجها في الأمر البرمجي مع تقنيات المدرسة التأثيرية للفنان فينسنت فان جوخ بضربات فرشاته المتموجة وسماواته الحلزونية الشهيرة مثل لوحة "ليلة نجومية" مضيفا أن الذكاء الاصطناعي يولد لنا هنا (تصوراً بصرياً أولياً) على الشاشات هذه هي المرحلة الأولى فقط ثم تبدأ رحلة الإبداع الحقيقية والتمكين الفني المتكامل حيث تقوم الطالبات بنقل تلك الرؤى الرقمية من الشاشات الجامدة وترجمتها يدوياً إلى لوحات حية نابضة بألوان الأكريليك على قماش الرسم التقليدي (الكانفاس).
نجاح التجربة
أما معلمة الفنون التشكيلية منال الشبلي التي خاضت الرحلة الإبداعية خطوة بخطوة مع طالبات الفنون التشكيلية وتابعت بدقة استكمال الأعمال الفنية حتّى خروجها بالشكل النهائي من خلال إشرافها على الطالبات طوال فترة الورشة واستكمال اللوحات وكيف استقبلت الطالبات هذه الفكرة الجديدة وأبرز التحديات التي واجهتهن في نقل الخيال الرقمي إلى واقع لوني ملموس، فتشير إلى أن البداية جاءت بطرح الفكرة على طالبات الفنون، والفكرة كانت غير مألوفة تماماً بالنسبة لهن؛ فالطالبات اعتدن إما على الرسم اليدوي الخالص من الطبيعة أو النقل المباشر - أما صياغة كود أو أمر رقمي ثم محاكاة ملمس تأثيري كلاسيكي بألوان الأكريليك، فكان ذلك تحدياً حقيقياً ومن التحديات كذلك تمثلت في كيفية جعل طالبات الفنون يتقن مهارة محاكاة الملمس التأثيري لفان جوخ باستخدام الفرشاة وألوان الأكريليك، وهذا الأسلوب يعتمد على ضربات فرشاة غليظة متقطعة وبارزة تعطي حركية وعمقاً نفسياً للوحة ونقل هذا الإحساس من شاشة الحاسوب الملساء إلى الكانفاس، وهذا يتطلب تمكناً فنيّاً عالياً وتدريباً مكثفاً على تمازج الألوان وكثافتها ولكني في النهاية كان النتاج الفني المترتب على هذه الورشة وفكرة المبادرة كان جيدا للغاية فقد قدمت الطالبات أعمالاً فنية تحمل طابعاً عُمانياً أصيلاً ينبض بالحياة وبأسلوب عالمي راقٍ مما يثبت نجاح التجربة في تحقيق تمكين تقني وفني متكامل.
الهوية الوطنية وقيم المواطنة
تقول الطالبة غدير السعدي: أنا سعيدة جداً بوجودي ومشاركتي، في لوحتي كان هدفي الرئيس هو إيجاد حوار بصري بين الجبال والبحار في محافظة مسندم، قمت بصياغة أمر رقمي يدمج حركة السماء والغيوم الأسطورية الدائرية والحلزونية المستوحاة مباشرة من لوحة (ليلة نجومية) للفنان جوخ، وجعلت هذه التموجات باللونين الأزرق والأصفر المشعين تمتزج وتتداخل مع طبيعة مسندم البحرية الشاطئية الساحرة، ولوحتى عبارة عن حصن تراثي عُماني قديم شامخ بنيته بضربات فرشاة قوية مستخدمة اللون الأصفر والذهبي ليعكس الضوء المنبعث من السماء الدائرية وأمام هذا الحصن تقف السفن التقليدية العمانية وهي تخوض غمار البحر المتلاطمة أمواجه مما يبرز تاريخنا البحري العريق وفي الجانب الأيمن أضفت نخلة باسقة بضربات بارزة وملتوية تحاكي حركة الرياح لتعزيز رموز هويتنا الوطنية وتعلمت من هذه الورشة ألا أنقل الصورة بشكل مسطح بل أضفي عليها روحي وإحساسي من خلال سماكة ولون ضربة الفرشاة.
أما الطالبة وعد المدحاني فتقول: لوحتي تتميز بجرأة لونية استثنائية وخروج عن المألوف لا سيما في لون النخلة، وأردت من خلال لوحتي تقديم قراءة مغايرة ومبتكرة لمفردات التراث العُماني باستخدام الجرأة اللونية التي تميزت بها المدرسة التأثيرية من خلال التصورات التي ساعدني الذكاء الاصطناعي في صياغتها أولاً، وقررت استبدال اللون الأخضر التقليدي للنخيل، ورسمت نخلة عُمانية عملاقة وباسقة في مقدمة اللوحة بتدرجات اللون الوردي والأحمر الناري وبضربات فرشاة تأثيرية قوية وكثيفة، هذا التباين اللوني أضفى عمقاً بصرياً وحساً درامياً يعبر عن الحيوية والطاقة الفنية وأضافت: هذه التجربة جعلتني أدرك أن الفن ليس مجرد محاكاة فوتوغرافية للواقع بل هو إعادة ابتكار للجمال بروح معاصرة وبأدوات برمجية ويدوية متكاملة تعزز هويتنا العمانية.
من جانبها أوضحت ريم المدحاني بأنها من خلال الورشة جسدت شموخ القلاع وسط الطبيعة الجبلية وسحب السماء الحلزونية الصفراء وبحر مسندم وقاربه الذي يرفع علم سلطنة عمان الشامخ حيث إن المبادرة التزمت بفلسفة لونية بصرية مدروسة تحاكي شعار وأهداف مبادرة (برزة فنون مسندم) ومخرجاتها التربوية بهدف ترسيخ قيم المواطنة والاعتزاز بالهوية الوطنية العُمانية لدى الجيل الجديد وأضافت: أن التطور التقني تمكن الرسامة من مهارات المستقبل الرقمية والذكاء الاصطناعي.