لماذا يتجنب بعض الكُتّاب المواجهة والحوار الثقافي متوارين خلف تبريرات العزلة الفنية؟ وهل الرفض هو الموقف الأصح بسبب أسئلة لم تعد تشبه عمق النص؟
هل هو الخوف من تحريف الكلام، أم رداءة بعض الأسئلة الصحفية...؟
أم الإيمان بأن "النص يتحدث عن نفسه"، أم حب الكاتب لعمل هالة حوله ونرجسية مصطنعة مثلاً، أو ضيق الوقت وتكرار الأسئلة والإجابات؟
وهل فعلاً يبحث الكاتب عن عزلة حقيقية تحمي نصه، أم أنه يلوذ بالصمت ليصنع أسطورة تسويقية حول شخصه؟


أسئلة طرحتها على ضفاف المشهد الثقافي المأزوم، ولم نكن نتوقع أننا نفتح بغير قصد "خزان أحزان"، لتتدفق الإجابات كدراسات سيكولوجية وتحليلية دسمة، تفكك هذه العلاقة الشائكة بين مبدع يحرس إبداعه، وإعلامي يبحث عن ضيف من العيار الثقيل ليسبر معه أغواره.


هذا التحقيق عشته وعاشه غالبية العاملين في الحقل الإعلامي، ومن واقع تجربتي الطويلة في مهنة المتاعب ومحاورتي لعشرات الأدباء والشعراء والفنانين، لم تخلُ المسيرة من تجارب فاشلة ومحبطة؛ نجحت مع الغالبية وفشلت في فك شيفرة البعض منهم، ولم اجد سبيلا لمعرفة مفاتيح الوصول إليهم لاستنطاق صمتهم، فجاءت الإجابة الكبرى عبر "التطنيش" الصامت، بينما آثر آخرون الاعتذار بحجج الوقت والانشغال وتبريرات شتى. مارس بعضهم "النرجسية الثقافية" في أقصى تجلياتها، وتأرجحوا بين التردد والإهمال المبالغ فيه. هذا ليس جزماً، فربما كانت لهم ظروفهم الخاصة، أو مواقفهم المسبقة مني، أو من الصحيفة، أو حتى من طبيعة الأسئلة، لكن حتى لا أدخل في النوايا والظنون، كنت ألتمس العذر حتى لمن يعتذر بلؤم مفضوح، وأتفهم أن العاملين في هذا الحقل يحبون ممارسة طقوسهم الحذرة مع الإعلام تماماً كما يمارسون طقوسهم المعقدة في وقيعة الكتابة!


حتى في هذا التحقيق وجدت ذات المواقف؛ هناك من تقبّل المشاركة برحابة صدر وبمسؤولية عالية لتمنحنا هذا التشريح الجريء، وهناك من اعتذر أو تجاهل ولن أتوقف مع أسمائهم تجنباً للإحراج، وسنتوقف معاً لتفكيك هذه المعادلة.


الموقف الأخلاقي
الافتتاحية فرضها منطق الشروط القاطعة والمواقف العلنية التي لا تقبل المساومة؛ حيث يعيد الشاعر والكاتب المثنى الشيخ عطية الكرة مباشرة وبقوة إلى مرمى الصحافة وصناعها، واضعاً محاورة الإعلام في إطار المسؤولية الأخلاقية والوطنية، مفضلاً عرض شهادته كاملةً حيث:


"لقد أجبتَ أنت تقريباً على السؤال بتعدادك لمعظم الأسباب، ولكن يمكن التوضيح وفقاً لتجربتي في مواجهة الحوارات، أن الكتّاب بشكل عام يحبّون الالتقاء بالجمهور وإيضاح أفكارهم حول إبداعاتهم، أو إلقاء ضوء يشير إليها في الحوارات. وما يمنع الكتّاب الحريصين على المصداقية، والذين يعتبرون الكتابة مسؤولية، هو خشيتهم من تشويه أقوالهم على يد الصحفي الذي يُجري الحوار إما بسبب عدم كفاءته، أو خوفه من إغضاب الجهة أو الدولة التي يعمل منها لحساسية ما صرّح به الكاتب، فيقوم إما باجتزاء كلام الكاتب، أو تشويهه، وهذا يمنع الكثير من الكتاب عن التفاعل، ويدفعهم لأخذ الحيطة، وعدم التعامل إلا مع الصحفيين الموثوقين.


وهناك نقطة مهمة أخرى تتعلق بموقف الكاتب، ووضع الصحفي، حيث يمتنع الكاتب الذي يحترم نفسه عن عقد أي لقاء مع صحفي مرتزق أو 'مطبّل' لسلطات لا تحترم الحرية، ويحضرني مشهد كريستيانو رونالدو في هذا، كمثال لا يتعلق بالكتابة لكنه يصب في الموقف، وهو يرمي ميكروفون صحفي إسرائيلي أراد أخذ تصريح منه، في تعبير منه عن رفض سياسة الاحتلال. من جهتي، بعيداً عن النرجسية أو الترفع الفارغ لادعاء المكانة بالتأكيد، أحرص على نظافة الجهة أو الصحفي الذي يريد إقامة حوار معي، وخلوِّ تاريخهما من أية مشاركة أو تأييد لجهاتٍ أو سلطات قامت بإيذاء شعبي السوري، إضافة إلى حرصي في التأكد من مصداقيتهما.


على العموم، الكتاب والمفكرون والفنانون المهمون بإبداعاتهم معروفون، ويمكن تمييز حقيقة مواقفهم من الإعلام. كما أن الكتّابَ المدّعين الخاوين الذين يثيرون ضجيجاً مع الإعلام بادعاءات فارغة، معروفون كذلك، والمواقف في عالمنا الذي انفتح بصورة هائلة على بعضه، لا تلبث أن تنكشف مهما جرى من إخفاء لحقيقتها".


محاكمة "عضلة الفم"
شنّ الروائي سامي بدري هجوماً نقدياً على هشاشة الطرح في بعض الصحافة العربية، معتبراً أن الكاتب يهرب لإنقاذ جِلده. وبناءً على رغبته في أن يلامس كلامه ذائقة القارئ مباشرة، يقول:
"وقبل أن يتحول الحديث - أي حديث - إلى مجرد ثرثرة، علينا اقتياد فعل الكلمة، كفاعل فكري وليس كلعبة لعضلة الفم، إلى هدفها اللساني: إشارة توكيد وبيان إضاءة. يعني هذا، في أول مقاصده، أن الحديث فعل قياد ويجب أن يكون أول أهداف المُحاور، لكي يبلغ حواره منتهى هدفه ويحقق صبوته... بالنسبة للمتلقي.


ماذا يهم قارئ أن يعرفه عما يقرأ، وخاصة في حقل الأدب، ونسيج الحكي القصصي منه على وجه التخصيص الضيق؟ أن يقود المحاور صاحب فعل الحكي (الروائي/ القاص) لإضاءة ما بث من إشارات داخل نصه، و(استدراجه) للكشف عما تخلفه في ذاته ووعيه من (لوعات).


فأنا كقارئ فإن أول ما يراودني من أسئلة، وأنا (أقاسي) فعل القراءة والكشف، هو: ما الذي دفع الكاتب لارتكاب فعل الحكي هنا وتحت أي سطوة؟ ما نوع (القهر) الذي دفعه لحفر هذا النموذج من الرجل – بطل الرواية، ليبث عبر خامته فكرة الرواية وما الذي ألهمه بها؟ ما نوع وعمق الشجن الذي دفعه لنحت هذا الصنف (المستعصي) من النساء وأي طبقة من لوعاته، أراد بثها عبر تركيبته الشائكة؟
هل نصادف مثل هذه الأسئلة، وهذا على سبيل المثال لا أكثر، في حوارات صحفنا ومجلاتنا الأدبية؟ لحسن الحظ أني معفو من الإجابة هنا!


ولو كلفتني صحيفة أو مجلة ما يوماً أن أحاور روائياً مثل غابريل غارسيا ماركيز، لما سألته كيف ومتى التقى مارسيدس، زوجته أو عن عدد أولاده، بل لكنت سألته (من أين جاءت أرسولا، بطلة رواية مائة عام من العزلة، بفكرة أن أولادها سيأتون بذنب خنزير. أو من أين نزلت عليك فكرة، وصف أحد السكارى لصلعة فلورنتو أريثا، بطل رواية الحب في زمن الكوليرا، بأنها صلعة مباركة، وهو يقبلها، دهشة بلمعانها)؟ هل ثمة محاورتي صحف ومجلات ثقافية يسألون الروائي العربي مثل هذه الأسئلة؟ هنا، ولأني أحسب نفسي على طائفة الروائيين، يحق لي الإجابة: كلا وبالقطع!... وإلا بم يهم القارئ أن يعرف، إذا ما كان روائيه المفضل متزوجاً أو له نصف دزينة من الأولاد، وهذا ما درج عليه جميع العرب، سواء كانوا كتاباً أو عمالاً أو حاصدي ريح؟


وأخيراً، ولكي أنفذ بجلدي من تهمة الثرثرة، أوجز كل ما سبق بالقول.. إن ما يهم القارئ معرفته – عن لؤم كاتبه أثناء وقيعة الكتابة – هو هل بكى لحظة قتله لبطلة روايته أم تشفى بموتها... لأنها عذبته لأسباب يخجل من ذكرها... بالفعل!"


ورشة سرية
هذا النقد المهني الحاد لما يُطرح في الإعلام، يقودنا إلى تفكيك البنية النفسية والسيكولوجية لظاهرة الغياب؛ حيث تقدم الكاتبة والشاعرة فلك حصرية شرحاً مطولاً ومعمقاً لهذه الظاهرة. حصرية ترى أن امتناع بعض الكتّاب عن الإعلام ليس دائماً كبراً أو غموضاً متعمداً، بل هو أحياناً موقف معرفي يرى أن الكاتب يجب أن يُعرف من خلال نصّه لا من خلال صورته وصوته؛ فالكتابة في جوهرها تحتاج إنصاتاً داخلياً طويلاً وعميقاً، بينما الإعلام بطبيعته يقوم على السرعة، والتبسيط، والإجابات الفورية السطحية التي قد تجتزئ الأفكار المعقدة وتفرغها من مضمونها. العزلة هنا "بحسب حصرية" هي وسيلة ضرورية لحماية الحساسية الداخلية، وأشبه بورشة سرية لصناعة الأدب الحقيقي، انطلاقاً من قناعة قديمة تقول: "كلما ارتفع صوت الكاتب خارج كتبه، خفَت صوته داخلها".


ومع ذلك، لا تبرئ فلك كل عزلة؛ إذ ترى خيطاً رفيعاً بين العزلة كحاجة إبداعية حيوية، والعزلة كوسيلة مصطنعة لبناء هالة نرجسية وتعمّد صناعة صورة "الكاتب النادر" لتحريك فضول القراء وتحويل الشخصية إلى أسطورة أدبية فوق النقد. التاريخ الأدبي يرينا كيف صنع الإعلام جزءاً من هالة أسماء مثل أحلام مستغانمي، نزار قباني، وأدونيس، أو همنغواي غربياً، حيث تحول حضورهم المتكرر إلى علامة ثقافية موازية لأدبهم، وفي المقابل، كان الاختفاء والتواري خياراً عبقرياً لأسماء مثل كافكا وسالينجر وديكنسون. وتختم حصرية شرحها قائلة: "في النهاية، المسألة تُعرف من 'نبرة' الكاتب وسلوكه؛ فالإصرار على الظهور المتكرر قد يكون رغبة صادقة في التواصل أو إدماناً رمزياً على الانتباه خوفاً من النسيان في سوق ثقافي سريع يبتلع من يغيب. بينما العزلة الحقيقية يترك فيها المبدع نصوصه تتحدث بهدوء نيابة عنه، دون أن يحوّل غيابه الطويل إلى استعراض وإثارة متعمدة".


منظومة الخوف
وحين تمتد الظاهرة النفسية لتشتبك بالواقع المحلي المعاش، يضع الروائي محمد الحفري إصبعه بجرأة واضحة على تفاصيل المشهد السوري الساخن، مستشهداً ببيت الشاعر مظفر النواب البليغ: "وحين تطغى على الحران جمرتهُ.. فالصمتُ أفضلُ ما تُطوى عليه فمُ". الحفري يقول: "أنت محق فيما طرحته من أسباب موجبة لهذا الرفض" ويعترف بشجاعة غامرة بأنه يمتنع في كثير من المرات عن الرد على أسئلة الصحافة لسببين؛ أحدهما مهني يتعلق بسطحية السؤال وطريقة التعامل، وبصراحة أكثر سأرفض حتماً أي لقاء إذا لم أقتنع بشخصية الإعلامي أو المحاور وثقافته فلن أحاوره، وهذه القاعدة قد تخترق في حالات الإحراج الشديد، وعطفاً على تفسيرك للنرجسية أو صناعة الهالة وجعلها من الأسباب المانعة للكاتب من الظهور أقول إن هذه الحالة موجودة بالتأكيد، ولكنها لا تشكل رقماً لو قسناها على النسبة المئوية، والسبب يعود إلى أن كل كاتب لديه ما يقوله وما يريد طرحه على الناس، ولديه هاجس القول، لأنه صاحب مقولة وفكر وفلسفة معينة.


والآخر بنيوي له علاقة بكتاب سوريا تحديداً ويتعلق بـ "منظومة الخوف" المعششة في القلوب، والتي تمنع الكثير من الكتاب السوريين عن التصريح والقول، ملتمساً لهم العذر لأن هذه المنظومة قد "شرّشت" وضربت جذوراً عميقة في مجتمعاتنا.


ويقارن الحفري بمرارة بين الأمس واليوم قائلاً: "في الماضي، كان للمخبر السري دور مرعب في حياتنا، والآن وبعد سقوط المنظومة السابقة، صار بإمكان بعضهم وخاصة ممن تسلموا المناصب الجديدة أن يأخذوا هذا الدور، والتهم جاهزة دائماً ومعلبة: فلول، ذيول، إرهاب". ويضيف واصفاً كواليس الوسط الثقافي بالعامية الدارجة وبما يلامس واقع الحال: "هناك دائماً شخص ما يمكن أن نطلق عليه بالعامية الدارجة 'فاين بخت'، وهو شخص بلا ضمير لا يتورع عن إلصاق التهم بالناس. لذلك فالصمت قد يكون مجدياً على الرغم من أنه ينتمي إلى الحالة السلبية.. فالوقت ضيق جداً في بلادنا، ولا يحتمل العداوات والمهاترات والخوض في صراعات مجانية لا طائل منها، وهو لا يتسع سوى للمحبة الصافية والنظيفة".


ترف الأفلاطوني
وإذا كان الواقع المحلي محاصراً بالمخاوف، فإن الروائي د. خليل النعيمي يشير إلى سبب امتناع الأدباء عن الحوارات بقوله: "لكل الأسباب التي ذكرتها أنت مجتمعة ومنفردة" ويوسع زاوية الرؤية من منظور إنساني ومصيري عام، رابطاً عزوف الأديب بـ "الصدمة الحياتية والمصيرية الكبرى" التي يعيشها الإنسان العربي ككل تحت وطأة الحروب والدمار. النعيمي، يرى أن الأسباب النفسية والمعرفية مجتمعةً تلعب دوراً، لكن يضاف إليها اليوم الجو المأزوم والشعور العارم بعدم الاستقرار والأمان الذي يجتاح "الفضاء العربي" بأكمله؛ لكون الفضاء العربي هو الوحيد الآن على سطح الأرض الذي لا يزال يعاني من فظاعة الاستعمار والعدوان الشنيع المتمثل في إسرائيل.


وحين سألته كيف يمنع هذا الواقع القاسي الكاتب من إجراء الحوارات، جاء رده: "الثقافة أو الأدب هي شأن عام حتى وإن أبدعه شخص خاص. وهذا الواقع الممتد منذ قرن تقريباً وما ينجم عنه من أزمات وحروب وكوارث وبؤس ودمار، هو برأيي أهم الأسباب وراء هذا العزوف عن الحوارات الصحفية. بالطبع لكل سؤال أكثر من جواب، لكنني لست معنياً بالبحث الأفلاطوني البعيد عن الواقع عن أجوبة أخرى لا تهمني أنا شخصياً". فالحوارات وسط هذا الخراب الشامل تصبح في رأيه نوعاً من الترف الهامشي.


جمر الواقع
هذا المنظور الوجودي والمصيري الحاد للنعيمي، يتكامل مع الطرح السياسي المباشر والاشتباك مع الراهن العربي الذي يقدمه الباحث والكاتب حمدي الموصللي، معتبراً أن عزوف المبدع ليس ترفاً سيكولوجياً، بل هو "موقف اضطراري" ناتج عن القمع الممنهج. ويرى الموصللي أنه منذ انطلاق الحراك الثوري العربي، بدأ "الإعلام التابع والمرهون" يعيب على المبدع العربي صمته وعزوفه، ناعتاً إياه بالضعف والعجز عن تحديد مواقفه إزاء القضايا الساخنة. لكن الحقيقة تكمن في أن منظومة المتغيرات السياسية والاجتماعية والدينية الصادمة هي التي أجبرت وعي المثقف على السكون خارج لغة الصراع، واللوذ بمواقع التواصل لنشر النزر اليسير من أفكاره بلبوس الرمز المشوب بالخوف والحذر.


ويحدد الموصللي أسباب هذا العزوف في ثلاثة كوابح أساسية: أولاً، سيطرة العقل المقموع وسلطة الرقيب الأمني جاهز الاعتقال وفق معادلة (أنت معنا أو ضدنا). ثانياً، غياب الديمقراطية والحرية وعجز العقول عن الإنتاج في ظل أنظمة شمولية قاهرة تفتقد للنبت الليبرالي الذي يحمي الكلمة. وثالثاً، هيمنة الفكر السلفي البعيد عن العقل والنقل، فضلاً عن الأزمات البنيوية كالفقر والبطالة. وبناءً على هذا، يخلص إلى أن عزوف المبدع الخلاّق عن المنابر ليس هروباً، بل هو موقف دفاعي غريزي أمام إعلام تابع يريد تأطيره، وواقع سلطوي يسلب حرية الرأي.


الميديا البديلة والذكاء التسويقي
وبعد أن اطلعنا على الآراء والأحكام الصادرة التي ساقها سدنة الحرف ضد منابر الصحافة، كان لا بد من سماع رأي العاملين في الحقل الثقافي أن يتقدموا لتقديم دفوعهم وقراءتهم المضادة. الصحفي علي طه لا يرتدي ثوب الدفاع الأعمى، بل يضع مبضعه على جرح المهنة ذاتها، معترفاً بتسلل "الإعلامي الدخيل" الذي جعل الصحافة مهنة من لا مهنة له، ومؤكداً أن ضعف أدوات المحاور وغياب أصحاب المشاريع النقدية جعلا الحوارات مكررة وطاردة للكاتب الجاد، فضلاً عن تخوف المبدعين من الدخول في نقاشات تثير حولهم معارك وتأويلات دينية أو سياسية مجانية في زمن بات فيه كل مواطن ناقداً رقمياً.


لكن طه يذهب أبعد من ذلك ليفكك الظاهرة تقنياً وتسويقياً؛ فالكاتب اليوم لم يعد أسيراً للمؤسسة التقليدية المكتوبة أو المرئية بعد أن وفرت له السوشيال ميديا والمنصات الرقمية منابر بديلة للبث والتعبير دون صك غفران من أحد. ويعتبر طه أن غياب الكاتب وتمنعه ليس نرجسية بل "ذكاء تسويقي صِرف" واستراتيجية مدروسة لصناعة النجومية في عصر الإفراط الرقمي والاستهلاك السريع؛ فالندرة تصنع هالة الغموض والوقار وتزيد من قيمة الكاتب، بينما كثرة الظهور تحوله إلى بضاعة رخيصة ومستهلكة. العزلة هنا هي تغليب لجودة التأمل على ضجيج الظهور المجاني.


جسور الثقة
وفي ذات السياق المهني، ولكن بنبرة تفوح بالاعتراف والتصالح الإنساني الدافئ، يقف الصحفي عبد الكريم البليخ في صف الكاتب متفهماً هواجسه وقلقه، ومقدماً صك نقد ذاتي من داخل المطبخ الصحفي. البليخ يؤكد من واقع تجربته الطويلة أن الكتّاب لا يرفضون الحوار بدافع الغرور، بل لأنهم تعبوا من تكرار الأسئلة ذاتها أمام محاورين يبحثون عن عبارات جاهزة أو عناوين سريعة للاستهلاك الإعلامي العابر، متناسين أن الحوار مساحة حساسة تمس الأعماق الفكرية والنفسية للمبدع الذي يخشى أن تتحول تجربته الإنسانية الطويلة إلى مادة سريعة تُستهلك ثم تُنسى وسط ضجيج الأخبار اليومية.


ويكشف البليخ من كواليس لقاءاته الطويلة عن ذلك السؤال الصادم والموجع الذي يوجهه الأدباء عادة للصحفي قبل بدء التسجيل: "هل قرأت أعمالي فعلاً؟ أم أنها أسئلة اعتدتَ طرحها على الجميع؟".. معتبراً هذا الاستفسار صرخة احتجاج ناتجة عن خيبات متراكمة عاشها المبدع مع حوارات سطّحته ولم تمنحه الإحساس بأنه مفهوم أو مُقدَّر. ويرى البليخ أن المبدع يضع جزءاً من روحه داخل ما يكتب، ولذلك يفضل الاختباء خلف نصوصه لأن العمل الإبداعي أصدق من أي تصريح مستعجل. ويضع البليخ "مانيفستو" للإعلامي الحقيقي الذي لا يكتفي بطرح الأسئلة بل يبني جسراً من الثقة يُشعر ضيفه بأن الحوار محاولة للفهم لا للاستهلاك؛ وعندها فقط يفتح الكاتب أبواب تجربته بصدق ويتحول اللقاء إلى لحظة اكتشاف متبادلة.


قبض للدفة
في نهاية هذا الإبحار العميق في سيكولوجيا العزلة ومآسي المهنة، يتضح أن المسافة بين الكاتب والإعلام ليست مجرد رغبة عابرة في الاختفاء، إنما هي خيط رفيع ومعقد يتداخل فيه الشخصي بالسياسي، والمهني بالوطني والوجودي.


بين مبدع يرى في الصمت درع حماية غريزياً أمام مايراه ويسمعه ويعيشه في حياته اليويمية ومجتمعه، وبين آخر يفر بجلده من أسئلة استهلاكية مسطحة تحكمها "عضلة الفم" ولا تلامس لوعات النص، يظل الإعلام الثقافي نفسه واقفاً في قفص الاتهام، مطالباً بتنقية صفوفه من الدخلاء وبناء "جسور ثقة" حقيقية تقوم على القراءة الجادة والاحترام المعرفي.


لقد كشف لنا هذا التحقيق أن المبدع الحقيقي ليس ناسكاً يكره الظهور والإعلام، بل هو كائن شديد الحساسية يبحث عن "منبر نظيف" وصحفي يفهم صمته الداخلي قبل كلامه. وإذا كان الصمت أحياناً يتحول إلى قناع نرجسي أو استراتيجية تسويقية ذكية لرفع قيمة بضاعة الكاتب في سوق الثقافة، فإن ما لمسناه من رحابة صدر وتعاون عميق من قِبل الأسماء المشاركة في هذا الملف، يثبت بالدليل القاطع أن الحوار حين يرتد ليكون فعلاً فكرياً جاداً، فإنه يتحول إلى وثيقة اكتشاف متبادلة، ولحظة تنوير يحتاجها المشهد الثقافي اليوم أكثر من أي وقت مضى، ليبقى الرهان دائماً على نضج السؤال.. وحصافة الجواب.