حاوره - فيصل السعيدي
في عالم التدريب، لا تقاس التجارب دائمًا بعدد البطولات أو النتائج النهائية فقط، بل بما تتركه من أثر فني وتراكمي في مسيرة المدرب والفريق على حد سواء، ومن هذا المنطلق يرى المدرب الوطني مصبح بن هاشل السعدي أن تقييم أي محطة تدريبية يجب أن يكون مرتبطًا بظروفها ومعطياتها الخاصة، بعيدا عن الأحكام السريعة أو المقارنات المجردة.
السعدي الذي يعد أحد أبرز الأسماء التدريبية في الكرة العمانية خلال العقدين الماضيين، فتح قلبه لـ "عمان" متحدثا عن تجربتيه الأخيرتين مع ناديي ظفار والخابورة، وعن العروض التدريبية التي تلقاها مؤخرا، كما استعاد ذكريات الإنجاز التاريخي مع السويق، وكشف رؤيته لمستقبل الكرة العمانية وتوقعاته لكأس العالم 2026.
تقييم التجارب يحتاج إلى قراءة شاملة
استهل السعدي حديثه بالتأكيد على أن كل تجربة تدريبية تحمل ظروفًا مختلفة تجعل من الصعب إخضاعها لمقياس واحد، موضحا أن تجربتيه مع ظفار والخابورة تختلفان بصورة كبيرة من حيث المدة الزمنية والبيئة المحيطة وطبيعة المشروع الفني.
وبهذا الصدد علق قائلا: من غير المنصف أن تتم مقارنة جميع التجارب التدريبية بالمعيار ذاته، لأن لكل ناد ظروفه الخاصة وتحدياته المختلفة، لافتا إلى أن نجاح أو تعثر أي تجربة يرتبط بعوامل كثيرة تتجاوز النتائج المباشرة.
وأضاف في سياق متصل أن تقييم العمل الفني الحقيقي يجب أن ينظر إلى تطور الأداء، وبناء المنظومة، وقدرة الفريق على المنافسة والاستمرار، وليس فقط إلى عدد الانتصارات أو الألقاب المحققة.
ظفار تجربة ثرية ومشروع متكامل
وعند التعريج لنادي ظفار، بدا السعدي أكثر تفصيلا في استعراض التجربة التي امتدت لما يقارب موسمين، وهي فترة يراها كافية لأي مدرب كي يضع بصمته الفنية ويعمل وفق رؤية واضحة.
وأوضح في هذا السياق قائلا: التجربة مع ظفار كانت من أغنى المحطات في مسيرتي التدريبية، لاسيما وأننا عملنا خلال فترة طويلة نسبيا، وهو ما أتاح لنا فرصة بناء منظومة فنية متكاملة، سواء من حيث أسلوب اللعب أو الجوانب التكتيكية أو إعداد اللاعبين.
وأشار إلى أن الجهاز الفني ركز خلال تلك الفترة على تطوير الأداء الجماعي للفريق وتعزيز الانضباط التكتيكي ورفع مستوى التنافس بين اللاعبين، إضافة إلى منح عدد من العناصر الشابة الفرصة لإثبات قدراتها والاندماج مع الفريق الأول.
وأكد أن المنافسة على أكثر من جبهة محلية وخارجية فرضت تحديات كبيرة على الجهاز الفني واللاعبين، إلا أن ذلك أسهم في صقل الفريق ورفع جاهزيته.
وتابع قائلا: خضنا منافسات متعددة تطلبت جهداً مضاعفا من الجميع، وكان هدفنا الدائم هو المحافظة على هوية فنية واضحة للفريق، وبدون أدنى شك أؤمن أن نجاح أي مشروع لا يقاس فقط بما يحققه من بطولات، بل أيضا بمدى تطور الأداء واستقرار المنظومة وقدرتها على الاستمرار.
الوقت لم يكن كافيا مع الخابورة
وفي المقابل تطرق السعدي إلى تجربته مع نادي الخابورة مؤكدا أنها كانت مختلفة تماما، نظراً لقصر الفترة التي قضاها مع الفريق، والتي لم تتجاوز شهرا تقريبًا.
وأوضح أن هذه المدة لا تسمح لأي جهاز فني بتنفيذ مشروع متكامل أو إحداث تغييرات جذرية على المستوى الفني.
وأفصح: كرة القدم الحديثة تحتاج إلى الوقت، لاسيما وأن هناك مراحل تبدأ بالتقييم والدراسة، ثم البناء والتطبيق، وبعد ذلك تأتي مرحلة جني النتائج، وعندما تكون الفترة قصيرة جداً يصبح من الصعب إصدار حكم عادل على التجربة.
وأضاف السعدي أن بعض الظروف الإدارية والتنظيمية المصاحبة للفترة التي قضاها مع الفريق أسهمت في تقليص فرص تطبيق البرنامج الفني بالشكل المطلوب.
وأكد أن نجاح أي مشروع رياضي يحتاج إلى توافر بيئة مستقرة تساعد المدرب على تنفيذ أفكاره، موضحا أن الاستقرار الإداري والفني يمثلان حجر الأساس والزاوية لأي نجاح مستدام.
تحديات الموسم المنصرم
وتعقيبا حول أبرز التحديات والصعوبات التي واجهته خلال الموسم المنصرم، شدد السعدي على أن كرة القدم عمل جماعي وتراكمي، ولا يمكن اختزال النجاح أو الإخفاق في فرد واحد.
وفي هذا الإطار علق قائلا: هنالك ثمة تحديات مستمرة في الأندية المنافسة على أكثر من بطولة، تتمثل في ضغط المباريات والإصابات والإجهاد البدني والذهني للاعبين، إضافة إلى ضرورة المحافظة على التركيز طوال الموسم.
ولفت إلى أن هذه التحديات كانت حاضرة خلال تجربته مع ظفار، إلا أن الجهاز الفني تعامل معها وفق القدرات والإمكانات المتاحة، معتبرا أن العمل الذي تم إنجازه خلال الفترة الماضية كان إيجابيا في مجمله.
وأوضح أن نهاية العلاقة مع نادي ظفار جاءت في إطار من التفاهم والاحترام المتبادل بين جميع الأطراف، وهو أمر طبيعي في عالم كرة القدم الاحترافية التي تشهد باستمرار تغييرات فنية وإدارية وفق متطلبات كل مرحلة.
عروض محلية وخارجية
وكشف السعدي عن تلقيه عددا من العروض التدريبية خلال الأشهر الماضية، بعضها من داخل السلطنة والبعض الآخر من خارجها.
وأشار إلى أن أحد العروض الخارجية وصل إلى مراحل متقدمة من التفاوض، لكنه فضل عدم المضي فيه حتى النهاية.
وبين أسباب ذلك بقوله: تلقيت عرضا خارجيا جيدا، لكن الموسم كان قد انطلق بالفعل في تلك الدولة، وقطعت المنافسات شوطا مهما فيها، وبالنسبة لي لا أحبذ الدخول في مشروع فني عقب انطلاقه بفترة طويلة، لأن ذلك يقلل من فرص تنفيذ الرؤية الفنية التي أؤمن بها.
واسترسل في الإطار ذاته مردفا القول: أنا لا أتعامل مع العروض من زاوية مالية فقط، ولا أبحث عن الأسماء أو المناصب بقدر ما أبحث عن مشروع فني متكامل أستطيع من خلاله تقديم الإضافة وتحقيق الأهداف المرسومة.
وشدد السعدي أن التوافق بين رؤية المدرب وطموحات النادي يعد عاملا جوهريا في اتخاذ القرار، مشيرا إلى أنه يفضل الانتظار على قبول أي فرصة لا تنسجم مع قناعاته المهنية.
التعلم لا يتوقف
وتعليقا حول نشاطه خلال الفترة الراهنة، أوضح السعدي أنه استثمرها في الراحة واستعادة التوازن بعد موسم طويل، إلى جانب مواصلة تطوير نفسه مهنيا.
وكشف عن خوضه تجربة معايشة فنية مع أحد أندية شرق آسيا بدعوة من مدرب تربطه به علاقة مهنية وشخصية مميزة.
وأردف قائلا: التعلم بالنسبة للمدرب عملية مستمرة لا تتوقف عند حد معين، خاصة أن كرة القدم تتطور بشكل سريع جدا، ومن الضروري بمكان متابعة أحدث المدارس التدريبية وطرق التحليل والإعداد البدني والتكتيكي.
واستطرد أن الاحتكاك بالتجارب الخارجية يمثل فرصة مهمة لاكتساب خبرات جديدة والاطلاع على أساليب عمل مختلفة يمكن الاستفادة منها مستقبلا.
الثلاثية التاريخية الأغلى
والحديث عن أبرز إنجازاته التدريبية ككل، لم يتردد السعدي في اختيار الثلاثية التاريخية التي حصدها مع السويق إبان موسم ٢٠١٢ / ٢٠١٣، باعتبارها الأغلى والأقرب إلى قلبه.
وقال: هذا الإنجاز له مكانة خاصة في قلبي لأنه تحقق للمرة الأولى في تاريخ الكرة العمانية، بعد الجمع بين ثلاثية الدوري وكأس جلالة السلطان وكأس السوبر خلال موسم واحد.
وأردف: أن قيمة الإنجاز لا تكمن فقط في عدد البطولات، بل في الظروف الصعبة التي أحاطت به وحجم المنافسة القوية التي واجهها الفريق طوال الموسم.
وأوضح أن المحافظة على التركيز والجاهزية الفنية والذهنية خلال منافسات متعددة كانت من بين أبرز مقومات النجاح.
وأكد أن تلك الثلاثية التاريخية التي انتزع خلالها المجد الكروي من جميع أطرافه، كانت ثمرة عمل جماعي متكامل شاركت فيه إدارة النادي والجهازان الفني والإداري واللاعبون والجماهير، معتبرا أنها شكلت محطة مهمة في مسيرته ومسيرة النادي ككل.
رسالة للمدرب الوطني
ويرى السعدي أن الإنجازات التي حققها المدرب الوطني خلال السنوات الماضية تؤكد قدرته على المنافسة وتحقيق النجاحات متى ما توفرت له الظروف المناسبة.
وفي هذا الشأن أفصح قائلا: المدرب الوطني يمتلك الكفاءة والخبرة، وما يحتاجه في المقام الأول هو الثقة والاستقرار والدعم، ومتى ما توافرت هذه العناصر يستطيع أن يحقق نتائج مميزة ومثمرة مثل أي مدرب آخر.
وزاد أن التجارب الناجحة للمدربين العمانيين في مختلف المراحل السنية والفرق الأولى تؤكد وجود كوادر وطنية قادرة على قيادة المشاريع الفنية بكفاءة عالية.
إشادة بعودة السويق
وأبدى السعدي سعادته الغامرة بعودة نادي السويق لاستئناف نشاط فريقه الأول لكرة القدم، مؤكدا أن وجود الأندية الجماهيرية والعريقة يمثل إضافة مهمة للمسابقات المحلية.
وأضاف: السويق اسم كبير في تاريخ الكرة العمانية، وعودته تعني عودة أحد الأندية التي تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وإرثا رياضيا يشار إليه بالبنان.
وتمنى أن تكون العودة مبنية على رؤية إدارية وفنية واضحة تضمن الاستقرار والاستدامة، بما يسهم في استعادة النادي لمكانته الطبيعية بين كبار الأندية العمانية.
مسيرة حافلة بالإنجازات
واستعرض السعدي جانبا مضيئا من محطات مسيرته التدريبية التي امتدت عبر عدد كبير من الأندية العمانية، حيث أشرف على تدريب أندية السويق وصحم والسيب والمصنعة والشباب ومجيس والاتحاد وصور وظفار والخابورة.
كما حقق خلال مسيرته العديد من البطولات، من أبرزها الثلاثية التاريخية مع السويق كما أسلفنا الذكر، وكأس السوبر مع نادي صحم، وبطولة الخليج للناشئين مع نادي السويق، ودرع دوري الدرجة الأولى وكأس السوبر مع نادي ظفار.
ولفت إلى أن سجله التدريبي يتضمن 14 ميدالية ذهبية في مختلف الفئات والمراحل، سواء كمدرب أول أو مساعد مدرب.
وتابع: الألقاب مهمة بلا شك، لكنها ليست كل شيء. القيمة الحقيقية لأي مسيرة تكمن في الخبرات التي يكتسبها المرء واللاعبون الذين يسهم في تطويرهم وصناعة مستقبلهم.
لا أؤمن بالندم
وعن أكثر القرارات التي قد يرغب في مراجعتها خلال مسيرته التدريبية، أكد السعدي أنه لا يؤمن بفكرة الندم بقدر إيمانه بالتعلم من التجارب.
وفي هذا الإطار علق قائلا: كل قرار اتخذته كان مبنيًا على المعطيات المتاحة في ذلك الوقت. وربما لو عاد بي الزمن إلى الوراء لتعاملت مع بعض الأمور بطريقة مختلفة، لكنني بطبيعة الحال لا أنظر إليها كأخطاء بقدر ما أعتبرها محطات زمنية استخلص منها الدروس والعبر والخبرات في المقام الأول والأخير.
وأضاف أن التجارب الناجحة والصعبة على حد سواء أسهمت في بناء شخصيته المهنية وصقل رؤيته التدريبية.
فرنسا وإسبانيا في نهائي المونديال
وفي ختام مساحة حديثه بالحوار، تطرق السعدي إلى توقعاته لكأس العالم ٢٠٢٦، مرشحا منتخبات فرنسا والأرجنتين وإسبانيا والبرازيل للمنافسة بقوة على اللقب.
وأشار إلى أن المنتخب الإسباني يمتلك مشروعا فنيا واعدا يعتمد على جيل شاب مميز، في حين يتمتع المنتخب الفرنسي بعمق كبير في جميع المراكز واستقرار فني واضح.
وعلل توقعاته بالقول: إذا استمرت الأمور وفق المعطيات والمؤشرات الحالية، أعتقد أن النهائي قد يجمع بين فرنسا وإسبانيا، مع أفضلية نسبية طفيفة لإسبانيا في حصد اللقب.
وأتم حديثه بالتأكيد على أن كرة القدم تبقى حبلى بالمفاجآت، وأن المنتخبات الكبرى ستظل مطالبة بإثبات جدارتها داخل الملعب مهما كان حجم الترشيحات المسبقة.