يمضي الإنسان في هذه الحياة الدنيا وهو يحمل في قلبه أسئلة كثيرة، ويبحث عن الطريق الذي يقوده إلى الطمأنينة، ويتطلع إلى معرفة ما تخبئه الأيام القادمة، وكثيرا ما يقف أمام أحداث لا يفهم حكمتها، وأبواب يظن أنها أغلقت في وجهه، وفي لحظات كهذه يظهر معنى عظيم من معاني الإيمان، يغيب عن بال كثير من المسلمين، وهو أن الإنسان يرى جزءا من صورة المواقف والأحداث التي تمر به بينما تحيط قدرة الله بكل تفاصيلها.
ومن منا من لم تمر به هذه الأحداث والمواقف التي تكشف له مع مرور الزمن أن وراء الأحداث الظاهرة أسرارا خفية، وأن التدبير الإلهي يسير في طرق لا تخطر على بال أحد، فقد يمر المرء بموقف يشعر معه بالحيرة، ثم تأتي الأيام لتكشف له أن ذلك الموقف كان يحمل في داخله بداية مرحلة جديدة، أو حماية من أمر لم يكن يعلمه، فربما يدفع عنه بلاء أعظم من البلاء الذي أصيب به، أو أن الله جعل له هذا البلاء ليفتح له باب خير يختبئ خلف هذا الابتلاء.
ونجد هذا المعنى حاضرا بقوة في القرآن الكريم، حيث تتكرر قصص الأنبياء والصالحين، فتظهر فيها لحظات الضيق التي تعقبها سعة، فالقرآن الكريم يعرض هذه القصص ليبني في القلب يقينا بأن تدبير الله أوسع من حدود النظرة البشرية، وقد أخبرنا بذلك صراحة في قوله تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"، فلو وضع المسلم هذه الآية نصب عينيه، لم يحزن على ما فاته، ولم يطغ في الفرح بما آتاه الله، فالكريم عز وجل يقول "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ".
فالقرآن الكريم ناضح بالكثير من هذه المعاني التي بثها في ثنايا تأملات قصص الأنبياء، من أحداث قد تقول إن أبواب النجاة فيها قد أغلقت، ولكن الله يفتح أبوابا لا تخطر على بال، فلو تأملنا قصة موسى عليه السلام، حين وجد نفسه أمام البحر وخلفه قوم يطلبونه، كانت تلك اللحظة تحمل كل معاني الخوف والاضطراب، فقد وصل الأمر إلى موضع يبدو فيه الطريق منقطعا، وفي تلك اللحظة أدرك الكليم أن الله سيفتح له بابا في الحاجز الذي لو خاضه بغير المعية الإلهية لهلك "قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ"، ففي هذه الكلمة تتجلى قوة الإيمان، فالبحر في أعين الناس يعتبر حاجزا، وجاء الأمر الإلهي ليكشف أنه يحمل طريق النجاة، فهذه القصة تعلم الإنسان أن بعض الطرق تظهر في بدايتها مغلقة، ثم تنفتح في اللحظة التي يقدرها الله، ولو حكم الإنسان على المشهد من لحظته الأولى، لرأى البحر نهاية الطريق، بينما كان في علم الله بداية العبور والنجاة من فرعون وجنوده.
وإذا أتينا إلى قصة جميلة لا يمل المسلم من قراءتها والاستمتاع بأحداثها المشوقة التي تتجلى فيها هذه المعاني بكل وضوح، وهي قصة يوسف عليه السلام، فهي من أكثر القصص التي تكشف جمال التدبير الإلهي، فذلك الطفل الصغير وهو يوسف عليه السلام يلقى في البئر، ثم يخرج منها ويباع في السوق، ثم ينتقل إلى حياة جديدة، ثم يجد نفسه في السجن، حتى يصل إلى مكان التمكين والعزة، فالأحداث في ظاهرها كانت تحمل الألم، لكن مسارها كان يصنع مستقبلا مختلفا، فقد هيأته كل تلك الظروف والمصاعب والعذابات وصقلته وجعلته جديرا بأن يقول للملك: " قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ".
والرزق في القرآن يحمل معاني واسعة، فهو يشمل المال والصحة والسكينة والعلم وحفظ الإنسان من أمور كثيرة، ولهذا جاء الوعد الكريم: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا"، فالآية تربط بين التقوى والمخرج والرزق، وتفتح أمام الإنسان معنى عميقا، فحين يعتني القلب بعلاقته بالله، تأتي العناية الإلهية من طرق لا تقع تحت حساباته.
وقد يكون المنع من تحقيق الأماني والمطالب رزقا، وقد اشتهرت عبارة لابن عطاء الله السكندري صاحب كتاب الحكم العطائية: وهي قوله: "منعه عطاء وعطاؤه عطاء"، وهذه الحكمة تتجلى في قصة حدثت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وهي قصة المسلم الأنصاري ثعلبة بن حاطب، وكان يسمى حمامة المسجد لكثرة وجوده في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معه شاة واحدة يعتاش منها، فتمنى مالا يخرجه من حال الفقر إلى حال الغنى، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى عظيم حين قال له: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"، فهذه الكلمة تختصر فهما عميقا للرزق، فالقيمة ليست في كثرة ما يملك الإنسان، وإنما في قدرته على حمل النعمة والقيام بحقها، ولكنه بعد الإصرار دعا له الرسول بالغنى، وقد أورد القرطبي في تفسيره هذه القصة، وذلك في سبب نزول هذه الآيات من سورة التوبة: " وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ"، وقد ذكر القرطبي قصته تفصيلا فقال: " هذا رجل من الأنصار قال : لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه حقه ولأتصدقن، فلما آتاه الله ذلك فعل ما نص عليكم، فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور،
وروى علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري فسماه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالا، فقال عليه السلام ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ثم عاود ثانيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت فقال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فاتخذ غنما فنمت كما تنمي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، وترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي حتى ترك الجمعة أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح ثعلبة ثلاثا، ثم نزل خذ من أموالهم صدقة، فبعث صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة، وقال لهما : مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما، فأتيا ثعلبة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا"، فرفض الزكاة، فكانت أمانيه ومطالبه سببا في خسارته للآخرة.
قد يظن المسلم أن الوصول إلى ما كان يتمناه هو نهاية الطريق، بينما تكون بعد النعمة مرحلة تحتاج إلى وعي وشكر وثبات، فالعطاء يحتاج إلى رزق آخر يحفظه، وهو رزق البصيرة والشكر، فقد يعطى المرء شيئا كان يتمناه، ثم يحتاج إلى قوة داخلية حتى لا يتحول العطاء إلى انشغال، ولهذا فإن بعض المنع رحمة، وكذلك بعض قلة ذات اليد حفظ للإنسان حتى يأتيه من الخير ما يستطيع حمله، فالله سبحانه يختار لعباده بعلم، ويعلم مقدار ما تحتمل القلوب، فالله تعالى يقول في كتابه العزيز: "وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ"، فهو أعلم بالمقدار الذي يناسبك.
والإنسان بطبيعته يميل إلى حساب الأمور بما يملك من معرفة وتجربة، فيرسم خططه ويضع توقعاته، وهذا أمر من طبيعة الحياة، غير أن رحمة الله تتجاوز حدود الحسابات البشرية، هناك أقدار تسير في الخفاء، وهناك أبواب تتهيأ قبل أن يعرف الإنسان أنها موجودة.
حتى الدعاء نفسه يعلم الإنسان هذا المعنى، حين يرفع العبد يديه إلى الله، فهو يدخل باب الرجاء، ويوقن أن الإجابة تأتي بحكمة الله، وقد تكون الإجابة بتحقيق المطلوب، ولكنها قد تكون أيضا بتغيير الحال، وربما تكون بصرف أمر مؤذ، فحين يدرك الإنسان هذه المعاني، يصبح تعامله مع الحياة أكثر هدوءا، يعمل ويسعى ويخطط وقلبه متعلق بالله، يأخذ بالأسباب مع يقين بأن النتائج بيد الله وحده، فكل هذه الأشياء التي يعمل عليها هي أسباب، عليه أن يسعى لها مع علمه أن خزائن الرزق أوسع من هذه الأسباب كلها.