مـعـركـة الـتـفـاوض بـيـن إيـران والـولايـات الـمـتـحـدة - الـتي يـديـرهـا الـوسـيـط الـبـاكـسـتـانـي - حـمـي وطـيـسـهـا واشـتـدت أوارا مـنـذ اسـتـؤنـفـت بـعـد الـقـمـة الـصـيـنـيـة- الأمـريـكـيـة والـقـمـة الاسـتـراتـيـجـيـة الـصـيـنـيـة- الـروسـيـة، فـي بـيـجـيـن، وربـمـا بـأثـر مـن نـتـائـجـهـمـا.

تـبـغـي واشـنـطـن مـن هـذا الـتـفـاوض أن تـحـصـل فـيـه عـلـى مـا لـم تـقـوَ عـلى بـلـوغـه فـي مـيـدان الحـرب، وتـبـغـي طـهـران، فـي الـمـقـابـل، أن تـسـقـط فـي الـتـفـاوض الأهـداف عـيـنـهـا الـتـي امـتـنـع عـلـى الـعـدوان الأمـريـكـي- الصـهـيـونـي عـلـيـهـا تـحـقـيـقـهـا بـالـقـوة الـنـاريـة. وبـيـن حـسـابـات هـذا الـفـريـق وذاك، يـدور الـتـفـاوض عـلى حـافـة مـهـوى سـحـيـق يـخـشـى مـن أن يـهـوي إلـيـه.

مـا مـن مـثـقـال ذرة مـن الـثـقـة لـدى إيـران فـي سـيـاسـة الإدارة الأمـريـكـيـة الحـالـيـة؛ فـلـقـد لـدغـت مـن جـحـرهـا أكـثـر مـن مـرتـيـن؛ حـيـن انـقـض دونـالـد تـرامب، فـي عـام 2018، خـلال ولايـتـه الأولـى، عـلى الاتـفـاق الـنـووي الـمـبـرم مـع إدارة بـاراك أوبـامـا فـي 2015؛ وحـيـن انـقـض عـلى الـمـفـاوضـات الجـاريـة فـي مـسـقـط ورومـا، بـوسـاطـة مـن عـمـان، مـن طـريـق الإيـعـاز لـ «إسـرائـيـل» بـفـتـح الحـرب ضـد إيـران (حـرب الاثـنـي عـشـر يـومـا)، ثـم اسـتـكـمـالـهـا بـضـربـه الـمـنـشـآت الـنـوويـة الإيـرانـيـة الـثـلاث، صـيـف عـام 2025؛ وحـيـن انـقـض عـلـيـهـا ثـالـثـا بـإطـلاقـه حـرب الأربـعـيـن يـومـا عـلى إيـران فـي 28 فـبـرايـر 2026 فـيـمـا الـمـفـاوضـات تـجـري فـي مـسـقـط وجـنـيـڤ!

مـع ذلـك كـلـه، مـا مـن مـحـيـد عـن الـتـفـاوض بـيـن الـدولـتـيـن للـبـحـث فـي سـبـل إنـهـاء الـصـراع عـلى مـلـف افـتـعـلـه دونـالـد تـرامب حـيـن أقـدم، فـي الـعـام 2018، عـلى إلـغـاء اتـفـاق بـلـده مـع إيـران حـول الـمـسـألـة الـنـوويـة فـي عـهـد أوبـامـا. لا مـحـيـد عـنـه لأن الحـرب حـمـالـة أوجـه وتـوزع سـيـئـاتـهـا عـلى الـجـمـيـع ولـو بـتـفـاوت فـي حـجـم الأضـرار، كـمـا فـي الـمـقـدرة عـلى الـتـحـمـل؛ ولأن مـسـاحـة الـكـسـب والـربـح فـي الـدبـلـومـاسـيـة أوسـع مـمـا تـوفـره الـحـرب وأقـل كـلـفـة بـمـا لا يـقـاس. تـزيـد الـحـاجـة إلـى الـتـفـاوض إلـحـاحـا حـيـن تـكـون الحـرب الـتـي قـد خـيـضـت وجـربـت مـتـواضـعـة الـمـمـكـنـات والـمـكـاسـب، كـمـا كـانـتـهـا حـرب الأربـعـيـن يـومـا الـمـلـعـونـة، وتـحـديـدا حـيـن يـهـدد عـدم الـحـصـول عـلى شـيء مـنـهـا مـسـتـقـبـل غـالـبـيـة سـيـاسـيـة- نـيـابـيـة فـي الانـتـخـابـات الـنـصـفـيـة لـمـجـلـسـي الـكـونـغـرس بـعـد أشـهـر.

أصـدق وصـف لـمـعـركـة الـتـفـاوض الـتي تـجـري، بـالـوسـاطـة، بـيـن طـهـران وواشـنـطـن هـي أنـهـا مـعـركـة عـلى أولـويـات الـتـفـاوض.

مـا عـاد يـسـع إدارة تـرامـب أن تـمـلـك تـرف إمـلاء جـدول أعـمـال الـمـفـاوضـات، بـعـد أن وقـعـت حـرب الأربـعـيـن يـومـا، أو فـرض الـشـروط الـسيـاسـيـة الـتي كـانـت تـبـيـح لـنـفـسـهـا وضـعـهـا عـلى الـطاولـة؛ ونـعـنـي بـذلك، تـحـديـدا، الـمـبـاشـرة فـي مـنـاقـشـة مـلـف إيـران الـنـووي انـطـلاقـا مـن مـبـدأيـن أمـريـكـيـيـن ثـابـتـيـن: وقـف عـمـلـيـات تـخـصـيـب الـيـورانـيـوم نـهـائـيـا (أو ما سـمـي تـصـفـيـر الـتـخـصـيـب)، ونـقـل مـخـزون الـيـورانـيـوم عـالـي الـتـخـصـيـب مـن إيـران إلـى أمـريـكـا.

فـرضـت إيـران أولـويـة جـديـدة تـمـسـكـت بـهـا شـرطـا لأي تـفـاوض: إنـهـاء حـالـة الحـرب كـلـيـة وعـلى جـبـهـات الـمـواجـهـة كـافـة - وأولـهـا لـبـنـان - لا وقـف إطـلاق الـنـار فـقـط مـع تـقـديـم الـضـمـانـات الـدولـيـة بـعـدم الـعـودة إلـى الحـرب وتـكـرار الـعـدوان عـلى إيـران وحـلـفـائـهـا. لـهـذا الـغـرض، ومـن بـاب تـقـويـة مـوقـف إيـران فـي مـطـالـبـتـهـا بـإنـهـاء الحـرب شـرطـا للـتـفـاوض، أقـدمـت عـلى إجـراء، تـبـيـن إلـى أي حـد هـو ورقـة سـيـاسـيـة رابـحـة، تـمـثـل فـي إحـكـام قـبـضـة الإغـلاق عـلى مـضـيـق هـرمـز ومـن خـلالـه الـضـغـط عـلى الاقـتـصـاد الـعـالـمـي والـتـجـارة الـدولـيـة، وبـالـذات، عـلى اقـتـصـاد الـطـاقـة وسـلاسـل الإمـداد.

أجـبـرت إدارة تـرامـب عـلى الـتـسـلـيـم الـضـمـنـي بـتـبـدل أولـويـات الـتـفـاوض حـيـن وجـدت نـفـسـهـا واقـعـة فـي الـفـخ الإيـرانـي ولـو مـن خـلال الإلـحـاح عـلى وجـوب فـك إيـران حـصـارهـا عـن مـضـيـق هـرمـز مـدخـلا إلـى أي تـفـاوض. عـلى أنـهـا جـربـت الاسـتـعـاضـة عـن شـرط إيـران وقـف الحـرب بـاقـتـراح وقـف تمـديـد لإطـلاق الـنـار. ومـا اسـتـطـاعـت إدارة تـرامب أن تـقـنـع أحـدا فـي الـعـالـم بـأن مـوطـن الـمشـكـلـة يـكـمـن فـي إغـلاق الـمـضـيـق، ولا أن تـسـتـولـد حـلـفـا دولـيـا يـقـوم، بـقـيـادتـهـا، بـفـتـح الـمـضـيـق.

بـل لـقـد كـان واضـحـا أن الـعـالـم بـات يـتـحـدث، فـي هـذه الـنـازلـة، لـغـة سـيـاسـيـة إيـرانـيـة صـريـحـة؛ فـإذ أجـابـت طـهـران مـطـلـب تـرامـب بـرفـع حـصـارهـا عـن الـمـضـيـق. بأن الـمـضـيـق كـان مـفـتـوحـا قـبـل الحـرب، وأن الحـرب هـي الـتـي أغـلـقـتـه ومـا إن تـتـوقـف نـهـائـيـا حـتـى يـعـود إلـى مـا كـان عـلـيـه أمـره قـبـل الـعـدوان، لـم تـقـل دول «مـنـظـمـة حـلـف شـمـال الأطـلـسـي» - ردا عـلى دعـوة تـرامـب لـهـا للـمـشـاركـة فـي فــتـح الـمـضـيـق - سـوى ذلـك الـذي قـالـتـه إيـران بـطـريـقـة أخـرى: فـلـتـتـوقـف الحـرب أولا وبـعـدهـا سـيـسـاهـم الأطـلـسـي فـي نـزع الألـغـام مـن الـمـضـيـق.

نـجـح الإيـرانـيـون فـي تـبـديـل أولـويـات الـتـفـاوض مـن خـلال فـرضـهـم مـبـدأ تـجـزئـة الـمـفـاوضـات والـمـبـاعـدة الـزمـنـيـة بـيـن قـضـايـاهـا؛ وحـيـث الـشـائـك مـن تـلك الـقـضايـا - وهـو الـمـرجـأ إلـى مـراحـل لاحـقـة - يـحـتـاج إلـى نـطـاق زمـنـي طـويـل قـد يـمـتـد ويـمـتـد، وقـد يـضـغـط عـلى واشـنـطـن والإدارة كـثـيـرا وربـمـا يـلـيـن مـطـالـبـهـا.

فـي الـمـقـابـل، سـتـكـسـب إيـران الـكـثـيـر فـي مـراحـل الـتـفـاوض الأولـى هـي فـي أمـس الحـاجـة إلـيـهـا: وقـفـا للـحـرب، اسـتـعـادة لـبـعـض الأصـول، اعـتـرافـا بـدور حـيـوي فـي تـنـظيـم الـمـلاحـة الـدولـيـة.