لم تكن الحرب على قطاع غزة مجرد حرب على الحجر والبشر، بل امتدت لتطال النساء الفلسطينيات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة واحدة من أقسى التجارب الإنسانية.
خلف الأسلاك الشائكة وأبواب الزنازين الثقيلة، تعيش الأسيرات الفلسطينيات واقعًا تتقاطع فيه معاناة السجن مع أوجاع الفقدان والنزوح والجوع والخوف على الأبناء والعائلات.

بعضهن اعتُقلن من داخل المنازل، وأخريات من طرق النزوح أو الحواجز العسكرية، فيما واجهت أخريات لحظة الاعتقال بعد ساعات فقط من فقدان أفراد من أسرهن تحت القصف.


في الحرب التي مزقت تفاصيل الحياة اليومية في غزة، لم تعد الأسيرة الفلسطينية مجرد معتقلة محرومة من الحرية، بل أصبحت شاهدة على سلسلة متواصلة من الانتهاكات والحرمان والقلق الوجودي. فبينما كانت الأمهات المعتقلات يقبعن خلف القضبان، كان أطفالهن يواجهون المجهول خارجها، وبينما كانت بعض الأسيرات تحاول مقاومة الجوع والمرض داخل السجون، كانت بيوتهن تُدمَّر وأحباؤهن يُقتلون أو يُهجَّرون.


يرصد هذا التقرير شهادات مؤلمة لأسيرات محررات من قطاع غزة، ويكشف جانبًا من واقع النساء الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية خلال الحرب، حيث تتحول الزنازين إلى مساحات للخوف والانتظار، وتصبح الحرية حلمًا لا يكتمل حتى بعد الإفراج.


أم تبحث عن أطفالها
لم تكن أم البراء قاسم (37 عامًا) تتخيل أن رحلة النزوح برفقة أطفالها الثلاثة ستتحول إلى كابوس يمتد لأشهر طويلة خلف القضبان. خرجت من بيت لاهيا هربًا من القصف، تحمل طفلها الصغير بيد، وتحيط طفليها الآخرين بعينٍ لا تغادرها المخاوف، لكنها وجدت نفسها فجأة معصوبة العينين ومقيدة اليدين، فيما اختفى أطفالها وسط زحام النزوح وفوضى الحرب.


في تلك اللحظة لم تكن أم البراء تدرك أن قصتها ستصبح واحدة من عشرات القصص التي تجسد معاناة الأسيرات الفلسطينيات خلال الحرب على قطاع غزة؛ نساء فقدن منازلهن وأقاربهن وأحيانًا أبناءهن، قبل أن يجدن أنفسهن داخل السجون الإسرائيلية يواجهن واقعًا آخر من الخوف والعزلة والحرمان.


وتشير المعطيات الحقوقية الفلسطينية إلى وجود عشرات الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية، في وقت تتحدث فيه المؤسسات المختصة بشؤون الأسرى عن تصاعد الانتهاكات بحقهن منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، بما يشمل الاقتحامات المتكررة والتفتيشات المهينة والعزل والإهمال الطبي والتجويع والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.


في أواخر نوفمبر 2023، كانت أم البراء تسير مع موجات النازحين عبر حاجز نتساريم متجهة نحو جنوب قطاع غزة. لم يكن بحوزتها سوى أطفالها الثلاثة وبعض الأمتعة البسيطة.
تقول أم البراء: "أشار إليّ أحد الجنود وطلب مني التقدم وحدي. كان طفلي الصغير يمسك بيدي بقوة. ظننت أنها دقائق وسأعود إليهم، لكنني لم أرهم مجددًا إلا بعد ستة أشهر". اقتيدت أم البراء إلى الاعتقال بعد تعصيب عينيها وتقييد يديها، وهناك بدأت رحلة طويلة من الخوف والانتظار، بينما كان سؤال واحد يطاردها كل ليلة: أين أطفالي؟ كانت تسمع أصوات الرصاص ونباح الكلاب وصرخات المعتقلين، وتخشى أن يكون قد أصاب أبناءها مكروه وهم تُركوا وحدهم وسط الفوضى.


وخلال فترة احتجازها تعرضت، كما تقول، للتفتيش المهين والإهانات المتكررة وسوء المعاملة، فيما كانت تعاني الجوع وقلة النوم وغياب الخصوصية.
وعندما أُفرج عنها بعد ستة أشهر، لم تكن فرحتها بالحرية كاملة. فقد وجدت نفسها في مدرسة إيواء بمدينة رفح تبحث بين النازحين عن أي معلومة تخص أبناءها.
وبعد أيام من البحث المضني، علمت أن رجلًا من رفح عثر على أطفالها الثلاثة أثناء النزوح واصطحبهم إلى منزله لرعايتهم.


وتقول وهي تستعيد تلك اللحظة: "عندما رأيتهم ركضوا نحوي وبكينا جميعًا. كنت أعتقد أنهم ماتوا". لكن الصدمة لم تنته عند ذلك الحد؛ إذ عادت أم البراء لتكتشف استشهاد أقارب وأصدقاء، وتدمير منزلها في بيت لاهيا، لتجد نفسها أمام حياة جديدة مليئة بالخسارات والذكريات المؤلمة.


سجن الدامون الجوع والبرد والعزلة
أما الأسيرة المحررة ريم موسى (43 عامًا)، فتروي جانبًا آخر من المعاناة داخل سجن الدامون.
تقول ريم إن إدارة السجن منعت الأسيرات من التجمع للصلاة أو قراءة القرآن الكريم بصوت مسموع أكثر من مرة، كما صادرت المصاحف وفرضت قيودًا على الممارسات الدينية.


وتضيف: "مُنعنا من الصلاة أكثر من مرة، كنا نحفظ ما تيسر من القرآن عن ظهر قلب ونراجعه سرًا. إحدى الأسيرات كانت تبكي لأنها أتمت حفظ سورة البقرة لكنها لم تجد مصحفًا تراجع منه". وتصف ظروف الاحتجاز بأنها كانت شديدة القسوة، حيث كانت الأسيرات يُحرمن من الاستحمام والخروج إلى الساحة لفترات طويلة، بينما كانت وجبات الطعام القليلة لا تكفي لسد الجوع.


وتقول: "أحيانًا كانت تصلنا وجبة واحدة في اليوم. كنا نشعر بالجوع طوال الوقت". وخلال الشتاء، ازدادت المعاناة مع البرد القارس ونقص الأغطية، حيث لم تكن الأسيرة تملك سوى غطاء واحد لا يكفي لحمايتها من انخفاض درجات الحرارة.
وتؤكد ريم أن كثيرًا من الأسيرات أصبن بأمراض مختلفة نتيجة البرد وسوء التغذية والإجهاد، في وقت كان فيه العلاج يقتصر غالبًا على مسكنات بسيطة دون إجراء فحوصات أو متابعة حقيقية.


أرقام تكشف اتساع المأساة
بحسب معطيات صادرة عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني ومؤسسات حقوقية فلسطينية، تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية 9600 أسير مع بداية شهر أبريل 2026، من بينهم ما بين 86 و90 أسيرة فلسطينية، بينهن معتقلات إداريات، وأسيرات مريضات، وطفلتان قاصرتان، إضافة إلى أسيرات اعتُقلن منذ ما قبل اندلاع الحرب على قطاع غزة.


كما تشير المؤسسات المختصة إلى تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات بحق المعتقلات منذ بدء الحرب، بما يشمل التجويع والإهمال الطبي والتفتيشات المهينة والعزل والحرمان من التواصل مع العائلات ومصادرة الاحتياجات الأساسية.


وترى المؤسسات الحقوقية أن أوضاع الأسيرات تعكس جانبًا من الأزمة الإنسانية الأوسع التي تعيشها المرأة الفلسطينية خلال الحرب، حيث تواجه المعتقلة معاناة مركبة تجمع بين فقدان الحرية والخوف على أفراد عائلتها الذين يعيشون تحت القصف أو النزوح أو الحصار، فيما تخرج كثير من المحررات وهن يحملن آثارًا نفسية وصحية طويلة الأمد تحتاج إلى رعاية وتأهيل متخصصين.


كنت أمًا للجميع داخل الزنزانة
وفي شهادة أخرى، تروي أسيرة محررة من خان يونس فضلت عدم الكشف عن اسمها تفاصيل اعتقالها بعد مقتل عدد من أفراد أسرتها خلال قصف استهدف المنطقة التي كانت تقيم فيها.


تقول إنها اعتُقلت بعد خروجها من المنزل وسط حالة من الصدمة والخوف، قبل أن تُنقل إلى أحد مراكز الاحتجاز. وبسبب تقدمها في السن مقارنة ببقية المعتقلات، تحولت إلى مصدر دعم نفسي للفتيات الأصغر عمرًا.


وتقول: "كان بيننا فتيات في مقتبل العمر وأمهات تركن أطفالهن خارج السجن. كنت أحاول أن أواسيهن وأمنحهن بعض القوة"، وتضيف أن المعتقلات تعرضن لتحقيقات متواصلة وضغوط نفسية شديدة، إضافة إلى محاولات إجبارهن على الاعتراف بأمور لم يقمن بها أو الإدلاء بمعلومات عن أقارب ومعارف.
وبالنسبة لها، تضاعفت المعاناة بسبب إصابتها بأمراض مزمنة، بينها ضعف عضلة القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري.
وتقول: "كنت أتعرض أحيانًا لحالات إغماء بسبب انخفاض السكر. لم أكن أحصل على العلاج بانتظام، وكانت الأسيرات يساعدنني حتى أتعافى."


بين السجن والحرب معاناة لا تنتهي
تكشف شهادات الأسيرات المحررات من قطاع غزة عن وجهٍ آخر للحرب، وجه لا يظهر في مشاهد الدمار والركام فقط، بل يختبئ خلف أبواب الزنازين وجدران السجون. فهناك عاشت النساء تجربة قاسية جمعت بين فقدان الحرية والخوف على الأبناء والعائلات، وبين الجوع والمرض والقلق المستمر على مصير من تركوهم خلفهن.
وبالنسبة لكثير من الأسيرات، لم يكن الإفراج نهاية للمحنة، بل بداية لمعركة جديدة مع آثار الاعتقال النفسية والجسدية. فكوابيس الليل، ونوبات القلق، والخوف من الأصوات المفاجئة، واستعادة مشاهد التحقيق والاعتقال، ما زالت ترافق عددًا منهن حتى اليوم.


وتزداد المعاناة في قطاع غزة الذي يواجه أوضاعًا إنسانية غير مسبوقة بفعل الحرب المستمرة، حيث تعود الأسيرات المحررات إلى واقع مثقل بالخسارات؛ بيوت مدمرة، وأقارب استشهدوا، وأطفال عاشوا شهورًا من الخوف والحرمان، ومجتمع يعاني انهيارًا واسعًا في الخدمات الصحية والاجتماعية.


وتؤكد المؤسسات الحقوقية الفلسطينية أن النساء المعتقلات خلال الحرب واجهن أشكالًا متعددة من الانتهاكات، داعية إلى توفير الحماية القانونية لهن وضمان الرقابة الدولية على أوضاع السجون، إلى جانب تقديم برامج دعم نفسي واجتماعي وصحي للمحررات لمساعدتهن على استعادة حياتهن واندماجهن في المجتمع.


وتبقى حكايات الأسيرات الفلسطينيات شاهدة على معاناة مركبة عاشتها المرأة الفلسطينية خلال هذه الحرب؛ فبين خيام النزوح والزنازين، وبين الفقد والانتظار، كتبت هؤلاء النساء فصولًا موجعة من الصمود الإنساني.
إنها قصص لا تختصرها الأرقام ولا تكفي الإحصاءات لروايتها، بل تحملها ذاكرة الأمهات، ودموع الأطفال، وأحلام النساء اللواتي انتُزعت منهن سنوات من العمر، لكنهن ما زلن يتمسكن بالأمل والكرامة والحياة.