تقول الأرقام التي حققها الإعلام العُماني خلال عام 2025 أكثر مما تقوله الجداول والمؤشرات. فهي تكشف عن اتساع في الوصول الرقمي، ونمو في الإنتاج، وتزايد في التفاعل مع المنصات الوطنية، وتقدم في حضور الصحافة العُمانية داخل الفضاء الرقمي، غير أن القيمة الأعمق لهذه الأرقام تكمن في المعنى الذي تحمله عن علاقة المجتمع العُماني بخطابه الإعلامي، وعن الدور الذي راكمه الإعلام في بناء الوعي العام، وصياغة الشخصية الوطنية وترسيخ اتزانها في محيط إقليمي ودولي كثير الاضطراب.

كان الإعلام العماني منذ انطلاقته جزءا أصيلا من مشروع بناء الدولة والمجتمع؛ فشارك في تعريف الإنسان العُماني بوطنه وجغرافيته وتاريخه وبالمعنى الأخلاقي والسياسي لفكرة الدولة. وعلى مدى أكثر من خمسة عقود تشكلت علاقة عميقة بين المواطن والخطاب الإعلامي الوطني، علاقة قوامها الثقة واللغة الهادئة والنظر إلى الأحداث من موقع المسؤولية والقدرة على التمييز بين الانفعال العابر والفهم الرصين.

وتركت هذه العلاقة أثرها في الشخصية العُمانية؛ فالإنسان يبني وعيه من المدرسة والبيت والتجربة الشخصية، كما يبنيه من الخطاب العام الذي يحيط به كل يوم، ومن اللغة التي تشرح له العالم، ومن السرد الذي يمنحه معنى لمكانه وتاريخه. والإعلام حين يكون متزنا يعلّم المجتمع الاتزان، وحين يكون دقيقا يربي الذائقة العامة على الدقة، وحين يحترم التاريخ والهوية، يجعل المواطن أكثر قدرة على رؤية نفسه داخل زمن طويل يتجاوز اللحظة العابرة والضجيج العارض.

لذلك تبدو مؤشرات النمو في منصات وزارة الإعلام، وفي جريدة عُمان وعُمان أوبزيرفر، ووكالة الأنباء العُمانية، ومنصة «عين»، وحسابات التواصل، دليلا على انتقال مهم في أدوات التأثير الوطني. فالجمهور العُماني يتلقى اليوم محتواه عبر الشاشة والهاتف والمنصة والموقع والتطبيق، غير أن الحاجة الجوهرية بقيت كما هي: خطاب متزن يشرح بهدوء، ويمنح الوقائع سياقها، ويوسع الفهم، ويقاوم اختزال الواقع في صخب اللحظة.

في المشهد السياسي المحيط بعُمان؛ حيث تتدافع الحروب والخطابات الحادة والاستقطابات، يصبح الإعلام الوطني رافعة من روافع الوعي السيادي؛ فهو يساعد المواطن على قراءة موقع بلاده في العالم، وفهم سياسة التوازن التي اختارتها عُمان، وإدراك قيمة الهدوء في لحظات التصعيد. وهذا الوعي يتكون بالتراكم اليومي للخبر الموثوق والتحليل الهادئ والسرد الذي يحفظ للبلد صورته ومعناه.

ولأن الهوية ليست ذاكرة جامدة فإن الإعلام يملك دورا متجددا في جعل التاريخ قوة حية داخل الحاضر؛ فحين يروي الإعلام قصص المحافظات، ويضيء المنجزات، ويعرض التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ويمنح الثقافة موقعها، ويخاطب الطفل بلغته، فإنه يربط المواطن بمكانه وبزمنه وبأفقه المقبل. وهذا الربط هو جوهر الهوية العُمانية الحديثة التي يعتز فيها العماني بجذوره، وينفتح على العالم بوعي محسوب، ويتقدم نحو المستقبل بهدوء وثقة.

تمنح الأرقام المنشورة اليوم دليلا على أن هذا الخطاب الذي يتبناه الإعلام العماني يجد جمهوره؛ ملايين الزيارات والمشاهدات، وتنامي المتابعين واتساع الإنتاج الإعلامي، وتطور مستمر في عملية التدريب وإعداد الكوادر الإعلامية، كلها شواهد على أن الإعلام العُماني يتحرك في قلب التحول الرقمي. ويبقى الرهان الأكبر أن يتحول هذا الانتشار إلى معرفة أعمق وثقة أرسخ وحوار عام أكثر نضجا.

إن الإعلام الذي تحتاجه عُمان في مرحلتها الجديدة هو إعلام يعرف أن بناء الوعي جزء من بناء الدولة وأن حماية الاتزان الوطني تبدأ من اللغة، ومن المعلومة، ومن القدرة على تقديم البلاد لنفسها وللعالم بصدق وعمق. وعندما ينجح الإعلام في ذلك تصبح الأرقام شاهدا على مجتمع يقرأ نفسه، ويفهم موقعه، ويمضي بثقة في طريقه.