ترجمة: أحمد شافعي

كانت جبال الزبد الضخام، وبحيرات النبيذ، وأسطورة حظر الاتحاد الأوروبي للموز المنحني هي التي شكلت الخلفية الأسطورية لكارثة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - المعروف بالبريكست- سنة 2016.

لكن في حين أن كثيرا من ادعاءات حملة (صوتوا بالرحيل) كانت مبالغة أو زيفا صارخا؛ فإن قدرة الاتحاد الأوروبي على وضع نفسه في موضع السخرية لم تتضاءل بعد عشر سنوات. وانظروا في القضية الغريبة الخاصة بمفوضي الاتحاد الأوروبي المتذمرين الذين أعربوا عن ضيقهم من أن مركباتهم الكهربائية التي توافرت لهم رسميا لا تستطيع أن تقطع رحلة الأميال المائتين والثمانين الطويلة بين بروكسل ولوكسمبرج دونما توقف لإعادة الشحن.

هذه المسألة المهمة التي كان موقع بوليتيكو أول من كتب فيها تثير أسئلة حيوية: هل هؤلاء الموظفون ذوو الأجور المرتفعة بحاجة حقا إلى سيارات عمل مزودة بسائقين؟ مؤكد أن بوسعهم استعمال القطار، أو الطائرة، أو الدراجة، ولكن استعمال المركبات الكهربائية إلزامي في الرحلات البرية. واستعمال هذه المركبات يأتي في سياق سياسة خفض الانبعاثات التي يتبعها الاتحاد الأوروبي في إطار الاتفاقية الخضراء التي ينتظر من المفوضين أن يدعموها بدلا من أن يتذمروا منها. ولماذا يكون مسموحا لرئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين باستعمال سيارة تعمل بالوقود؟ والسؤال الأكبر على الإطلاق هو: ما الداعي أصلا إلى هذه الرحلات الشاقة بين بروكسل وستراسبورج؟

الجواب هو أن البرلمان الأوروبي لا يتنازل فيعمل شأن أي برلمان عادي، وإنما يعقد جلساته في المدينتين، بحسب المنصوص عليه في معاهدة. وهكذا لاثنتي عشرة مرة في السنة ينتقل المفوضون والمسؤولون ومئات من أعضاء البرلمان الأوروبي في هذه الرحلة التي تكلف دافعي الضرائب عشرات الملايين من اليوروهات.

في عام 2023 كان قطار ينبغي أن يصل بأعضاء البرلمان الأوروبي إلى ستراسبورج، لكنه انحرف بالمصادفة إلى ديزنيلاند، فقال بعض أصحاب القلوب غير الرحيمة: إن هذه الوجهة أنسب في حقيقة الأمر.

وبرغم كل المشقة والنفقات ستظل فرنسا تأبي تجاوز ستراسبورج؛ لأن المكانة الوطنية على المحك.

مثل هذه القصص هي التي أثارت سخط المنادين بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لكن لا يبدو اليوم أنها تزعج الناخبين في أطراف أوروبا الشمالية الذين يتجدد ويتزايد بينهم الاهتمام بالاتحاد الأوربي، بل الحماس له خلافا للمتوقع.

فسوف تجري أيسلندا استفتاء في أغسطس حول استئناف مفاوضات الانضمام، وقد وقعت اتفاقية شراكة أمن ودفاع مع بروكسل في مارس. وفي النرويج التي ظلت لوقت طويل رافضة للاتحاد الأوروبي يرغب الآن حزب المعارضة الأساسي المحافظ في أن ينضم البلد إلى الكتلة.

وثمة أخبار بأن أهل جزيرة فارو يعيدون النظر في طلب الاستقلال عن الدنمارك عضو الاتحاد الأوروبي.

ثمة عاملان مشتركان في تغيير مواقف بلاد الشمال: أحدهما هو حملة الضغط التي يشنها دونالد ترامب على جرينلاند، وهي أرض تابعة للسيادة الدنماركية هدد دونالد ترامب بضمها «سواء شاء شعبها أم أبى».

ويقول الرئيس الأمريكي الذي يضمر خططا خاصة بكندا وكوبا وبنما، والذي اختطف في الفترة الأخيرة الرئيس الفنزويلي ـ: إن السيطرة على جرينلاند الغنية بالموارد ضرورة لأمن الولايات المتحدة. وسياسة الخطف هذه تعكس إيمان ترامب بالهيمنة الإمبريالية الأمريكية على نصف الكرة الأرضي الغربي، أو «الجوار القريب» مثلما كان الروس يطلقون على النصف الخاص بهم.

دقت دبلوماسية سفن الجليد العدوانية التي يتبعها ترامب نواقيس الخطر في أقصى الشمال. وبعد انتقاد صارخ على غير العادة من قادة الاتحاد الأوروبي والناتو خفف ترامب ـ المشغول بفشله في إيران ـ من جلبته في الوقت الراهن، لكنه لم يستسلم. فها هو جيف لاندري ـ مبعوث ترامب الخاص (والغريب أنه أيضا حاكم ولاية لويزيانا الجمهوري) ـ بعد أن دعا نفسه إلى العاصمة نوك هذا الشهر إذا به يسمع بصراحة من رئيس الوزراء ينس فريدريك نيلسن أن جرينلاند «غير معروضة للبيع».

فليس بغريب أن تكون تهديدات الولايات المتحدة قد جمدت أحلام أهل جرينلاند بالاستقلال، وزادتهم قربا من الدنمارك والاتحاد الأوروبي.

وفي إشارة إلى العامل الثاني المؤثر على الرأي العام في المنطقة قالت ثورغيردور كاترين غونارسدوتير وزيرة خارجية أيسلندة لميراندا بريانت من صحيفة الجارديان هذا الأسبوع: إنها قلقة من التدخل الروسي الخفي والخبيث في استفتاء الاتحاد الأوروبي القادم في ريكيافيك؛ لأنه قد يساعد حملة الرفض، ويأتي إلى أيسلندا بلحظة البريكست الخاصة بها. ونبهت إلى أن المعلومات المضللة والخطاب المستلهم مباشرة «من كتاب نايجل فاراج وحزب الإصلاح» قد تشوه النتيجة.

بنظرة أعم؛ يؤدي احتدام التنافس الروسي الأمريكي الصيني على الوصول إلى المنطقة القطبية ذات الأهمية الاستراتيجية إلى تركيز اهتمام الناس على فوائد الانتماء إلى تجمعات كبيرة متعددة الجنسيات من قبيل الاتحاد الأوروبي. فليس لدى أيسلندا ـ شأن جرينلاند ـ قوات مسلحة خاصة بها، ولكنها تعتمد في الدفاع على الناتو أي على الولايات المتحدة أساسا.

لكن المظلة الأمنية تمتلئ بالثقوب في عصر ترامب، وذلك ما تكشفه بلاد أوروبية من بينها بريطانيا بتكلفة تتكبدها.

وقد أصبحت عضوية الاتحاد الأوروبي -أو لمزيد من التحديد- تجديد هذه العضوية- قضية مركزية شائكة في الانتخابات الفرعية الحاسمة في المملكة المتحدة في ماكرفيلد في الثامن عشر من يونيو الذي يتصادف أنه الذكرى السنوية لمعركة ووترلو.

يريد كير ستارمر أن يعيد ضبط العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومنافسوه المحتملون على القيادة آندي بيرنهام مرشح حزب العمال في ماكرفيلد، وويس ستريتينج يؤيدان الرجوع إلى حظيرة الاتحاد الأوروبي عاجلا أم آجلا. وحزب الإصلاح يريد أن يكون التصويت كله متعلقا بأوروبا و«خيانة» الحكومة. ولعل إيفلين وو كان ليصف هذا بأنه «زيارة أخرى إلى البريكست»، لكن بلا نكات هذه المرة.

كل هذا الاهتمام بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإعادة الانضمام، والاحتشاد معه (أو بعيدا عنه) يثير سؤالا أكبر: هل بروكسل على قدر اللحظة الجيوسياسية الراهنة؟ يطرح التهديدان المتزامنان من الشرق ومن الغرب حوافز فريدة لبث الحيوية في مؤسساتها المحترمة الجامدة المقيدة بالقواعد وإصلاحها.

ولقد أبرزت آن كيست-باتلر رئيسة قسم المراقبة في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية جهود روسيا المتصاعدة، والفاشلة في أوكرانيا، لترهيب وقلقلة الدول الأوروبية عبر الهجمات السيبرانية والتخريب، والاغتيال، والتضليل الإعلامي، والاستفزازات شبه العسكرية من قبيل هجوم التشويش الإلكتروني الأخير على طائرة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني؛ حيث قالت كيست-باتلر: إن «روسيا تكثف أنشطتها اليومية الهجينة ضد المملكة المتحدة وأوروبا».

كانت ردود الاتحاد الأوروبية على ترامب بعيدة عن التنسيق ومفرطة في اللين برغم أن القادة الوطنيين من أمثال المستشار الألماني فريدريش ميرز انتهجوا مسارا أشد فيما يتعلق بإيران.

وكانت اتفاقية التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في العام الماضي مهينة. وفيما يتعلق بدعم أوكرانيا نجحت أوروبا إلى حد كبير في الحفاظ على الوحدة في مواجهة عدوان فلاديمير بوتين وتراجع ترامب الصارخ برغم أن دأبها من الناحية العملية أنها لا تفعل الكثير، وتتأخر كثيرا فيما تفعل. أما عن طلب أوكرانيا للعضوية، وسياسة توسيع الاتحاد الأوروبي بصفة عامة؛ فالسجل في الآونة الأخيرة فقير. والبلاد المرشحة مصطفة في البلقان وشرق أوروبا، وتركيا منتظرة منذ عام 1987.

وبرغم جهود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يزال الاتحاد الأوروبي على بعد سنين من التوصل إلى «جيش أوروبي» مستقل ذي مصداقية منفصل عن الناتو الخاضع للسيطرة الأمريكية، ولا يزال متأخرا من ناحية التصنيع المشترك للأسلحة وشرائها. وبرغم براعة فون دير لاين في إدارة العديد من القضايا المعقدة المطروحة؛ فإنها تدور في حلق مفرغة.

وتوشك أن تضيع فرص تقوية الاتحاد الأوروبي من خلال إصلاح العلاقات مع المجر بعد رحيل فكتور أوربان، ومع المملكة المتحدة؛ وذلك بسبب خلافات الدول الأعضاء على الميزانية والتنافسات الوطنية، ونقص الخيال السياسي، وجمود بروكسل المزمن.

وفي هذا العالم الخطير أرجو ألا يكون إيمان شعوب أيسلندا وجرينلاند وغيرها من بلاد الشمال الصديقة في أن يساعدها الاتحاد الأوروبي على تحقيق النجاة والازدهار إيمانا في غير موضعه؛ فالمفترسون من أمثال بوتين وترامب، وقوى الرجعية المتحالفة معهما من أمثال حزب الإصلاح البريطاني لن ينتظروا أوروبا إن لم تغتنم أوروبا الفرصة؛ فعلى مفوضي بروكسل المتذمرين أن يركبوا دراجاتهم.