شهدت السنوات المنصرمة تناميا مضطردا لأهمية تطوير هيكلة وبنية ودور التعليم والتطوير في المؤسسات كجزء من المراجعة الشاملة لاستراتيجيات ونظم إدارة الموارد البشرية، وتأثيرها على تطوير منظومة الأعمال، والارتقاء بالأداء من جهة، وأهميتها كعامل مؤثر في استقطاب المواهب وتطويرها والاحتفاظ بها من جهة أخرى.
وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن المؤشرات المرتبطة بتطوير المواهب واستراتيجيات وخطط الإحلال ستكون من أهم أولويات المؤسسات في مختلف القطاعات والتخصصات؛ فالتنافس على المواهب أصبح قضية وتحديا استراتيجيا يحتاج إلى رؤى وأساليب غير تقليدية؛ لأنه مرتبط باستدامة واستمرارية التفوق والتنافسية للمؤسسات.
وقد أكدت تلك الدراسات أن الكثيرين من المديرين التنفيذيين يرون أن هنالك الكثير من العمل والجهد الذي يجب على مؤسساتهم القيام به لتطوير أساليب التعليم والتطوير فيها للارتقاء بالمواهب وتمكينها لتصبح قادرة على الدخول في تنافسية الإحلال ومتطلباته.
وأشاروا إلى أن هناك فجوة عميقة في الفهم والتطبيق بين تطلعاتهم وقدرة الوحدات التنظيمية للتعليم والتطوير على تلبية تلك التطلعات وتقديم حلول أكثر إبداعا وفاعلية لمعالجة التحديات الرئيسية المرتبطة بالتقدم التكنولوجي والتغييرات في الخصائص الديموغرافية للأجيال الجديدة وتوقعاتها وطريقة تفكيرها.
لذلك ومع طرح العديد من التساؤلات حول فاعلية التعليم المؤسسي، وظهور اتجاهات وتحديات جديدة في مستقبل هذا القطاع برزت أهمية برامج التحول الاستراتيجي لتطوير التعليم والتطوير المؤسسي لمواكبة المستقبل من خلال التركيز على ما يلي:
أولا: الاندماج بين الاستراتيجية المؤسسية وخطط التعليم والتطوير:
مع تنامي أهمية أولوية الحفاظ على المواهب وتطويرها شرعت المؤسسات في تغيير نظرتها واهتمامها بوظيفة إدارات التعليم والتطوير وهيكلتها كجزء مهم من بنائها الاستراتيجي، وليس فقط كمكون بسيط في النسيج التنظيمي لإدارات الموارد البشرية. وقد تميزت البنى التنظيمية للموارد البشرية الناجحة بممارسات عكست تكامل واندماج استراتيجيات التعليم والتطوير مع إستراتيجيات الأعمال وأهدافها ما أسهم في تطوير برامج وإيجاد مبادرات تمتاز بما يلي:
- ترشيد الإنفاق على التعليم، وتعظيم استخدام رأس المال البشري للمؤسسة.
- ترشيق وتعهيد العمليات غير الضرورية إلى جهات خارجية وتبسيط التقنية والتكنولوجيا.
- التركيز على برامج التعليم التي تقدم أفضل عائد مقابل التكلفة.
- المساهمة في تطوير الكفاءات المهنية والسلوكية التي تتماشى وتتسق مع التوجه الاستراتيجي للمؤسسة، وتساعدها على تحقيق أهداف النمو والتوسع.
- تحسين أثر التعليم لدعم قطاعات ووحدات الأعمال من خلال فهم الممكنات والعوامل التي تؤثر على الأداء والإنتاجية، وربطها بالأبعاد الرئيسية لاستراتيجية التعليم مع التركيز على تطوير النموذج المستخدم والموارد المتاحة وآليات الحوكمة والمراقبة.
ثانيا: إعادة هيكلة العمليات، وتحسين العائد من الاستثمار في التعليم والتطوير:
تقوم العديد من المؤسسات بصرف ملايين الريالات على التدريب دون وضوح الأثر المتوقع من ذلك الاستثمار الكبير أو نتائجه على الأداء والإنتاجية.
ويعزى ذلك في الأساس لغياب الاستراتيجية الواضحة للتعليم والتطوير، وعدم ارتباطها بالاستراتيجية الكبيرة للمؤسسة.
وقدمت الكثير من المؤسسات الناجحة نماذج جديدة للتحول في التعليم والتطوير من خلال تبني نماذج تعتمد على نموذج محسن للتنفيذ يعتمد على الوسائل التقنية لنقل المحتوى التعليمي وإدارته بسلاسة ليضمن الاستخدام السهل في المكان والزمان، وبما يمكن المتدربين من الوصول إلى المنصات التعليمية بدون قيود أو حدود وبما يسهم في خفض التكلفة، وتعزيز الأثر على الأداء والإنتاجية.
مع التأكيد على اعتماد أسلوب موحد ومعتمد لقياس وتقييم أثر التعليم والتطوير كحل مثالي لفهم كيفية إنفاق موازنات التدريب، وقياس التكلفة مقابل العائد من الاستثمار.
ختاما؛ فإن المؤشرات الحالية تقدم فرصا فريدة للمؤسسات لإعادة برمجة خططها للتعليم والتطوير مرتكزة على احتياجات الأجيال الجديدة من الموظفين ذات الخصائص المختلفة والمتباينة في التفكير، والمهارة وطريقة التحفيز، مما يتطلب بناء حالات ودراسات عملية وخارطة طريق جديدة لبرامج التحول الاستراتيجي لتحقيق أثر أفضل ومعزز للاستثمار في التعليم والتطوير.
وبنظرة مستقبلية ستستمر التكنولوجيا وتقنياتها في تبسيط التصميم والتنفيذ للبرامج التعليمية والتطويرية منتجة تجربة تعليمية افضل للموظفين وبتكلفة أقل على المؤسسات.
إن المؤسسات التي ستتميز في الابتكار والإبداع من خلال ربط المنصات التعليمية الجديدة التي تقدم محتوى منسجما يركز على الكفاءات الوظيفية المرتبطة بالأهداف الاستراتيجية سيكون بإمكانها تحقيق مستوى أعلى في العائد مقابل التكلفة من جهة، وزيادة معدلات التواصل، والاحتفاظ بمواهب محفزة وممكنة وقادرة على صناعة الفارق الذي يقود التنافسية والتفوق من جهة أخرى.
د. خالد الحمداني كاتب عماني