كثيرًا ما كنتُ أتأمل أبيات المتنبي في ذكره للعيد عندما قال مفتتحًا قصيدته الدالية على البحر البسيط:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بما مضى أم بأمرٍ فيكَ تجديد

أُمّا الأحبة فالبيداءُ دونهمُ

فليتَ دونكّ بيدٌ دونها بيدُ

كنتُ أستشعر في هذه القصيدة مشاعر المتنبي وهو يبدأ قصيدته بلفظة (العيد) منطلقًا في ذاكرته من الاسترجاع الذي أشعل الذاكرة لديه. كم لفظة في القصيدة كانت تُحيل على التذكر والتوجع، وكأنني بالمتنبي يمدُّ بصره إلى البعيد ناظرًا إلى الماضي وإلى رحلته الطويلة، فالعيد لديه صراعٌ مع الزمن ومع الفرح. ويتضح من القصيدة أيضًا أنّ قلب الشاعر مملوء بالهموم التي لا يستطيع العيد إذابتها ولا إزالتها، نستشعر ذلك من المعاني المتفجعة التي تظهر في أبيات القصيدة شاكيًا دهره فيها، يقول مثلا:

لَم يَترُكِ الدَهرُ مِن قَلبي وَلا كَبِدي

شَيْئاً تُتَيِّمُهُ عَينٌ وَلا جيدُ

يا ساقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما

أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهيدُ؟

أَصَخرَةٌ أَنا مالي لا تُحَرِّكُني

هَذي المُدامُ وَلا هَذي الأَغاريدُ؟

إِذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَونِ صافِيَةً

وَجَدتُها وَحَبيبُ النَفسِ مَفقودُ

يُكثر المتنبي في قصيدته من الشكوى والتذمّر من الحال التي وصل إليها قبل أن ينتقل إلى هجاء كافور الإخشيدي في قصيدة سار بها الزمن والتي أرى فيها هجاء يُحيل على مدح؛ فبرغم هجاء المتنبي لكافور فإن القصيدة أبرزت ذكر كافور وعرّفت الدنيا به.

أقول ذلك لما لِشِعر المتنبي من صيت ذائع.

إذن فالعيد الذي افتتح به المتنبي قصيدته لا يمثل إلا مظاهر الشكوى وتغيّر الحال فكأن المتنبي يقارن بين زمنين مختلفين: زمن سيف الدولة والعلاقة الوطيدة التي جمعتهما، وزمن تبدّل فيه حال الشاعر، ويظهر ذلك في علاقته بكافور الإخشيدي في مصر، فالمتنبي لم ينسَ زمن ارتباطه بسيف الدولة، وهذا ما يُقرأ في طبيعة العلاقة الحالية والسابقة.

يُطالعنا الشعر القديم أيضًا عن حضور العيد لشعراء ذلك الزمن في قصيدة لابن الرومي، كتبها قبل قصيدة المتنبي السابقة، هي مشابهة لها في الوزن والقافية مع اختلاف الحركات الشكلية للقافية.

كتب ابن الرومي قصيدته عن العيد مادحًا بها الأمير عبيد الله بن عبد الله بن طاهر؛ إذ يحتفل بعيدينِ في آن واحدٍ، يحتفل بعيدِ الفطر وبمقدم الأمير، فهو يصوّر فرحته بالعيد وفرحته بالأمير رابطًا بين فرحتين في صورة تُظهر قيمة المدح عند الشاعر، يقول مبتهجًا:

للناس عِيدٌ وَلي عِيدانِ في العِيدِ

إذا رأيْتُكَ يا ابن السَّادَةِ الصِّيدِ

إذا هُمُ عَيَّدُوا عِيديْن في سَنَةٍ

كانت بوجهك لي أيامُ تَعْييدِ

قالوا اسْتَهَلَّ هِلالُ الفطْر قلتُ لهم

وجْهُ الأمير هلالٌ غيرُ مفْقُودِ

بدا الهلالُ الذي اسْتقبْلتُ طَلْعَته

مُقابَلًا بهلالٍ منك مَسْعودِ

أجْدِدْ وأخْلِقْ كلا العيديْنِ في نِعَمٍ

تأبَى لهنَّ الليالي غير تجديدِ

تتفق قصيدة المتنبي السابقة مع قصيدة ابن الرومي في افتتاحية القصيدة؛ إذ بدأ ابن الرومي قصيدته بذكر العيد رابطًا له بغرض المدح، معبّرًا عن وجود عيدين، وتشكّل هلالين: هلال العيد، وهلال طلعة الأمير وهو بذلك يُظهر فرحة العيد في كامل صورتها: الصورة المتشكّلة من الفرحة لقدوم العيد، والصورة المتشكّلة لقدوم الأمير مع إعلائه لقيمة الأمير والفرحة بقدومه على غيرها من الأفراح، وهذا ما أشار إليه في البيت الثالث من كون هلال العيد يمضي وينقضي مع الزمن، لكنّ هلال وجه الأمير لا ينقضي ولا يُفقد.

تأخذ قصيدة المدح عند ابن الرومي صورة مهمة في التشكّل بين البناء الموضوعي القائم على الثناء والاحترام للأمير وللإشارة إلى حكمته لا سيما بالصلح الذي دار بين الأمير وبين أخيه. كذلك فإن الشاعر يُشير في أبياته إلى حاجة يطلبها من الأمير فكان المدح بابًا يلجُ منه إلى ذلك، وهو في هذا الغرض يجري مجرى الشعر القديم في مدحه.

قصيدة ثالثة كُتبت على الوزن نفسه والقافية نفسها لقصيدة ابن الرومي ومخالفتها في الحركة الشكلية لقصيدة المتنبي هي قصيدة (روعة العيد) لإيليا أبو ماضي (1889-1957م) الذي عبّر في غير نص من نصوصه عن فرحة العيد وهداياه؛ فنقرأ ذلك مثلا في قصيدتي (هدايا العيد)، و(هدية العيد) التي تنفتح على تكرار الأسئلة، ومحاولة إيجاد علاقة بين طرفين يربطهما الحب والرومانسية المتشكلة في قيمة الهدية في العيد رغم توفرها مع المحبوبة، يقول:

أَيُّ شَيءٍ في العيدِ أُهدي إِلَيكِ

يا مَلاكي وَكُلُّ شَيءٍ لَدَيكِ

أَسِوارًا أَم دُمُلجًا مِن نُضارٍ

لا أُحِبُّ القُيودَ في مِعصَمَيكِ

يتمثّل الشاعر بالسوار والدملج بمثابة قيد في يدي الحبيبة يوم العيد، فتنقلب جماليتها إلى الضد، وهو بحاجة إلى هدية أخرى، فلا الخمر أو العقيق يمكن أن يؤديا غرض الهدية فهناك أجمل منهما لدى الحبيبة، فلا يجد غير الروح أعزّ هدية تُقدّم لتكون رابطًا مقدّسًا بين الاثنين. إنّ الحيرة في اختيار الهدية أوقعت أبا ماضي في تكرار الأسئلة في نصه.

أعود إلى دالية أبي ماضي التي يفتتحها بذكر العيد على منوال ما جاء به المتنبي وابن الرومي، فهو يجعل من العيد ذاكرة حيّة ينطلق منها إلى تعبير واقعي آخر، يقول مفتتحًا قصيدته (روعة العيد):

يا شاعِرَ الحُسنِ هَذي رَوعَةُ العيدِ

فَاِستَنجِدِ الوَحي وَاِهتُف بِالأَناشيدِ

هَذا النَعيمُ الَّذي كُنتَ تُنشِدُهُ

لا تَلهُ عَنهُ بشيء غَيرِ مَوجودِ

مَحاسِنُ الصَيفِ في سَهل وَفي جَبَلٍ

وَنَشوَةُ الصَيفِ حَتّى في الجَلاميدِ

وَلَستَ تُبصِرُ وَجهًا غَيرَ مُؤتَلِقٍ

وَلَستَ تَسمَعُ إِلّا صَوتَ غِرّيدِ

لكنّ الافتتاحية التي تناولت العيد في ذاكرة شاعرٍ ما هي إلا افتتاحية لهمٍّ يعيشه الشاعر اسمه (العروبة)، فالوطن والعروبة تسكن داخل الشاعر، وكأنّ صورة العيد عند المتنبي وأبي ماضي واحدة، لا يستطيع العيد محو الهموم التي يعيشانها:

قُم حَدِّثِ الناسَ عَن (لُبنانَ) كَيفَ نَجا

مِنَ الطُغاةِ العُتاةِ البيض وَالسودِ

وَكَيفَ هَشَّت (دِمَشقٌ) بَعدَ مِحنَتِها

وَاِستَرجَعَت كُلَّ مَسلوب وَمَفقودِ

فَاليَومَ لا أَجنَبِيٌّ يَسَتَبِدُّ بِنا

وَيَستَخِفُ بِنا اِستِخفافَ عِربيدِ

يا أَرزُ صَفِّق وَيا أَبناءَهُ اِبتَهِجوا

قَد أَصبَحَ السِربُ في أَمنٍ مِنَ السَيدِ

ما بُلبُلٌ كانَ مَسجونًا فَأَطلَقَهُ

سَجانُهُُ بَعدَ تعذيب وَتَنكيدِ

فَراحَ يَطوي الفَضاءَ الرَحبَ مُنطَلِقًا

إِلى الرُبى وَالسَواقي وَالأَماليدِ

إِلى المُروجِ يُصلّي في مَسارِحِها

إِلى الكُرومِ يُغني لِلعَناقيدِ

مِنّي بِأَسعَدَ نَفسًا قَد نَزِلَت عَلى

قَومي الصَناديدِ أَبناءَ الصَناديدِ

سَماءُ (لُبنانَ) بِشرٌ في ملامحهم

وَفَجرُهُ في ثُغورِ الخُرَّدِ الغيدِ

إِن تَسكُنوا الطَودَ صارَ الطَودُ قِبلَتَنا

أَو تَهبِطوا البيدَ لَم نَعشَق سِوى البيدِ

يحقُّ لنا اليوم ونحن نعيش فرحة العيد أن نتمثّل رسائل العيد في الأدب العربي التي هي بلا شك كثيرة، لنتعرف على واقعنا المتأرجح بين الفرح والحزن، بين الماضي والحاضر. ما كتبه الشعراء أعلاه أو ما كتبه غيرهم هو تعبير فردي عما يعيشه إنسان مثقل بالهموم أو الفرح، لكن الصورة الجمعية التي تعيش العيد زمن الألم والجراح والمآسي هل يمكن أن تُعبّر عن همومها للأجيال القادمة؟