كتبت - فاطمة الحديدي 

ما زال سوق الجمعة بالوادي الكبير واقفًا كشاهد على زمن جميل مضى، فمنذ نشأته عام 1991م كان قبلة ترتادها الجموع من أقصى سلطنة عمان، حيث الزحام البشري الذي تضيق به الأرصفة، وتعلو فيه أصوات الباعة ونقاشات المشترين في مشهد عمره ثلاثون عامًا.

لكن الزمن يغير معالم كل شيء، ذلك الزخم الذي صنع أسطورة السوق تلاشى شيئًا فشيئًا، وحل محله هدوء غير مألوف، ومع ذلك بقي السوق صامدًا، وشريانًا أسبوعيًّا لشريحة مخلصة من المجتمع تعرف قيمته.

وقبل أن ينبض السوق بحياته الأسبوعية، تبدأ الاستعدادات مع مساء كل خميس، يحرص الباعة على ترتيب بضائعهم بعناية، وكأنهم يجهّزون لوحة فنية تروي حكاية الأسبوع، وفي صباح الجمعة من الساعة السابعة حتى التاسعة مساءً، تفتح أبواب هذه المعركة التجارية الشعبية، ويبلغ المشهد قمته بعد أداء صلاة الجمعة، حيث يتحول المكان إلى خلية نحل بشرية، ربما يأتي كثيرون بدافع الفضول، لكن قلّما يغادر أحدهم خالي اليدين، أما السياح الأجانب فيجدون في هذا السوق كنزًا بصريًّا، يقصدونه لالتقاط جوهر المشهد الاقتصادي والاجتماعي العُماني بعدساتهم.

لا محال ولا دكاكين..

خيام وأرصفة تحكي قصة

وهنا يكمن السر، فسوق الجمعة ليس كغيره من الأسواق، فلا تجد فيه محالًا ثابتة ولا دكاكين مبنية، بل تمتد البضائع على الأرصفة، وتحت الخيام التي وفرتها بلدية مسقط في المناطق المحيطة، وكأنها دعوة مفتوحة للجميع، بلا حواجز أو تعقيدات.

فلكلور عتيق يلتقي بأجهزة حديثة

وتجد في السوق الأدوات الكهربائية الجديدة والمستعملة جنبًا إلى جنب مع السيارات القديمة التي تحمل في تفاصيلها ذاكرة الطرقات العُمانية، وإلى جانبها تتراص المنتجات الحرفية العُمانية الأصيلة، وتتناثر المنتجات الزراعية المحلية الطازجة.

إنه ملتقى لأصحاب الحرف البسيطة، أولئك الذين يختارون البيع المباشر، النقدي، البعيد عن تعقيدات التجارة الإلكترونية وأجهزة الدفع الحديثة.

عفوية البيع وأرباح

تفوق الأسبوع كاملا

والمدهش أن هذه العفوية نفسها تتحول إلى ذهب للبعض، فكم من بائع تمكن في يوم جمعة واحد من تحقيق أرباح تفوق ما يجمعه في أسبوع كامل من العمل! وكأن السوق يحتفظ بقدرة سحرية على إنعاش الأكشاك البسيطة.

وسكان الوادي الكبير ومسقط ليسوا وحدهم من يملأون هذا الفضاء؛ فالسوق يجذب زوارًا من كل ولايات سلطنة عمان، من مواطنين ومقيمين على حد سواء، يقصدونه بحثًا عن سلعة مستعملة بحالة جيدة، أو سلعة جديدة بسعر لا يُقارن بغيره من الأسواق.

ويضم السوق ركنًا خاصًّا لا يشبه بقية الأركان، ركن تعبق فيه رائحة الماضي من كل زاوية، حيث تتناثر التحف القديمة والمقتنيات الأثرية وكأنها جواهر زمانية في انتظار من يعيد إليها الحياة.

ونجد العم مولى بخش، بابتسامته التي لا تفارق محياه، وسماحة وجهه التي تحكي قصصًا لا تُروى بالكلمات، إنه أمين على كنوز صوتية لا تقدّر بثمن: مسجلات صوت كلاسيكية، وأجهزة راديو قديمة، ما زالت بحالة جيدة تنبض بالحياة، وتطلق الأغاني القديمة كما لو أن الزمن توقف عند أجمل محطاته.

موسيقى وعطور

يزخر السوق كذلك بأدوات الموسيقى القديمة، تلك التي تعكس ذائقة فنية أصيلة لم تعد تُصنع مثلها، ولا يخلو المكان من العطور ومستحضرات التجميل التي استخدمتها الجدات، والتي لا تزال روائحها العتيقة تحتفظ بقوة الحنين.

أما الكنز الحقيقي لعشاق الطرب، ففي أشرطة الكاسيت التي ترصّع أرفف السوق، هناك تحضر كلاسيكيات سالم محاد، وعيسى بدر، ورجب عبدالله، وميحد حمد، وذكريات فرقة الإخوة البحرينية؛ فكل شريط هو بطاقة دعوة إلى زمن الفن الأصيل والصوت النقي، حيث يستعيد عشاق الطرب روائع الماضي التي ما زالت راسخة في الوجدان.

من المقتنيات إلى متطلبات الحياة

ويحوي السوق تشكيلة واسعة من الأواني والأدوات المنزلية، والسجاد، والملابس بأنواعها من أقمشة نسائية وأزياء تقليدية، إضافة إلى التحف القديمة، والإكسسوارات، والخواتم الفضية، والأحذية.

شهادات من قلب السوق

وخلف هذه الصور الجميلة ثمّة نبرة حزينة تتردد بين أروقة السوق، فالعم خليفة الوهيبي، بائع الستائر والمفروشات المنزلية، استقبلنا بحفاوة لكنه لم يخفِ أسفه، قال وهو ينظر إلى ما حوله: «إنني أنتمي إلى سوق الوادي الكبير وأعتبره جزءًا مني، عملت في التجارة منذ ما يقارب ثلاثين عامًا، لكن السوق لم يعد كما كان في السابق، تراجعت الحركة التجارية، ومع رحيل روّاده القدامى خف بريقه، وسيطرت البضائع الجديدة على معظم أقسامه، بينما كان سابقًا متخصصًا في المنتجات القديمة فقط».

أما العم عبدالله الغداني فكانت قصته مختلفة، إذ يحتفظ عبر مندوس عتيق من الحديد بمجموعة نادرة من الكتب المدرسية القديمة، نسخ لا تُقدَّر بثمن، لكنه أبى أن يبيعها، وقال بكل صراحة: «هذه الكتب قريبة إلى قلبي، وتحوي ذكرى لا يمكن نسيانها».

ومن زاوية أخرى، يأتي العم جمال البلوشي ليعرض نوادر العملات القديمة والنادرة، المعدنية والورقية، وهي مقتنيات ثمينة يهتم بها هواة جمع العملات من كل مكان، وإلى جانب العملات العُمانية، يضم ركنه عملات عربية وأجنبية قديمة توقف إصدارها منذ زمن، إنها هواية أولتها الجمعيات العُمانية والجهات المختصة اهتمامًا خاصًّا؛ فهي جزء لا يتجزأ من تراثنا الأصيل.

بصيص أمل..

مقاهٍ جديدة ومشروع تطوير طموح

وإلى جانب السوق تم إنشاء كشكات منظمة لمقاهٍ متنوعة، تحاذي السوق وتجاور مواقف السيارات، في محاولة لتنشيط الحركة السياحية والاقتصادية، وقد كانت إضافة مميزة، لكنها ليست كافية وحدها؛ فالباعة ومرتادو السوق يطالبون بصوت واحد بتطوير الموقع، وإنشاء مبنى مستقل ومكيف للهواء، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في أشهر الصيف، مما يقلل الحركة بشكل كبير.

وهنا تأتي البشرى، فقد ذكرت مدونة «عُمان نت» أن بلدية مسقط أعلنت عن طرح مناقصة عامة لتطوير مشروع سوق الجمعة بولاية مطرح، ويشمل المشروع قطعتي أرض متجاورتين في الوادي الكبير، بمساحة إجمالية تبلغ 5.722 مترًا مربعًا و3.554 مترًا مربعًا على التوالي، والأكثر إثارة أن المناقصة تمنح المستثمرين عقودًا طويلة الأجل تمتد إلى 20 عامًا، إنها فرصة سانحة للاستفادة من البنية التحتية التجارية المتنامية في مسقط، وتتيح لرواد الأعمال الاستفادة من زيادة حركة المستهلكين في منطقة حضرية رئيسة.