كتب - علي الذهلي 

تبرز تجارب وطنية يشهدها قطاع المعارض والفعاليات بسلطنة عُمان تستحق التوقف عندها، منها تجربة خديجة بنت مبارك البطاشي صاحبة شركة الساحل الشرقي، انطلقت من شغف مبكر لتُحوِّل مسيرتها إلى مشروع وطني يسعى لترسيخ حضور الكفاءات العُمانية في قطاع حيوي، وتمكنت الشركة عبر تجارب ثرية من تقديم نموذج مهني متكامل يجمع بين الإتقان في التنظيم ودعم رواد الأعمال، وتعزيز الحراك الاقتصادي في مختلف المحافظات.

ومن خلال الأسطر الآتية نسلط الضوء على أبرز محطات التأسيس، والتحديات التي تم تجاوزها، والرؤية المستقبلية لصناعة المعارض، إضافة إلى دور الشركة في تمكين الاقتصاد المحلي وبناء اسم عُماني قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

تحت عنوان «من شغف الدراسة إلى ريادة المعارض»، تبدأ خديجة البطاشي سرد قصتها تقول: «كانت البداية شغفًا حقيقيًا بصناعة الفعاليات منذ أيام الدراسة والأنشطة المدرسية، وذلك الشغف المبكر تحول مع الوقت إلى رؤية واضحة، وطموح أكبر وهو صناعة كيان عماني يحمل هوية مختلفة في قطاع تنظيم المعارض والفعاليات». ولم تخفِ البطاشي أن دخولها إلى هذا المجال كشف خللًا واضحًا وهو غياب الكيانات الوطنية بالشكل الذي يواكب حجم الفرص، وسط هيمنة كيانات أجنبية وتجارة مستترة حدت من بروز المؤسسات العمانية، هنا ترسخت الفكرة بدافع الإيمان بأهمية وجود كيان عُماني قادر على تقديم أعمال احترافية بمعايير عالمية، مع الحفاظ على الهوية المحلية وإبرازها بصورة مشرفة.

الفعاليات منصات فرص

تؤكد خديجة أن الفعاليات منصات حقيقية لصناعة الفرص، وبناء العلاقات التجارية والاقتصادية، وفتح أبواب التسويق والتوسع لأصحاب المشاريع ورواد الأعمال، ومن هذه الرؤية انطلقت شركة «الساحل الشرقي لتنظيم المعارض»، لصناعة تجربة متكاملة تجمع بين التنظيم والتسويق والترويج وبناء الشراكات، مع التركيز على الاقتصاد المحلي وإبراز الهوية العمانية بصورة عصرية متميزة.

وتستعرض البطاشي محطات الرحلة قائلة: «منذ التأسيس حرصنا على بناء اسم قائم على المصداقية وجودة التنظيم، كانت البداية بتنظيم معارض متخصصة للمنتجات العمانية، مثل معرض (أوانكس) ومعرض الابتكارات العمانية في مركز المعارض، ثم توسعت الأعمال لتشمل فعاليات موسمية وتجارية في عدد من المحافظات والمراكز التجارية والفنادق الكبرى داخل سلطنة عمان وخارجها، وبفضل هذه الجهود تمكنت الشركة من تكوين شبكة واسعة من الشراكات مع جهات حكومية وخاصة، مما عزز حضورها وثقة المشاركين والزوار بها».

وتؤكد خديجة أن الشركة نفذت العديد من المعارض التجارية والموسمية، منها معارض المنتجات العمانية، ومعارض الابتكارات، إلى جانب معارض استقطبت مشاركات خارجية، وأخرى سلطت الضوء على ريادة الأعمال، وقد أسهمت هذه المعارض في نشر ثقافة ريادة الأعمال وتمكين رواد المشاريع الصغيرة والمتوسطة والحرفيين في السوق المحلي والخارجي، وما يميز الشركة هو الاهتمام بالتفاصيل وصناعة تجربة متكاملة للمشارك والزائر، بدءا من اختيار الموقع المناسب، مرورًا بالتسويق الإعلامي، وانتهاءً بالمتابعة المستمرة مع العارضين لتحقيق أفضل النتائج، مع الحرص على إيجاد بيئة تجمع بين التسوق والترفيه والتفاعل المجتمعي.

كل معرض محرك اقتصادي

وأشارت البطاشي إلى أن المعارض والفعاليات تلعب دورًا مهمًا في تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية وقالت: نحن نسعى دائمًا لأن نكون جزءًا من هذا الحراك، من خلال استقطاب المشاريع والعلامات التجارية، وتنظيم فعاليات في مواقع حيوية تسهم في جذب الزوار وتنشيط الأسواق، ذلك ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي وقطاع السياحة والضيافة، فكل معرض هو محرك اقتصادي يدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وينشط الحركة السياحية في المحافظات، ويعزز مكانة سلطنة عمان كوجهة رائدة لسياحة الحوافز والمؤتمرات، بما يتماشى مع «رؤية عُمان 2040».

الإنجازات.. ثقة وشراكات وتوسع

وعرَّجت خديجة البطاشي إلى أبرز الإنجازات التي تفخر بها في مسيرتها: «هناك جملة من الإنجازات نفتخر بها، في مقدمتها استمرار ثقة العملاء والمشاركين، ونجاح الشركة في تنظيم فعاليات ومعارض استقطبت أعدادًا كبيرة من الزوار، إلى جانب بناء شراكات فاعلة مع جهات ومؤسسات متنوعة، ودعم العديد من أصحاب المشاريع الناشئة والرواد في مختلف المجالات، ومن الإنجازات المهمة أيضًا وصول اسم (الساحل الشرقي) إلى خارج سلطنة عُمان، عبر مخاطبات وتنسيقات وتعاونات خارجية، عززت حضور الشركة وفتحت آفاقًا جديدة للتوسع وبناء العلاقات الدولية».

منافسة متزايدة وتكاليف مرتفعة

وحول سؤالنا عن أبرز التحديات التي واجهتها في قيادة الشركة وكيف تعاملت معها، أجابت بصراحة: «بلا شك، يشهد قطاع تنظيم المعارض والفعاليات منافسة متزايدة وتحديات مستمرة، أبرزها ارتفاع تكاليف التنظيم والتسويق، وتغير توقعات الجمهور بشكل سريع، إلى جانب حالة التشبع في السوق نتيجة كثرة التراخيص والسجلات التجارية مقارنة بحجم استيعاب السوق الفعلي، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الماضية، كما أن القطاع تأثر بشكل كبير بأزمة كوفيد-19 وما تبعها من متغيرات اقتصادية وسياسية أثرت مباشرة على حركة الفعاليات والمعارض».

وتضيف البطاشي: «من أبرز التحديات أيضًا ابتعاد بعض الجهات الحكومية والشركات الكبرى عن التعاون المباشر مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، من خلال التوجه لتنظيم فعالياتها بشكل منفرد، إضافة إلى تراجع فرص الدعم من بعض مؤسسات القطاع الخاص، كما أن ضوابط وشروط بعض المناقصات باتت تشكل تحديًا إضافيًا؛ حيث يواجه القطاع ضغوطًا كبيرة وتكاليف متزايدة تجعل الاستمرار أكثر صعوبة» موضحة أنها تحرص على مواكبة التطورات الحديثة من خلال استخدام وسائل التسويق الرقمي، والتغطيات الإعلامية، وصناعة المحتوى التفاعلي عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تطوير تجربة الزائر داخل الفعاليات عبر التنسيق البصري والتنظيم الاحترافي واختيار الأنشطة المناسبة، وتؤمن أن التقنية أصبحت عنصرًا أساسيًا في نجاح أي فعالية، لذلك تسعى دائمًا لتطوير أدواتها وأساليبها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية.

طموح وأمل

وتسترجع خديجة بداياتها الصعبة قائلة: «عندما حصلت على السجل التجاري واجهت واقعًا صعبًا، إذ كان السجل يمر بتحديات عديدة، منها وجود حظر وعمالة هاربة وانتهاء تراخيص، ولم أكن أعرف بالإجراءات حينها، لكنني آمنت بأن التحديات بداية لصناعة قصة نجاح مختلفة، ومن هنا بدأت رحلة إعادة بناء المشروع وتحويله إلى كيان يحمل رؤية وهوية واضحة، حتى أصبحت الكوادر العُمانية تمثل 100% من فريق العمل». وأضافت: «تشرفت بالحصول على العديد من التكريمات وشهادات التقدير من جهات ومؤسسات مختلفة، وكان من أبرزها تكريمي كشخصية الأم المثالية في مهرجان القاهرة الدولي برعاية منظمة الإيسيسكو، وهو تكريم أعتز به كثيرًا باعتباره محطة مهمة في مسيرتي المهنية والإنسانية».

خطط مقبلة

وتكشف البطاشي عن خططها للمرحلة المقبلة: «أعمل على تنفيذ معارض ومؤتمرات وفعاليات نوعية ذات طابع اقتصادي وسياحي واستثماري، تسهم في تنشيط الحركة التجارية وتعزيز مكانة سلطنة عُمان كوجهة جاذبة للمعارض والأحداث المتخصصة، مع التركيز على الابتكار في الأفكار وأساليب التنفيذ وصناعة تجربة مختلفة للجمهور والمشاركين، بالإضافة إلى توسيع شبكة العلاقات والشراكات الاستراتيجية مع جهات محلية ودولية، وفتح آفاق جديدة للتعاون الخارجي، إلى جانب التوجه نحو مشاريع مستقبلية مرتبطة بالسياحة والاستثمار العقاري وتنظيم المعارض المتخصصة التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني». مؤكدة اهتمامها بدعم رواد الأعمال وأصحاب المشاريع والعلامات التجارية العُمانية، ومنحهم مساحات حقيقية للظهور والتوسع والوصول إلى أسواق وفرص جديدة؛ لأن نجاح أي مشروع عُماني هو انعكاس لصورة الوطن وطموح شبابه.