في جلسة غداء عائلية قال أخي: «أنا في حيرة من أمري. لماذا تلقَى المقاومة الإسلامية وقادتُها، وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وإيران هذا المصير الصعب رغم أنهم على حقّ، وكلُّ أدعية المؤمنين معهم؟ هل كلّ تلك التضحيات تذهب سدى، ولا يلتفت الله لأدعية عباده؟».
قلت له: «إنّ تساؤلاتك هذه، تذكّرني بمقال لي حين تحدثتُ عن قصة أصحاب الأخدود، كما عرضها سيد قطب في كتابيه (في ظلال القرآن) و(معالم في الطريق)؛ تلك القصة التي ذكرها القرآن لتكون قانونًا خالدًا يفسر طبيعة الصراع بين العقيدة والطغيان، ويجيب عن الأسئلة التي تطرحها اليوم».
تفاصيل قصة أصحاب الأخدود تبدو ظاهريًّا محزنة ومؤلمة لأهل الإيمان لصالح أهل الطغيان ما يحيك في الصدر شيئًا، وتطرح الأسئلة نفسها التي طرحها أخي: أهكذا تكون نهاية أهل الإيمان، والكافرون يهزؤون بهم؟ أليس في ذلك ما يبعث على الحيرة؟ لكن سيد قطب يوضح أنّ حسابات الله تختلف عن حسابات البشر.
نحن ننظر إلى اللحظة والمشهد القريب فقط، ونركز على العمر القصير الذي نعيشه، بينما حسابات الله تمتد إلى ما وراء الدنيا إلى الآخرة وإلى بقاء العقيدة في الأرض. ولولا تلك التضحيات لما انتصر الإيمان، ولما بقي نور العقيدة مشتعلًا في وجه الطغيان.
وإذا طبقنا تلك القصة على الواقع فنستطيع أن نقول: إنّ هذا هو حال المقاومين اليوم: حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وإيران، الذين يواجهون حصارًا وتجويعًا واغتيالات وحروبًا يشارك فيها الإخوة قبل الأعداء، لكنهم يصرون على أنّ الكرامة أغلى من الحياة، وأنّ الثبات على الحق هو الشرط الأول للنصر. والطغيان - مهما اشتد - فهو إلى زوال، فأصحاب الأخدود لم ينجُ منهم أحد في الدنيا، لكنهم صاروا آية تتلى إلى يوم القيامة. وكذلك المقاومون اليوم دفعوا ويدفعون الثمن غاليًّا، لكنهم يكتبون بدمائهم صفحة جديدة في سجل الحياة. الطغاة أرادوا أن يطفئوا نور الله، لكنهم في الحقيقة صنعوا مشهدًا يخلّد الإيمان، ويثبت أنّ المقاومة هي امتداد لمعركة الحق والباطل منذ فجر التاريخ. ولا يمكن أن يتحقق أيّ نصر دون تضحيات ودون ابتلاء؛ فالابتلاء والصمود والثبات هو الطريق إلى النصر. وكلُّ جيل من المؤمنين يواجه «أخاديد» جديدة قد تكون سجونًا أو حصارات أو اغتيالات، لكنها في جوهرها الامتحان القديم نفسه.
من دون شك دفع أهل غزة - ما لم يدفعه أحدٌ من العالمين من أرواحهم ودمائهم وراحتهم، وكذلك فعل حزب الله في لبنان وما تفعله الآن إيران. لقد واجهوا امتحانهم دفاعًا عن الدين والوطن، وأثبتوا أنّ الثبات على الحق هو أعظم انتصار، غير أنّ الناس لا ينظرون عادةً إلا إلى فترة قصيرة هي عمرهم فقط، فيحسبون أنّ الهزيمة أو القتل والاغتيالات أو الحصار هي النهاية، لكن حسابات الله أخرى. لذلك فإنّ ما يبدو لنا هزيمة قد يكون في ميزان الله نصرًا عظيمًا؛ لأنّ العقيدة بقيت، ودماء الشهداء صارت بذورًا تنبت إيمانًا جديدًا في قلوب الناس. وهنا نفهم أنّ التضحيات لا تذهب سدى، بل هي الثمن الذي لا بد أن يُدفع ليبقى الحقُ.
حين ننظر إلى غزة المحاصرة، وإلى أمهات الشهداء، وإلى الأطفال الذين يكبرون تحت القصف ندرك أنّ هذه التضحيات هي اصطفاء من الله لهذه الثلة لتكون وقودًا لتحرير الأرض المحتلة.
وفي جنوب لبنان حيث حزب الله يواجه الاحتلال الآن بشراسة، وفي إيران التي تتحمل الحرب والعقوبات والحصار نرى أنّ «الأخدود» ليس فقط تلك الحفرة التي رُميت فيها فئة من المؤمنين ليلاقوا ربهم حرقًا، بل هو كلّ شكل من أشكال الطغيان الذي يريد أن يطفئ نور الله. ولا طغيان في العصر الحديث أكثر من طغيان أمريكا وإسرائيل، وما ذنب إيران إلا أنها قالت بصوت عال: «لا للطغيان»، وبنت لنفسها دولة حقيقية تفتقد المنطقة مثلها.
وكما قال سيد قطب: «إنّ العقيدة التي يُضَحَّى من أجلها بالحياة هي وحدها التي تستحق أن تعيش.» وهذه هي الرسالة التي يكتبها المقاومون اليوم بأرواحهم ودمائهم. إنّ المقاومة اليوم - كما أصحاب الأخدود بالأمس - تواجه الطغيان بالروح نفسها: الإيمان أولًا، والاستعداد للتضحية، واليقين بأنّ النصر في بقاء العقيدة وانتقالها إلى الأجيال.
قال قريبي: «ما بال البعض يفرح بذهاب إسماعيل هنية وحسن نصر الله ويحيى السنوار والخامنئي وغيرهم؟!». قلت: «هذا يدل على خلل في العقيدة وفي الفهم، ومثل هؤلاء ينطلقون من مواريث قديمة تلعب فيها المذهبياتُ دورًا أساسيًّا في تشكيل وتحديد مواقفهم. ومثل هؤلاء لا يعلمون أنّ الدور آت إليهم لا محالة. ويكفي أنّ الله اصطفى مثل هؤلاء للشهادة ولا نزكيهم على الله». وأضفتُ له «أنه مهما يكن من أمر، فلا ينبغي أن تكون هناك شماتة في الموت. هل مثل هؤلاء يعلمون بما سيُختم لهم؟!».
وخلاصة حديثنا أنّ التضحيات لا تذهب سدى، وأنّ كلَّ ما يحصل الآن هو تمحيص بين الحق والباطل، وأنّ «الضوء واضح من داخل النفق»، كما كان يردد ياسر عرفات. ورغم أنّ أصحاب الأخدود لم ينجُ منهم أحدٌ في الدنيا، إلا أنهم صاروا - كما أشرتُ سابقًا - آية تتلى إلى يوم القيامة؛ يعلّمون الناس الثبات على المبدأ رغم المُخذِّلين والمُحبطين والمتآمرين. وكذلك هي المقاومة قد تخسر معركة أو تُحاصر أو تُستهدف، لكنها تكتب بدماء أبنائها تاريخًا جديدًا للأمة، وما يتحقق من نصر فيما بعد لن يكون إلا نتيجة من نتائج هذا الثبات، وعندها لن يكون لنا وجهٌ نقابل به الله سبحانه وتعالى؛ بسبب ضعفنا وتخاذلنا، ولكن يشفع لنا أننا لم نقف ضد المقاومة، ولم نقف مع العدو ضد المعتدَى عليه إيران، كما فعل كثيرون ويا للأسف!
قال أخي: «أخشى أن تكون متفائلًا أكثر ممّا ينبغي. الذي يبدو أنّ الكلَّ يتآمر على إيران، كما تآمروا على حماس وغزة». هنا تذكرتُ ما قاله صديقي عبد الله بن حمدان الإسماعيلي: «إن رأيتَ الأحزاب تتجمع فتذكر الخندق. وإن طال احتلالٌ أو سقطت مدينة مقدسة فتذكر القدس وحطين. وإن تفرقت الصفوف فتذكر يوم الردة. وإن بدا الطوفان كاسحًا فتذكر عين جالوت. وإن رأيت أساطيل الغزاة تجول فتذكر اليعاربة. إنّ هذه الأمة التي عبرت الصليبيين والتتار وعصور الاستعمار لا تموت بتآمر المتآمرين».
وحقيقة إنّ السؤال الذي طرحه أخي والذي ذكرته في بداية المقال سؤال مشروع، لكن الجواب واضح؛ فحسابات الله تختلف عن حسابات البشر، ولولا تلك التضحيات لما انتصر الإيمان، ولما بقيت المقاومة رمزًا خالدًا في وجدان الأمة. وصحيح أنّ الطريق طويل ومليء بالأخاديد، لكن النصر في النهاية للحق؛ لأنه مرتبط بالله الذي لا يزول، وعسى أن يكون ردي له شافيًا وكافيًا.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.