إينو ماناك و أليسون سميث
ترجمة: نهى مصطفى -
في ولايته الثانية، قلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السياسة التجارية الأمريكية رأسًا على عقب، فارضًا رسومًا جمركية، على الحلفاء والخصوم على حد سواء؛ لمعاقبة ما يراه مظالم قائمة وانتزاع تنازلات جديدة. وقدم المعاملة بالمثل بوصفها الأساس الذي يقوم عليه هذا النهج. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «مهما فرضت الدول على الولايات المتحدة الأمريكية، سنفرضه عليها - لا أكثر ولا أقل». كما وصف الممثل التجاري الأمريكي جيمسون جرير الاتفاقيات الثنائية الجديدة بأنها «اتفاقيات للتجارة المتبادلة» (ARTs)، في إشارة إلى كتاب ترامب الشهير عن فن التفاوض. لكن سياسة الإدارة لا تقوم على تبادل المنافع بقدر ما تقوم على الإكراه الأحادي المغلف بلغة المعاملة بالمثل.
انتهجت الولايات المتحدة التجارة التبادلية طوال التسعين عامًا الماضية، لكن ما يفعله ترامب يخرج على هذا التقليد. فبالتلويح بالتعرفات الجمركية، وأحيانًا بالتوسع الإقليمي، تضغط الإدارة على شركاء الولايات المتحدة التجاريين للقبول بتنازلات غير متكافئة. وتهدف واشنطن إلى إعادة التوازن التجاري لمصلحة الشركات والمنتجين الأمريكيين، وإلزام الشركاء بتحمّل كلفة ما يراه ترامب مظالم سابقة، وإعادة توجيه السياسة التجارية بما يخدم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية ويحافظ على هيمنتها. وبذلك يطلب من الدول الأخرى أن تقدم الكثير مقابل القليل.
لكن الولايات المتحدة لا تستطيع بمفردها إعادة تشكيل النظام التجاري الدولي. فأي تحول هيكلي في النظام العالمي يتطلب قبول الآخرين بالرؤية المطروحة. وقد يكون الشركاء التجاريون مستعدين لاسترضاء ترامب على المدى القصير، لكن لديهم بدائل أخرى، وشرعوا بالفعل في البحث عنها.
إذا أراد ترامب لهذه الترتيبات أن تستمر، فسيحتاج إلى تقديم حوافز إلى جانب الترهيب. وإلا فإن الثقة والنظام اللذين بنتهما الولايات المتحدة عبر عقود من التسويات التجارية الدقيقة سيتبددان سريعًا، لتتحول سياسة «أمريكا أولًا» إلى عامل يضعف مكانة أمريكا بدلًا من تعزيزها.
فكرة أن المعاملة بالمثل ينبغي أن تنظم التجارة العالمية ليست جديدة. فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي، قامت السياسة التجارية الأمريكية على مبدأ تحقيق المنفعة المتبادلة من الاتفاقيات. كما نصت الاتفاقية العامة للتعرفات والتجارة، الميثاق التأسيسي للنظام التجاري الحديث الموقع عام 1947، على إبرام «ترتيبات متبادلة ومفيدة للطرفين».
ورغم أن تحديد المعاملة بالمثل يظل مسألة نسبية بسبب اختلاف التنازلات المطلوبة في السلع والخدمات، فإن الاتفاقيات التي أبرمتها الولايات المتحدة على مدى التسعين عامًا الماضية استندت إلى مبدأ تبادل المنافع. فعلى سبيل المثال، خفّضت كندا والمكسيك والولايات المتحدة الرسوم الجمركية إلى مستويات تقارب الصفر في اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، كما اتفقت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، بعد جولات تفاوض بدأت عام 2006، على إلغاء معظم الرسوم الجمركية باستثناء بعض المنتجات الحساسة مثل الشاحنات الخفيفة الأمريكية والأرز ولحم البقر الكوري الجنوبي. وبذلك نظرت واشنطن إلى المعاملة بالمثل باعتبارها توازنًا بين الأخذ والعطاء، وبنت أجندتها التجارية على هذا الأساس.
أما إدارة ترامب فتزعم أنها تعيد إحياء هذا المبدأ، لكنها تفسره بطريقة تركز على «الأخذ» أكثر من «العطاء». فالمعاملة بالمثل، في نظرها، أقرب إلى برنامج تعويضات؛ إذ يعتقد ترامب أن الولايات المتحدة قدمت تنازلات مفرطة في الماضي، وأن أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الحلفاء «استغلوها» لسنوات عبر الاستفادة من السوق الأمريكية مع تحميل واشنطن جزءًا كبيرًا من أعباء أمنهم. ومن ثم، حان وقت السداد. في مقابل الامتناع عن رفع الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة، تسعى الإدارة إلى إلزام هذه الدول باستثمارات ضخمة داخل الولايات المتحدة لدعم إعادة التصنيع. ففي عام 2025، وافقت اليابان مثلًا على استثمار 550 مليار دولار في قطاعات حيوية تشمل الطاقة والمعادن والأدوية وأشباه الموصلات.
وأدى هذا الفهم المشوه للمعاملة بالمثل إلى رفض اتفاقيات كانت واشنطن تعدها في السابق مكاسب مهمة. فعندما سئل وزير التجارة هوارد لوتنيك عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل عرض فيتنام بخفض جميع رسومها الجمركية عام 2025، وصف ذلك بأنه «صفقة كارثية».
وبدلًا من التفاوض على ترتيبات تحقق منفعة متبادلة، تسعى إدارة ترامب إلى إعادة التوازن التجاري من جانب واحد. وتحمل الرؤساء السابقون مسؤولية فتح السوق الأمريكية على أمل أن تعاملها الدول الأخرى بالمثل، أو اعتقادًا، كما قال جرير، بأن «بقية العالم سيصبح مثلنا».
ومن هذا المنطلق، تعد الرسوم الجمركية الأداة التصحيحية الأكثر فاعلية. فالمعاملة بالمثل تعني، وفق هذا التصور، تقديم الدول الأخرى للمزيد مقابل أن تقدم الولايات المتحدة أقل.
لم يكن ترامب أول من حاول إعادة تعريف هذا المبدأ لمعالجة ما اعتبره ظلمًا في النظام التجاري. ففي ثمانينيات القرن الماضي، دعا الكونجرس إلى «معاملة بالمثل جديدة» تلزم الدول الأخرى بفتح أسواقها في القطاعات التي تراجعت فيها القدرة التنافسية الأمريكية، خصوصًا أمام اليابان. وفي عام 1987 أقر مجلس النواب تعديلًا على قانون التجارة يسمح بردود أحادية على الدول التي تحقق فوائض تجارية كبيرة مع الولايات المتحدة، قبل أن يسقط لاحقًا بعد تعثر القانون في أعقاب انهيار سوق الأسهم في العام نفسه.
آنذاك حذر الخبراء من أن انتهاك قواعد التجارة الراسخة سيضر بالولايات المتحدة لأن الدول الأخرى ستفقد رغبتها في التعامل معها. أما اليوم، فتراجع مبدأ المعاملة بالمثل التقليدي من دون مقاومة تذكر، في ظل ولاء الحزب الجمهوري لترامب وتهديداته الصريحة بمعاقبة شركات مثل أمازون لمجرد التشكيك في نهجه التجاري.
أدى مفهوم ترامب للمعاملة بالمثل إلى إبرام اتفاقيات تختلف عن النمط التقليدي للاتفاقيات التجارية الأمريكية. وانسجامًا مع نهجه القائم على السرعة وكسر القواعد، جرى تجاوز الكونجرس رغم امتلاكه السلطة الدستورية لتنظيم التجارة مع الدول الأجنبية، بما في ذلك فرض الرسوم الجمركية.
كما تفتقر هذه الاتفاقيات إلى آليات إنفاذ محايدة، ما يجعلها أقل استدامة ويزيد احتمال نظر الشركاء التجاريين إليها بوصفها غير ملزمة. وبينما تتضمن قلة منها التزامات تفصيلية بمعايير التجارة العالمية، مثل الشفافية التنظيمية، فإن معظمها لا يتجاوز أطرًا عامة تمهد لحوارات مستقبلية.
ونتيجة لذلك، يبقى مفهوم الامتثال غامضًا، بما يتيح للولايات المتحدة الادعاء بوقوع خرق للاتفاق والمطالبة بإجراءات انتقامية.
لا تتضمن هذه الاتفاقيات خفضًا فعليًّا للرسوم الجمركية الأمريكية، بل تكتفي بخفضها من مستويات عقابية إلى معدلات أساسية جديدة حددها ترامب في «يوم التحرير» خلال أبريل 2025.
وفي المقابل، يطالب الشركاء التجاريون بتوسيع وصول الشركات الأمريكية إلى أسواقهم وقبول قيود إضافية على صادراتهم إلى الولايات المتحدة. ورغم أن المحكمة العليا الأمريكية قضت بعدم دستورية الرسوم الجمركية الطارئة التي فرضها ترامب، فإن الإدارة ما زالت تسعى إلى إيجاد بدائل قانونية تشكل أساسًا للاتفاقيات التي أبرمتها قبل فبراير 2026.
تهدف هذه الاتفاقيات إلى احتواء الصين؛ فالكثير من بنود الأمن الاقتصادي صممت لمواءمة الشركاء التجاريين مع سياسات واشنطن تجاه بكين وإبعادهم عنها قدر الإمكان. فعلى سبيل المثال، وافقت الولايات المتحدة في اتفاقها مع ماليزيا على خفض الرسوم الجمركية من 24%، وهي النسبة المعلنة في «يوم التحرير»، إلى 19%، مع التهديد بإعادتها إلى مستواها السابق إذا أبرمت ماليزيا اتفاقية تجارية جديدة مع «دولة تهدد المصالح الأساسية للولايات المتحدة»، في إشارة واضحة إلى الصين.
وفي حين يفترض المفهوم التقليدي للمعاملة بالمثل مراعاة القدرات المؤسسية للدول، فإن اتفاقيات ترامب تتجاهل هذا الاعتبار. فمن غير الواضح كيف ستتمكن دول مثل كمبوديا أو ماليزيا من تطبيق ضوابط تصدير صارمة وآليات معقدة لفحص الاستثمارات.
في السابق، كانت واشنطن تقدم دعمًا فنيًّا وماليًّا لمساعدة الدول على الوفاء بالتزاماتها، أما اليوم فقد أُلقي عبء الامتثال بالكامل على عاتق الشركاء التجاريين. وفي بعض المجالات، مثل التحقق من خلو الاستثمارات من النفوذ الصيني، يصعب على الدول النامية الوفاء بالتزاماتها من دون دعم وتوجيه أمريكيين إضافيين.
لا تزال الدول راغبة في التجارة مع الولايات المتحدة، لكنها مستاءة من هذا النهج الأحادي القسري. فشركاؤها التجاريون يريدون العودة إلى التبادل الحقيقي، لا إلى علاقة تحصل فيها واشنطن على الكثير مقابل القليل.
خلال مقابلات أجريناها بين عامي 2024 و2025 مع دبلوماسيين تجاريين من أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، أقر معظمهم بأن النظام التجاري تغير جذريًّا في ظل إدارة ترامب الثانية.
ورغم استعدادهم لبذل مزيد من الجهود لخفض الحواجز التجارية ومعالجة التحديات المرتبطة بهيمنة الصين في قطاعات مثل الصلب والسيارات الكهربائية، فإنهم يفضلون العمل الجماعي على الإجراءات الأحادية. فالاتفاقيات الإقليمية ومتعددة الأطراف أكثر قدرة على مراعاة المصالح الاقتصادية والحساسيات الوطنية من الاتفاقيات الثنائية غير المتوازنة التي تروج لها واشنطن. كما أعرب المسؤولون عن دهشتهم من تعرفات «يوم التحرير» ومن الادعاء بأن النظام التجاري العالمي منحاز ضد الولايات المتحدة.
دفعت سياسات ترامب الشركاء التجاريين إلى اتباع نهج مزدوج. فعلى المدى القصير، تحاول الدول المتضررة من الرسوم المرتفعة تلبية مطالبه لتجنب الاضطرابات الاقتصادية أو المساس بعلاقاتها الأمنية مع واشنطن. وأوضح مسؤولون أن بلدانهم مستعدة لتقديم تنازلات تشمل زيادة واردات المنتجات الزراعية والغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، ومنح المستثمرين الأمريكيين معاملة تفضيلية، وتشديد الرقابة على إعادة تصدير السلع الصينية، والتعاون في تأمين المعادن الحيوية وتعزيز سلاسل التوريد.
أما على المدى البعيد، فإذا استمرت الولايات المتحدة في فرض نهجها الأحادي بدلًا من المعاملة بالمثل، فسيتجه الشركاء التجاريون إلى البحث عن بدائل، وبدأ كثير منهم بذلك بالفعل. ففي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تتوسع العلاقات الاقتصادية البينية من خلال اتفاقيات مثل الشراكة في الاقتصاد الرقمي، التي تعزز التعاون والثقة في مجالات التكنولوجيا الناشئة وتدعم إنشاء مناطق اقتصادية خاصة لزيادة التجارة.
ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ارتفعت التجارة بين دول شرق آسيا بنسبة 10% بين الربع الأخير من عام 2024 والربع الثالث من عام 2025.
يظهر الاتجاه نفسه على مستوى العالم؛ فالولايات المتحدة تواجه صعوبات في إبرام اتفاقيات جديدة، بينما يوسع الاتحاد الأوروبي شبكة اتفاقياته التجارية، بما في ذلك اتفاقه مع السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية «ميركوسور».
كما وقعت الهند، المعروفة تقليديًّا بنزعتها الحمائية، اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي ونيوزيلندا وعُمان والمملكة المتحدة.
وفي الوقت نفسه، يتزايد الاهتمام بإنشاء منظمة تجارية جديدة خارج إطار منظمة التجارة العالمية لتطوير العلاقات التجارية وتسوية النزاعات، ومن المرجح أن تستبعد الولايات المتحدة والصين، بما يتيح للقوى المتوسطة دورًا أكبر في صياغة قواعد التجارة العالمية المستقبلية.
مع تخلي واشنطن عن مبدأ المعاملة بالمثل لصالح نهج أحادي قائم على الإكراه، قد تصبح الولايات المتحدة نفسها الخاسر الأكبر. فاعتماد الإدارة على الرسوم الجمركية بوصفها أداتها التجارية الرئيسية يرفع التكاليف على المستهلكين والشركات الأمريكية، ويثير استياء الحلفاء والشركاء.
كما أن لهذه الاستراتيجية حدودًا واضحة؛ إذ إن كلفة الضغط الاقتصادي على الحلفاء تفوق المكاسب التي يمكن تحقيقها من خلال الاتفاقيات التي تسعى الإدارة إلى إبرامها. فعندما تقوم الاتفاقيات على المعاملة بالمثل، يكون الشركاء أكثر استعدادًا لفتح أسواقهم ومواءمة سياساتهم مع واشنطن بتكلفة سياسية منخفضة نسبيًّا. أما الإكراه فيقوض الدعم المحلي للتعاون مع الولايات المتحدة ويزيد التوترات السياسية.
لا تقتصر مشكلة أجندة ترامب التجارية على افتقارها إلى التوازن، بل تمتد إلى عجزها عن مواكبة الواقع الراهن. فمواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني تتطلب بديلًا مقنعًا يحظى بدعم دولي. لكن ترامب بدد جانبًا كبيرًا من نفوذ الولايات المتحدة لدى شركاء كانوا مستعدين أصلًا للتفاوض، مثل اليابان والمملكة المتحدة وفيتنام، في حين لم يبذل جهدًا يذكر لاستقطاب أسواق كبرى مثل البرازيل والصين والهند. وهكذا تفقد واشنطن نفوذها لأن محاولتها الانفراد بالسياسة التجارية دفعت بقية العالم إلى تعزيز التعاون فيما بينها، لا إلى الاعتماد عليها بصورة أكبر.
لا يزال شركاء الولايات المتحدة منفتحين على تحويل المحادثات الجارية إلى مفاوضات تجارية حقيقية، شرط أن تكون واشنطن مستعدة للتعامل بشروط أكثر عدلًا. أما إذا واصل ترامب نهج الإكراه فسيبحثون عن بدائل أخرى. والمفارقة أن إدارة ترامب، في سعيها إلى إضعاف مبدأ المعاملة بالمثل لمصلحة الولايات المتحدة، تدفع بقية العالم إلى إعادة اكتشاف هذا المبدأ وتعزيز حضوره.
إينو ماناك، زميل أول للتجارة الدولية في مجلس العلاقات الخارجية.
أليسون سميث، مديرة مشاركة للجيواقتصاد في مجلس العلاقات الخارجية.
الترجمة عن Foreign Affairs