استطلاع - سارة الجراح
حيرة متزايدة يعيشها كثير من الآباء والأمهات في كيفية تربية الأبناء في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم خاصة أن جيل اليوم يختلف في أفكاره ونمط حياته واهتماماته عن الأجيال السابقة بعدما أصبح أكثر اطلاعا ووعيا بما يدور حوله عبر الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية ومنصات التواصل المختلفة.
وباتت أحاديث الأسر ونقاشاتهم تدور حول الطريقة الأنسب للتعامل مع الأبناء، ومدى الاختلاف بين أساليب التربية القديمة والتربية الحديثة، وأيهما أكثر نجاحا في بناء شخصية الطفل وتنشئته بصورة متوازنة.
فمنهم من يرى أن التربية القديمة أسهمت في صناعة جيل أكثر صبرا واحتراما وقدرة على تحمل المسؤولية، واعتمدت على الانضباط والالتزام بالقيم والعادات الاجتماعية، بينما يرى آخرون أن التربية الحديثة أكثر وعيًا باحتياجات الطفل النفسية والعاطفية، وتركّز على الحوار وتعزيز الثقة بالنفس واحترام شخصية الطفل ومشاعره.
وفي المقابل، يرى مختصون وأولياء أمور أن التربية الناجحة لا تقوم على أسلوب واحد فقط، بل تعتمد على تحقيق التوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوانين والحوار، والاستفادة من القيم الإيجابية التي حملتها التربية التقليدية مع مواكبة الوعي التربوي الحديث ومتطلبات العصر.
وحول الفروق بين التربية في الماضي والحاضر، وآراء أولياء الأمور بشأن الأساليب التربوية الأكثر تأثيرًا في الأبناء، التقينا بعدد من أولياء الأمور لاستطلاع وجهات نظرهم وتجاربهم في هذا الجانب.
رقابة ومتابعة
يرى عبدالله بن خلفان الصبحي أن التربية القديمة كانت أكثر فاعلية في بناء شخصية الأبناء؛ لأنها قامت على القرب من الوالدين، وتعليم القرآن الكريم، والالتزام بآداب الخروج والعودة، واحترام الكبير، وطلب العلم من المدارس والمجالس، مؤكدًا أن صعوبة الحياة في الماضي أسهمت في تكوين جيل يعتمد على نفسه، ويخدم أسرته ومجتمعه ووطنه.
وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تؤثر بشكل كبير على الجيل الجديد؛ حيث أصبح الأبناء يتأثرون بما يشاهدونه عبر المنصات المختلفة، الأمر الذي يتطلب من الأسرة مزيدا من الرقابة والمتابعة، مع التركيز على أسلوب الحوار والتوجيه بدلا من الشدة.
وأشار الصبحي إلى أن التكنولوجيا تحمل جوانب إيجابية وسلبية في الوقت نفسه، مبينا أنها قد تؤدي إلى ضعف الأخلاق والاحترام وإهمال الدراسة إذا غاب التوجيه الأسري والمتابعة المستمرة.
وأضاف أنه كان يحرص في تربية أبنائه على تعويدهم معرفة أوقات الصلاة، والاستئذان قبل الخروج، والتحدث بأدب واحترام، والالتزام بالتعليم، والجلوس مع الأسرة، مؤكدًا أنه يؤيد استخدام العقاب كخيار أخير بعد التفاهم والتوجيه، ويرى أن بعض أساليب التربية الحديثة قد تسهم في الدلال الزائد وضعف شخصية الأبناء.
الحوار والانضباط
ويرى فايز بن عبيد بن معيوف الغفيلي أن التربية القديمة كانت أكثر نجاحًا؛ لأنها استندت إلى تعاليم الدين الإسلامي وقيم الانضباط وتحمل المسؤولية، مؤكدًا أن أساليب التربية في الماضي أسهمت في بناء شخصية أكثر التزامًا واعتمادًا على النفس.
وأشار إلى أن الحوار أصبح اليوم أكثر أهمية من الشدة، في ظل هذا العصر والانفتاح الكبير الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن التكنولوجيا أثرت بشكل واضح على الأبناء، حتى بات بعضهم أقل اهتمام بالتوجيه نتيجة الانشغال بالألعاب والبرامج المختلفة، الأمر الذي يستدعي رقابة أسرية مستمرة ومتابعة دقيقة.
وقال الغفيلي: "ربيت أبنائي بالطريقة التي تربيت بها، مع مراعاة اختلاف الزمن وتغير الظروف"، مشددا على أهمية العودة إلى كتاب الله وتعزيز تعليم القرآن الكريم في تنشئة الأبناء وغرس القيم في نفوسهم.
وأضاف: إن بعض أساليب التربية الحديثة قد تؤدي أحيانا إلى ضعف تحمل المسؤولية والدلال الزائد، معربا عن أمله في أن يشهد الجيل الحالي مزيدا من الاحترام والتمسك بالعادات والتقاليد الأصيلة.
بناء الثقة
وترى إخلاص محمد الشيخ أنه لا يمكن اعتبار التربية القديمة أفضل بشكل مطلق، ولا التربية الحديثة الأفضل بصورة كاملة، مؤكدة أن لكل منهما إيجابيات وسلبيات تختلف باختلاف الأسلوب وطريقة التطبيق.
وأوضحت أن التربية القديمة تميزت بالصلابة الأخلاقية وتعزيز تحمل المسؤولية، لكنها في بعض الأحيان كانت تهمل مشاعر الطفل وتحدّ من قدرته على التعبير عن ذاته، في حين ركزت التربية الحديثة على فهم الطفل واحترام شخصيته واحتياجاته النفسية، إلا أنها قد تتحول أحيانا إلى حماية زائدة تؤدي إلى الهشاشة النفسية وضعف القدرة على مواجهة التحديات.
وأكدت أن العقاب القاسي لم يعد مجديا في هذا العصر، مشيرة إلى أن الحوار والعواقب المنطقية أكثر تأثيرا من الشدة؛ لأن الطفل بحاجة إلى فهم الخطأ واستيعابه، لا إلى الخوف فقط.
وأضافت: إن التكنولوجيا أصبحت شريكا أساسيا في التربية، بعدما سحبت جزءا كبيرا من دور الوالدين في التوجيه والمتابعة، الأمر الذي أثّر على العلاقات داخل الأسرة وخلق نوعا من العزلة بين أفرادها.
وأشارت إلى أن الرقابة في الوقت الحالي يجب أن تقوم على بناء الضمير والرقابة الذاتية لدى الأبناء، وليس فقط على المنع والتفتيش، مؤكدة أن التربية الناجحة تعتمد على القدوة الحسنة، وبناء الثقة، والإنصات للأبناء وفهم احتياجاتهم النفسية والفكرية.
كما عبّرت عن رفضها استخدام الضرب كوسيلة تربوية، معتبرة أنه قد يترك آثارا نفسية سلبية على الطفل ويؤثر في شخصيته وسلوكه على المدى البعيد.
الحزم والحوار
يرى ماجد يونس أن التربية القديمة قامت على أسس قوية من الاحترام وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس، وكانت تربية مجتمعية تشترك فيها الأسرة والمسجد والحي، مؤكدا أن أسلوب التربية في العصر الحالي يحتاج إلى مزيج متوازن بين الحزم والحوار؛ لأن القسوة وحدها لم تعد مناسبة، كما أن التساهل الزائد قد يؤدي إلى ضعف الانضباط.
وأشار إلى أن التكنولوجيا أثرت بشكل سلبي على عملية التربية، نتيجة ما تسببه من عزلة وضياع للوقت وتأثر الأبناء بأفكار وسلوكيات دخيلة، موضحا أن جيل اليوم يحتاج إلى رقابة ذكية تقوم على المتابعة والقرب النفسي من الأبناء، إلى جانب معرفة ما يتابعونه عبر الأجهزة الإلكترونية.
وأوضح أنه كان يركز في تربية أبنائه على القدوة الحسنة، والمحافظة على الصلاة، واحترام الكبير، والتمسك بالعادات والتقاليد العُمانية، مع الحفاظ على هيبة الأبوة داخل الأسرة، مشيرا إلى أن الضرب ليس أساسا في التربية، لكنه قد يُستخدم بشكل محدود جدا وبعد فشل وسائل التوجيه الأخرى.
الاحتواء والثقة
وترى ليلى بنت عبدالرضا العجمية أن الشدة الزائدة في التربية القديمة غير مقبولة، كما أن التساهل الزائد في التربية الحديثة غير مناسب أيضا، مؤكدة أن بعض المواقف تحتاج إلى الحزم، بينما يكون الحوار هو الأنسب في مواقف أخرى بحسب طبيعة السلوك والموقف.
وأشارت إلى أن التكنولوجيا أثرت بشكل كبير على الأبناء، نتيجة تقليد ما يشاهدونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، موضحة أن الجيل الحالي يحتاج إلى رقابة غير مباشرة تقوم على إشعار الأبناء بالأمان وبناء الثقة معهم.
وأضافت أنها كانت تعتمد في التربية على الحزم أحيانًا والصمت أحيانًا أخرى بحسب الموقف، مؤكدة أن التربية الحديثة ليست دائما سببا في الدلال أو ضعف الشخصية، وإنما يعتمد ذلك على أسلوب التطبيق داخل الأسرة.
ضبط السلوك
أوضح كامل بن سعيد الميمني أن أساليب التربية القديمة كانت أكثر تأثيرا في ضبط سلوك الأبناء، بينما أصبح بعض الأبناء اليوم أقل تأثرا بالعقوبة نتيجة تغيّر أساليب التربية الحديثة، مشيرا إلى أن هذا التحول فرض تحديات جديدة على الأسر في التعامل مع الأبناء.
وأكد أن الحوار والتوضيح وبيان عواقب الخطأ تُعد الوسائل الأنسب في الوقت الحالي، موضحا أن التكنولوجيا أسهمت في اكتساب بعض العادات والسلوكيات الدخيلة، مما جعل الرقابة الأسرية أكثر صعوبة وتعقيدا.
ويرى الميمني أن التربية الحديثة قد تؤدي أحيانا إلى ضعف الانضباط والدلال الزائد، معربا عن أمله في عودة قيم الاحترام والانضباط التي كانت سائدة في جيل الأمس.
الجمع بين الأسلوبين
وترى ثويبة بنت عبدالله الرواحي أن ما يُعرف بالتربية الحديثة ليس منفصلا عن التربية القديمة، بل هو امتداد وتطوير لأساليب التربية بما يتناسب مع متغيرات العصر.
وأضافت: إن التربية الناجحة يمكن أن تجمع بين الأسلوبين معًا، بحسب الموقف وطبيعة الأبناء، مشيرة إلى أن تأثير الأسرة والمجتمع والبيئة المحيطة لا يزال أقوى من تأثير التكنولوجيا في تشكيل سلوك الأبناء.
وأكدت أن الجيل الحالي أكثر وعيا وانفتاحا من الأجيال السابقة، مع ضرورة استمرار المتابعة والرقابة بين الحين والآخر، لافتة إلى أن الحوار يُعد من أجمل أساليب التربية، مستشهدة بالمثل القائل: "إذا كبر ابنك خاويه".
وأوضحت أنها كانت تستخدم أسلوب الضرب أحيانا في السابق، لكنها اكتشفت لاحقا أنه غير فعّال، مؤكدة أن سوء فهم بعض أولياء الأمور لمفهوم التربية الحديثة قد يؤدي إلى تنشئة جيل مدلل وضعيف الشخصية، مشددة على أهمية تعزيز الاعتماد على النفس، وفتح باب النقاش والحوار داخل الأسرة لمواجهة التحديات التربوية.
التوازن هو الحل
وحول ذلك أوضحت الأخصائية النفسية سهير العامري أن التربية القديمة ليست خاطئة بالكامل، كما أن التربية الحديثة ليست مثالية على نحو مطلق، مؤكدة أن التربية الناجحة تقوم أساسا على التوازن بين الحزم والرحمة.
وبيّنت أن التربية القديمة ركزت على الطاعة والانضباط وتحمل المسؤولية، إلا أنها اعتمدت في بعض الأحيان على أسلوب الخوف والشدة، وهو ما قد يترك آثارا نفسية سلبية على الطفل. وفي المقابل، ركزت التربية الحديثة على الحوار وفهم مشاعر الطفل وتعزيز ثقته بنفسه، لكنها قد تنزلق إلى الدلال والحرية غير المنضبطة إذا غاب التوازن.
وأشارت العامرية إلى أن الطفل يحتاج إلى الحب والاحتواء من جهة، وإلى قوانين وحدود واضحة من جهة أخرى، بما يساعده على بناء شخصية متزنة وقادرة على التعامل مع مختلف المواقف الحياتية.
وأكدت أن التكنولوجيا أثرت بشكل واضح على سلوك الأطفال، وقد تؤدي إلى العزلة وضعف التركيز إذا لم تُستخدم ضمن ضوابط ورقابة أسرية واعية.
وفي ختام حديثها، شددت على أن التربية السليمة لا تقوم على القسوة ولا على الحرية المطلقة، وإنما على الحب الواضح، والحدود الواضحة، والقدوة الصالحة داخل الأسرة.