يعبِّر السلام اليوم عن فكرة يشوبها الكثير من القلق والتوتر بعدما ارتبطت بالتفاوض والوساطة حتى فيما يُعد من المبادئ الإنسانية في الحروب؛ حيث أصبحت الدول تتفاوض من أجل حماية المدنيين، وحصولهم على حقوقهم الإنسانية من الغذاء والدواء والسكن وغيره، كما تتفاوض أيضا من أجل الإقناع لتطبيق القوانين، وتحقيق الحق، ودعم التعايش والحوار.
إن السلام يمُّر بمرحلة هشة ومثيرة للجدل من حيث قدرته على الصمود في وجه التيارات العسكرية والفكر المتطرف الداعي إلى الحروب والدمار.
وإذا كانت جهود الوساطة والتفاوض التي نشهدها خلال الفترات الأخيرة بشأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية تقود إلى سلام مؤقت فإنها تكشف عن تلك الهشاشة التي ما فتأت بين كر وفر بين هدوء مقلق، ومناوشات عسكرية، وتهديدات، ثم وعد بالسلام والوقف المؤقت للحرب إلى انتكاسة أخرى وهكذا. ولذلك فإن هذه الجهود لا تقدِّم حلولا بقدر ما تجعل الشعوب في حالة من المعاناة من ويلات الحرب وترقب الأسوأ؛ تُسهم في إدارة العنف بدلا من ردعه في محاولة لتأجيل الحرب أو تهدئة الأزمة، أو تفعيل تسوية ترضي جميع الأطراف، غير أنها لا تفلح سوى بإطلاق الوعود الهشة التي سرعان ما تُخترق.
وعلى الرغم من ذلك فإن في الوساطة والمشاركة في دعم حقوق الشعوب والدول؛ تعبيرًا عن المفاهيم الإنسانية التي يقودها الوعي بجوهر الحكمة والقيم التي تشكِّل فعل الإنسانية نفسه؛ وبالتالي فإن الدعوة إلى بناء السلام والمساهمة في حفظه، بل صناعته عبر الدبلوماسيات الوقائية التي تحذر من الصراعات، وتدعم الحوار والتعايش، ذلك كله سيقود إلى تحقيق التنمية في المجتمعات؛ لأن بناء السلام وتعزيز مفاهيمه يعني هدم الصراعات وإنهاء الأزمات التي غالبا ما توقف عجلة التنمية، وتؤدي إلى دمار المجتمعات وتحويلها إلى خراب.
ولعل شعار (لا صحة بلا سلام) الذي رُفع في يوم الصحة العالمي في أبريل الماضي يعبِّر عن الحقيقة المُّرة التي تواجهها المجتمعات الواقعة تحت وطأة الحروب؛ لأنه (لا يمكن للصحة أن تزدهر في غياب السلام)؛ فالحروب تدمِّر أفراد المجتمع إما بالموت أو الإعاقات أو الأمراض الجسدية والنفسية، كما تدِّمر البنية التحتية، ليصبح المجتمع خرابا، ليس فيه سوى الأشلاء والأنقاض؛ وبالتالي فإن هذه المجتمعات لا يمكنها البقاء، ولا يمكنها البناء والاستدامة.
ولهذا فإن الاحتفال قبل أيام قليلة باليوم الدولي لحفظة السلام الذي صادف التاسع والعشرين من مايو الحالي، جعل من (استثمروا في السلام)، شعارا للاحتفال هذا العام، بُغية الاحتفاء بأولئك الذين يقودون السلام، ويرفعون شعار العقل والحكمة؛ لدعم التعايش والمحبة، ورد الحروب والدمار؛ فهناك من المدنيين والعسكريين والقادة الذين يؤمنون بأهمية الاستثمار في قضايا السلام والتعايش من أجل حماية شعوبهم وشعوب العالم، ودعم حقوق الإنسان وكرامته في المجتمعات الإنسانية. إنهم أولئك الذين يستثمرون في السلام بالمال والجهد والوقت، والإيمان بأهميته في حفظ كرامة الإنسان وحقوقه.
إن دعاة السلام وحفظته ممن يخدمونه ويضحون من أجله، يتخذون التدابير لمنع النزاعات وتهدئتها ومحاولة إيقافها، ينظلقون من مسؤولية حفظ السلام والأمن في مجتمعاتهم ومجتمعات العالم؛ فهم الذين يمثلون ديناميكية البناء المنظم للسلام وفق معطيات القيم الإنسانية وفكر التوازن وحفظ الأمن من خلال مجموعة من الإجراءات والأنشطة والتوعية، وبناء علاقات دبلوماسية قائمة على فكر التسامح والتعايش والحوار البناء الذي يُعلي السلام والتسامح فوق أية نزاعات أو خلافات.
إن الاستثمار في السلام والإيمان به هو الأساس الذي يقود فكر عُمان وقادتها على مر العصور؛ فما تقوم به من جهود لدعم الحوار والاستقرار على المستوى الإقليمي والدولي يؤكد نهجها الثابت وسياستها المتوازنة التي تعتمد على الحياد من ناحية، والحوار وحسن الجوار والتفاوض السلمي من ناحية أخرى، مما جعلها قِبلة السلام والتعايش على مستوى العالم؛ حيث تُعد اليوم وسيطا دبلوماسيا أسهم مساهمة فاعلة في حل العديد من النزاعات عبر تقريب وجهات النظر بُغية الوصول إلى حلول منصفة لأطراف النزاع.
لقد قدَّمت عُمان نفسها للعالم باعتبارها نموذجا للسلام من خلال التزامها بالقوانين، ودعم جهود دول العالم الداعية للالتزام بالمواثيق الدولية، خاصة فيما يخص حماية المدنيين، وصون سيادة الدول، ونبذ التطرُّف والعنف، فعُرفت بدعمها للمنظمات الدولية واعترافها بالدور الذي تقوم به في تعزيز مبادئ السلام والتعايش والحوار، كما قدَّمت العديد من المبادرات الإقليمية والدولية التي تُسهم في تعزيز تلك المبادئ في المجالات الإنسانية المختلفة التي تحفظ كرامة المجتمعات وحقوقها وإنسانيتها.
فعمان بمواقفها الثابتة التي تتخذ من الوضوح والشفافية أساسا لها تمثِّل نموذجا دوليا لحفظ السلام وبنائه وصناعته، الأمر الذي يجعلها جبلا صامدا أمام دعاة العنف والحروب والدمار؛ أولئك الذين يتخذون من القوة والتهديد ملاذً لضعفهم، وأمراضهم الفكرية التي تصوِّر لهم أن المبادئ الراسخة يمكن أن تتغيَّر! فمن لا يعرف عُمان عليه أن يراجع التاريخ، ويعود إلى أمجاد صنعها الأجداد، وحضارة شيَّدها الآباء، وعهد متجدِّد يصنعه الأبناء بأيدي الوطن الراسخ في فكره المتعالي على الطارئ الذي سيمر على سطح التاريخ.
إن التهديد والعنف والتدخُّلات في أمن الدول وسيادتها يُعد واحدا من أبرز أشكال مقاومة بناء السلام؛ فبدلا من إنهاء الصراعات تتدَّخل الدول الداعية إلى النزعات والعنف لتوليد مجموعة من التهديدات التي تظن أنها قد تشكِّل إنذارًا للدول يستدعي تدابير تحوِّلها من منطقة محايدة ومفاوضة من أجل السلام إلى منطقة تدافع عن نفسها. إنه سيناريو مكرر لا يؤدي سوى إلى ترسيخ الصورة الذهنية للمتطرف الداعي إلى الحروب والعنف والدمار في مقابل إبراز الصورة المشرقة للدولة التي لا تحيد عن الحق والحكمة والتعقُّل؛ الدولة ذات المبادئ الراسخة على مر التاريخ.
فبناء السلام اليوم يعاني تحديات تُحاول النيل من أثره الإنساني في ظل سيطرة الفكر المتطرف الذي يؤمن بالحروب العسكرية والقوة العمياء. ولأن الدور الذي تمثِّله عُمان يُعد جوهريا بوصفها واحدة من أبرز دول العالم المتبنية لمبادئ السلام والتفاوض القائم على الحكمة والعقل والحوار، والجوهر الذي يقود الوساطات والتفاوض السلمي، والذي يدير دفة الحوار نحو السلام والتعايش ونبذ العنف؛ فإن الجهد الملقى على عاتقها سيكون أكبر وأكثر تأثيرا؛ ذلك لأن الإيمان بالسلام في ظل ما يمر به العالم اليوم سيكون القوة التي تدفع إلى حماية المنطقة وشعوبها.
إن السلام باعتباره فكرة تعاني تحديات وتناضل من أجل التفوق على منطق العنف والدمار يحتاج إلى تلك المساندة وذلك الإيمان الراسخ الذي تقوده عُمان المرتكز على أهميته في حماية الإنسانية، وصون مكتسباتها، وحق أفراد المجتمعات في العيش الكريم.
هكذا هي عُمان وستبقى دومًا قبلة السلام والحكمة، وأبرز حفظته وصُنَّاعه.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.