يبدو أن الخلاف احتدم في هذا العيد بين دعاة التجديد للتأقلم مع حرارة الطقس بتغيير وقت بعض أنشطة العيد، وبين دعاة الحفاظ على التقاليد كما هي. وكما هو في كل شأن فكري يسوق كل فريق أدلته وبراهينه ودوافعه ليثبت وجهة نظره، وذلك في إطار الأسرة الواحدة والمجتمع الواحد.
عن العيد يقول ابن دريد في جمهرة اللغة: «العيد كل يومٍ مَجمَعٍ، واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه.. وقال آخرون: بل سُمي عيدًا؛ لأنهم قد اعتادوا، والياء في العيد أصلها واو، وإنما قُلبت ياء لكسرة ما قبلها. قال العجاج: يعتاد أرباضًا لها آريُّ.. كما يعودُ العيدَ نصرانيُّ». يعود العيد، أو نعتاده، وكل مرة نستخدم العيد كما نستخدم غيره من الأحداث كمحطات قياس. نعود لمحطة العيد لنقيس الفراغات التي خلفها الراحلون. نقيس أثر مرور قطار الزمن علينا. نلتقي ونتفقد الغائبين. مرتين سألت هذا العيد عن شخصين وكان الجواب واحدًا: في الحج، لا بأس، من ذهب للحج سيعود، لكن من ذهب للغيب لا يعود.
أنا وسط جمع الأهل يسرح فكري رغمًا عني. أنظر للوجوه وأرى كيف اعتادت على الغياب؛ ربما هي لم تعتد الغياب ولا نسيَت، لكنها تساير دنيا الظاهر هذه، أما في الباطن فما يزال أثر الغياب حيًا ونابضًا.
يسرح فكري وسط الأصوات، ربما ليس الراحل نفسه مصدر الحزن، ليس الرحيل ما يحزننا، بل بالعكس يحزننا البقاء بعدهم ما ندعوه شعور الفقد؛ لأن المهمة الأصعب لا تقع على الراحل، بل على الباقي، كما قال الشاعر وينسب البيت لكثيرين: ليس من مات فاستراح بميتٍ.. إنما الميت ميّتُ الأحياء. فعلينا نحن الباقين مواصلة الحياة كأن الرحيل لم يحدث، إماتة حدث الرحيل الجارح، علينا نحن أن نحمل ذكرى الفقد ونعيش معها، حتى إذا جاء العيد لبسنا الثياب الجديدة، ومضينا للقاءات والزيارات، وحرصنا على العادات والواجبات الاجتماعية؛ لأن رهاننا على الحياة هو الأصل، وليس التأثر بالموت.
يذكرنا ابن خلدون في مقدمته أن الإنسان مدني اجتماعي الطبع، لكأن الحياة البشرية هي هذا الاجتماع المستمر الذي يتجلى أكبر تجلٍ له في العيد، وكأن الأعياد هي ذروة تجلي هذا الأصل الاجتماعي الذي تقوم عليه الطبيعة البشرية، وهي كذلك بالفعل، وما نستعيده ونتذكره في الأعياد حين نتذكر الراحلين عنا إنما هو هذه المحصلة من الجهود البشرية المتصلة للاجتماع والحياة الاجتماعية.
تلك هي مركزية وجودنا وسعينا الإنساني المشترك التي تصب فيها كل الجهود والأنشطة الفردية بمختلف أنواعها وأشكالها، حتى إن الحياة الرقمية اليوم إنما قوامها على مقدار صلتها بذلك الاجتماع البشري.
يأتي العيد ومن الأفضل التفكير فيه بدل التفكير في الفرقعات السياسية الكلامية المتعمدة لاستجلاب انتباهنا، أو السيطرة علينا عبر لغة التهديد والوعيد. لعبة سياسية مكشوفة، لكن بدل التفكير في المستنقع نحاول أن نصرف نظرنا عنه لنفكر في البحيرة السماوية الإنسانية.
جاء العيد في ذروة الحر، وابتكر بعض الناس طريقة لتجنب الحر، وذلك بتحويل عمل النهار إلى الليل بين معترض وموافق، وبين مشارك وممتنع؛ فهذا صديق ألتقيه في ليلة العيد يؤكد لي مدى خطورة هذا الاتجاه، ويسوق البراهين، وأنا أوافقه وأتفق معه، وحين أزور عمتي -وهي امرأة كنت منذ صغري ولا زلت أعتبرها إحدى نماذج المرأة العمانية التقليدية- أجدها هي الأخرى تعترض على هذا الاتجاه الذي بدأ يشيع بين الناس، وهي تعتبرها موضة، وربما كانت تقيس بها درجة تخلينا عن العادات والموروثات.
في اليوم التالي أتصفح جريدة، وأجد المراسلين يرصدون نفس التوجه في أماكن متعددة من البلاد، وأعاود التفكير في الأمر، ربما كان الناس محقين رغم الاعتراضات في تجنب الحر، وفي تحويل النشاط النهاري إلى ليلي؛ بما أنه سيضمن لهم مزيدًا من اللقاء والتعاون والتشارك، خاصة أن الزيارات أقل في الليل، لكن يبقى الاعتراض الرئيسي قائمًا وهو: من يستطيع تناول المزيد من اللحم ليلة اليوم الأول؟
إذا تركنا الزيارات التي تسم العيد بطابعها فإن الطابع الآخر الموازي للزيارات هو الأنشطة المتعلقة بالأضاحي والوجبات المتعددة من اللحوم التي تتعاون الأسرة على إعدادها أيام العيد ابتداء بذبح الأضحية وتقطيعها وصولًا إلى طرق الإعداد المختلفة، وهي العملية التي وزعها الأقدمون على أيام العيد الثلاثة مع اختلافات بسيطة من منطقة لأخرى.
يمكننا أن نفهم الموروث القديم والطرق التقليدية في التعامل مع لحوم الذبائح بوصفها طرق تخزين تقنيات إنسان ما قبل الكهرباء والثلاجات ابتداءً من التمليح الذي يرافق عملية التقطيع إلى إضافة الكركم المطحون والقرفة والبهارات إلى تعريض اللحوم للنار بالشواء أو بالدفن في التنور، أو بالتجفيف، أو بالتجميد في الدهن نفسه، أو بالتجفيف بالشمس؛ فكل عمليات إعداد اللحم تلك يبدو أن هدفها هو الإبقاء على اللحم صالحًا للأكل أطول مدة ممكنة، وكل تلك التقنيات تخدم الغرض الرئيسي، وهو حفظ اللحم من الفساد والتلف، وقد قسمها العماني قديمًا وفق أيام العيد. ونظرًا لعدم وجود الكهرباء؛ فإنه كان يقوم بهذه الأنشطة نهارًا، وقد ورثنا نحن عنه تلك العادات واعتبرناها قواعد لا تُمس بينما هي في أساسها وسيلة تكيف مع الطبيعة.
بظني أن ما يخشاه الجميع اليوم هو شيء آخر، وهم إما يجهلون ما هو، وإما لا يجرؤون على الحديث عنه، وإذا كان لي أن أتجرأ على الإجابة فإنني أظن أن أكثر ما نخشاه من أي تغيير يطال عادات العيد هو أن يفسد العيد؛ أن نفقد روح العيد، وهذا الخوف مبرر، خاصة في زمن التغيرات التي طالت أغلب العادات الاجتماعية. وإذا قسنا بقية العادات الاجتماعية التي بدأت تتخذ أشكالًا مختلفة فإن الخشية لها ما يبررها؛ ذلك أن الكثير من العادات أخذت تتجه للطابع الشكلاني وتفتقد الروح؛ حيث التركيز أكثر على المظهر في غياب لقوة اللب الحيوية، أو ما ندعوه الروح.
هل ما زال بإمكاننا الحفاظ على روح؟ لا شك أنه بإمكاننا، لكن يبدو لي الأمر من حيث أنظر إليه يعتمد اعتمادًا كبيرًا على قوتنا النفسية كأفراد، ثم كمجتمع، وتلك القوة النفسية هي الفيصل الحاسم في أي اتجاه كان.
الواقع أن المجتمعات اليوم بدأت تخشى التفكك، وتخشى أن تتحول أجيالها الجديدة عن عاداتها القديمة، وهذا الأمر له أكثر من مظهر، ولا يتعلق الأمر بالعيد وحده، لكن الواقع هو أن الأجيال الجديدة تتبع أجيالها السابقة. ومهما بدا الأمر فوضويًا في لحظة ما، أو مهددًا للاتجاه الاجتماعي العام، خاصة في هذه الأزمنة؛ فإن المجتمعات أثبتت بشكل عام قدرتها على الاستمرارية، وكل التغيرات التي تطرأ لا يكون سببها الأجيال الجديدة، بل خوف وخشية الأجيال السابقة.
التغيير سنة الكون، ومن لا يتأقلم ويتطور سيجرفه الزمن، والقديم سينهار ما لم يجدد، وبدل مواجهة التيار من الأفضل مسايرته، أن نتجدد معه، أن نحوله لدافع لإحياء ما يعنينا ويمسنا من هذه الذكريات المتفرقة عبر محطات الزمن، أن نحملها معنا للمحطة القادمة، ونسلمها للباقين، حتى إذا عادوا من جديد إلى محطة العيد عثروا بأرواحهم على روح الفرح العميق.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني