في إطار العلاقات الدولية تتصرف الدول القوية أحيانًا بثقة مبالغ فيها حمايةً لمصالحها السياسية والاقتصادية؛ حتى وإن تسبب ذلك التصرف في التأثير على الدول الأضعف.
وتستخدم لبلوغ ذلك وسائل عدة، منها التحالفات العسكرية، والنفوذ الاقتصادي، والتدخل السياسي والعسكري، والعقوبات، وهو ما يجسد سلوك غطرسة الدول (State Arrogance)؛ لأنه يأتي خارج إطار الشرعية الدولية، ودون الحصول على تفويض من المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة؛ حيث يرى الطرف الأقوى عدم حاجته لتفويض، ويتولد لديه اعتقاد بأن له الحق في إملاء رؤيته على الأطراف الأخرى مستمدًا ذلك الحق من منطق القوة لا غير.
يعد مفهوم غطرسة الدول تحولا جذريًا في العلاقات الدولية، وهو ما يفسر عدم قدرة الدول القوية على التكيف مع النظام العالمي؛ حيث تميل إلى الاعتقاد بأن نظامها السياسي، ونفوذها الاقتصادي، وقدرتها العسكرية يمنحها حق الهيمنة على الشؤون الدولية وممارسة الضغط لتوجيه مواقف الدول خدمةً لمصالحها. وبالتالي يحدث تحول جذري في الدور الذي تلعبه الأطراف القوية الذي قد يكون مدفوعًا بضغوطات داخلية وخارجية؛ حيث يبرز سلوك الولايات المتحدة الأمريكية كنموذجٍ حيٍ لغطرسة الدول في العقود الأخيرة، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في مفهوم العلاقات الدولية التقليدية إلى العلاقات الدولية المشينة ( Sordid International Relations ) التي منها مفهوم غطرسة الدول.
فور انتهاء الحرب العالمية الثانية برزت الولايات المتحدة كقوةٍ عظمى في نظامٍ عالمي لا ينافسها فيه إلا الاتحاد السوفيتي، وتمتعت بقوة عسكرية واقتصادية وتأثير سياسي لعب دورًا محوريًا في إنشاء مؤسسات دولية عديدة كهيئة الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد لدولي.
ورغم أن الولايات المتحدة استغلت نفوذها لدى تلك المؤسسات خدمة لمصالحها إلا أنه بلا شك ساهمت تلك المؤسسات في تعزيز قدر من الاستقرار والتعاون بين الدول الأعضاء.
ويتجلى الدور الأمريكي في ممارسة نفوذه وسطوته من خلال التدخل في الشؤون الداخلية للدول مثل تدخلها في كوريا وفيتنام وتشيلي وأفغانستان والعراق تارةً بذريعة حماية النظام العالمي من التهديد الذي تشكله هذه الدول، وتارةً أخرى بذريعة حماية الديمقراطية، ومنع انتشار أنظمة سياسية أخرى كالشيوعية، أو انتشار أسلحة الدمار الشامل، متجاهلةً بذلك سيادة الدول الأضعف ورغبات شعوبها.
ويعد الغزو الأمريكي للعراق مثالًا للغطرسة الأمريكية مدعومًا من بعض حلفاء الولايات المتحدة كبريطانيا؛ حيث وضع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن باقي الدول بين خيارين «إما أن تكونوا معنا، وإما أن تكونوا مع الإرهابيين» مدعيًا امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل مما جعل بعض الدول ترى بأن الولايات المتحدة تتصرف بشكل أحادي ودون تفويضٍ من المنظمات الدولية مستغلةً بذلك نفوذها وقوتها العسكرية مقاومةً للمجتمع الدولي، ومظهرةً عدم ثقةٍ في دور المنظمات الأممية ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليها، وأضر بسمعة الولايات المتحدة وسياستها الخارجية التي طالما حافظت بها على استقرارٍ عالمي وهدوءٍ نسبي لافت.
قد يكون أحد أهم العوامل التي ساهمت في غطرسة الولايات المتحدة تحول النظام العالمي بعد الحرب الباردة إلى نظام دولي أحادي القطب ما منح الولايات المتحدة هيمنة مطلقة، غير أن هذا لم يدم طويلًا في وقت يشهد فيه العالم صعودًا متناميًا للصين، ونفوذًا أكبر لروسيا اتضح من خلال تدخلها في أوكرانيا في فبراير 2022 دون تفويض دولي.
ورغم ما تكبدته الولايات المتحدة من خسائر واستنزاف في حروبها في أفغانستان والعراق لم تكن الدبلوماسية والشراكات الدولية خيارًا أوليًا لواشنطن، وهو ما تبين في تعاطيها مع الشأن الإيراني مؤخرًا، فاختارت الخيار العسكري في وقت كادت فيه المفاوضات التي جرت برعاية عمانية تفضي إلى اتفاق. ومرةً أخرى لم يأت الخيار العسكري بأي نتيجةٍ معلنة، بل أضر بالمنطقة ككل. وكانت واشنطن قد حاولت قبل ذلك ضم كندا بعيد انتخاب دونالد ترامب في أواخر 2024 بعد موجة من التهديدات الجمركية ومطالبة كندا بزيادة إنفاقها العسكري. تلا ذلك محاولات لضم جرينلاند منذ مارس 2025 هدفها الأساسي السيطرة على منطقة تمكن الولايات المتحدة من مراقبة الأنشطة الاقتصادية والعسكرية بين القارات الثلاث (أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية).
وكان قد سبق ذلك اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته في يناير 2025 ونقلهما إلى نيويورك لمحاكمتهما بتهمة تهريب المخدرات، وهي جملة من التصرفات التي مارستها واشنطن في إطار الهيمنة والغطرسة مدفوعةً بقدراتها العسكرية التي قد يبالغ في تقديرها في بعض الأحيان؟
وبالتالي تأتي الغطرسة الأمريكية في إطار تحول جذري في العلاقات الدولية التقليدية إلى العلاقات الدولية المشينة التي من صورها كذلك ما يسمى بأنانية الدول (State Selfishness)، والانتهازية ، واللاأخلاقية ، وهي ممارسات تتسم بانعدام الثقة والاستغلال، وهي تضعف التعاون بين الدول، وتزعزع استقرار النظام العالمي، وتؤدي إلى انهيار تحالفات وإلى نشوب حروبٍ وسباق تسلح، وتراجع لافت لدور المؤسسات الدولية؛ وبالتالي تقوض السلام العالمي، وتؤثر سلبًا على الأنشطة التجارية وأسواق الطاقة، وتنسف ما تبذله الدول مجتمعة تجاه قضايا ذات أهميةٍ قصوى كالأمن والمناخ.
ختامًا.. يمكن القول: إن سعي الدول للهيمنة على النظام العالمي يقوض السلام والاستقرار والتعاون الدولي، وتتحقق بهذا النهج المصالح بصورة فردية على حساب الاحترام المتبادل والعدالة الدولية، وتتفاقم بذلك التوترات التي تؤدي إلى نشوب صراعات وحروب.
حينها تدرك الدول الأقوى أن الدبلوماسية واحترام سيادة الدول هي السبيل الأمثل نحو نظام عالمي أكثر توازنًا تتحقق من خلاله المصالح في إطار جماعي، وتصان فيه الحقوق لا من خلال الغطرسة والهيمنة، بل من خلال قيم العدالة واحترام أسس ومبادئ العلاقات الدولية.
سعيد البيماني كاتب عماني