1- نبّهته بعد أن ترجّل عن سيارته وهمّ بالمغادرة: «إنك تقف في الموقف الخطأ. لاحظ أن هناك لافتة كُتب عليها عبارة: «مخصص لذوي الإعاقة». 

ردّ دون اكتراث: «قرأتها ورأيت أنه مرسوم عليها أيضًا كرسي للمعاقين، لكنني معاق مثلهم! هل تصدّق ذلك؟ إننا جميعًا معاقون، هم في أرجلهم، وأنا داخل رأسي!!». 

سكتُّ لبرهة، ففهمها الرجل وواصل: «ستظن أنني مجنون، لكن الحقيقة أن العالم هو المجنون، انظر حولك، شاهد كيف تعم الفوضى كل أرجاء الكون، اسأل نفسك كيف يتصرف بعض الحمقى والمأفونين، وكيف تُنتهك القيم الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية بفعل الغطرسة والاستقواء. 

أما بالنسبة لأخيك الصغير الذي يقف أمامك الآن؛ فإن رجليه سليمتان وكذلك يداه، لكنه يشكو من إعاقة خفية لا تُبصرها الأعين، وهي تستحق المراعاة، و«عشان كذاك كل يوم راح أسفط سيارتي في الموقف». 

قلت له: «لكنهم سيخالفونك». 

رد: «ما مشكلة»، ثم أغلق سيارته بالمفتاح الإلكتروني، ودخل إلى محل الصرافة دون أن يلتفت للوراء. 

2- خرجتُ من محل التسوق في البلدة متجهًا نحو سيارتي. كانت درجة الحرارة تلامس الـ45 درجة مئوية، فوجئت بالرجل الذي حاولت التهرب منه في وجهي، سلّمتُ عليه باقتضاب خشية أن يعاود فتح أسطوانته التي سمعتها منه مرارًا وتكرارًا. ناشدته عن الصحة والأحوال، وبدون تردد: «لو شفتني من أسبوعين ما أتقول هذا نفس الرجال اللي تو جالس تكلمه». 

استشعرت حوارًا فارغًا من المعنى، سيسجنني في الشمس الحارقة لفترة طويلة، حوارًا لن يخرج عن سرد الأوهام نفسها التي يعيشها مُذ عرفته حول الحسد، واستهدافه من قِبل السحرة المتربصين، وجيران السوء الذين يرصدون حركته ليلًا ونهارًا، وإزعاج الجن في بيته. 

فكرت في التخلص من قبضته، أوهمته أنني مستعجل، وأنه يمكنني سماع قصصه في وقت لاحق، كانت طاقة سلبية قد بدأت تتصاعد إلى رأسي، وإحساس بالإرهاق الذهني يحاصرني من كل الاتجاهات. 

3- قطعتُ عليه حديثه وبلا مقدمات: «هل سبق أن عرضت زوجتك على طبيب نفسي مختص؟». 

قال: «لا، ولن أعرضها ما دمت حيًا، لن أضعها تحت رحمة العقاقير النفسية التي ستوصلها حتمًا للإدمان، غير ذلك ماذا سيقول الناس عندما يعرفون أنها تراجع طبيبًا نفسيًا؟». 

نعم، فشلت كل محاولات المعالجين الشعبيين و«المعالمة» من تحقيق أي نتيجة حتى الآن رغم أنني صرفت ما يقرب من 2000 ريال عُماني، لكن الإنسان لا ينبغي أن ييأس. لقد وُصف لي معالج «شاطر» في الشرقية لم يعالج حالة إلا وشُفيت بإذن الله تعالى، وسنذهب إليه الأسبوع القادم. 

مرّ عام على ذلك الحديث، وفي مُصلى عيد الأضحى التقيت الصديق العزيز نفسه. سألته عن حال زوجته وأين وصلت زياراته «للمعالمة». فاجأني أنها تحسنت كثيرًا، وخرجت من حالة الاكتئاب التي لازمتها، ووضح: «ولدها شلّها الطبيب بدون علمي، وبدت توخض العلاج، وتوها بخير وعافية». 

ثم أضاف: «لكن مو دراك يمكن واحد من المعالمة نفعها؟!!». 

عُمر العبري كاتب عُماني