كانت الحرب العالمية الأولى قد شارفت على نهايتها أواخر العام 1918. وكانت دمشقُ على موعد مع أهم تحول جيوسياسي سيشهده «العالم العربي» الذي بدأ يتشكل حينئذٍ تبعًا لنتائج تلك الحرب الكارثية التي انتهت بسقوط الخلافة العثمانية. دخل الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق تحت حماية البريطانيين في أكتوبر من ذلك العام، وفي دمشق أعلن قيام أول حكومة عربية في بلاد الشام عقب جلاء الحكم العثماني.
كان العثمانيون قد تركوا وراءهم أربعة قرون ثقيلة بدأت مع هزيمة المماليك على يد السلطان سليم الأول في القرن السادس عشر. وكان حتميًا أن يخلف وجودهم الطويلُ وتغلغلُ سلطانهم في مختلف شؤون الحياة عُجمةً في لسان الناس لا تبرأ إلا بثورة ثقافية جادة على الإرث اللغوي الاستعماري. فقد عانت العربية من الضعف وتراجع مكانتها في الإدارة والتعليم في ظل تسيد اللغة التركية؛ فكُتبت المكاتيب والوثائق بالتركية أو بالعربية المكسرة، وكذا كان الحال في سائر الدواوين ومؤسسات الخدمة العامة ودوائر الحكم والعسكر. بل بلغ الهوان والضعف بالعربية أن كانت قواعدها تُدرَّس باللغة التركية من قبل معلمين أتراك! كما شهدت السنوات الأخيرة من حكم العثمانيين استعداءً مبالغًا فيه للغة العربية، وذلك مع صعود سياسة التتريك التي قادتها جمعية الاتحاد والترقي بعد انقلابها في إسطنبول على السلطان عبدالحميد الثاني عام 1908. هكذا واجهت الدولة العربية الناشئة في سوريا فراغًا لغويًا عقب جلاء العثمانيين، فكان لا بدَّ من إعادة الاعتبار للغة العربية؛ لتكون لغة سيادةٍ وحكومةٍ وتعليمٍ وتداول بين الناس، لا لغةً للمخطوطات ودروس العلوم الدينية في الكتاتيب فحسب. ولمَّا كان تعريب لغة الخطاب الرسمي والمصطلحات الإدارية والسياسية والعسكرية الهمَّ الأول لحكومة فيصل فقد أمر بإنشاء عدة لجان كُلفت بالترجمة والتعريب، وتأليف الكتب المدرسية، وتعليم اللغة العربية، ونشر الثقافية الأدبية بين الموظفين. وكانت مهمتها السياسية والثقافية الأهم تتمثلُ في تنقيح المعجم الرسمي والشعبي من الكلمات التركية، وانتقاء كلمات عربية تحل محلها. إلا أن اختلاط الأعمال والصلاحيات بين اللجان دفع الأديب المؤرخ محمد كرد علي إلى تطوير الفكرة، فاقترح على صديقه الحاكم علي رضا باشا الركابي إنشاءَ مجمع مرجعي يعتني باللغة العربية، ويجمع مهام تلك اللجان وينظمها «أسوةً بما هو معروف عند الغربيين ولاسيما في فرنسا» كما جاء في الكتيب التعريفي الصادر عن مجمع اللغة العربية بدمشق عام 2009 احتفاءً بمرور قرن كامل على تأسيس المجمع.
استحسن الحاكم مشورة محمد كرد علي، فأصدر قراره في الثامن من يونيو عام 1919 بإنشاء «المجمع العلمي» الذي سيعرف لاحقًا بـ«مجمع اللغة العربية بدمشق» أول مجامع اللغة العربية في بلاد العرب. وسيصبح محمد كرد علي منذ ذلك الحين أول رئيس للمجمع ومؤسسه الفعلي مع نخبة من أعلام عصره وعلمائه. وكان الأثر الملموس للمجمع يتجلى للأوساط الثقافية والعلمية عبر ما تنشره «مجلة المجمع العلمي العربي» التي صدر عددها الأول عام 1921 قبل أن يتغير اسمها مع تغير اسم المجمع لتكون «مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق». وعلى خطى دمشق؛ لم تتأخر بيروت في إنشاء مجمع لبناني نهض بتأسيسه الأديب اللغوي عبد الله البستاني عام 1928 وكان أول منتخب لرئاسته، ثم جاء بعده مجمع القاهرة عام 1932، وتلاه المجمع العراقي عام 1947. وهكذا أخذت الفكرة تُنتسخ من دمشق لتطبَّق في عدة أقطار وعواصم عربية تتالت مجامعها اللغوية فيما بعد. ذاع الصيت المجمع الدمشقي في الأقطار العربية عام 1944 عندما نظم مهرجانًا أدبيًا كبيرًا لا سابق له في تاريخ الأدب العربي؛ مهرجان يحتفي بمرور ألف عام هجري على ميلاد أبي العلاء المعري. قيل آنذاك: إن المصريين كانوا سباقين لهذه الفكرة عازمين عليها، لكنهم تنازلوا عنها إكرامًا لدمشق ومثقفيها السباقين بإنشاء أول مجمع للغة الضاد، وإكرامًا لذكرى شاعر المعرة. وقيل أيضًا: إن ضيوف المعري تناولوا الطعام نباتيًا في ذكراه. افتتح رئيس الجمهورية شكري القوتلي المهرجان في دمشق. وحضره وفد مصري على رأسه طه حسين وأحمد أمين وعبد القادر المازني. وشارك فيه نخبة من أدباء العرب وشعرائهم وضيوف من الهند وإيران بالإضافة إلى مستشرقين من فرنسا وإنجلترا. وطاف المهرجان بحلب واللاذقية ومعرة النعمان حيث ألقى الجواهري قصيدته الشهيرة:
قِفْ بالمعَرَّةِ وامسَحْ خَدَّها التَّرِبا
واستَوحِ مَنْ طَوَّقَ الدُّنيا بما وَهَبا
واستَوحِ مَنْ طبَّب الدُّنيا بحكْمَتَهِ
ومَنْ على جُرحها مِن روُحه سَكَبا
لم نعد نسمع الكثير عن المجمع وأخباره في السنوات الأخيرة، لكننا نعرف حتمًا أنه إحدى علائم صمود العربية مهما تقلب الزمان وتلون هناك في العاصمة الروحية للعروبة، وفي مكان قريب من الجامع الأموي. فقد صمد في ظل الانتداب الفرنسي، واستمر في عطائه رغم الانقلابات والكوارث السياسية التي حلت بسوريا منذ قيام الدولة الحديثة فيها. وما زالت أباحثه ومعاجمه ومخطوطاته المحققة تذكرنا بأفضال دمشق وعلمائها المعاصرين على كل من يكتب بالعربية اليوم.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني