ممدوح عبد الستار 

تبدأ رحلة الكهل في رواية «الكهل الذي نسي» لسمير قسيمي من مفارقة يطرحها العنوان؛ حيث يقترن الكهل بصفة النسيان، ليعلن النص منذ البداية عن ضياع الخيط الرابط بين الحكمة والذاكرة. تشكل الاقتباسات الافتتاحية العتبة الأهم؛ فقول «ساراماغو»: «أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، لكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك»، يضعنا مباشرة أمام ثيمة محو الاسم وتحوله إلى قناع تفرضه السلطة أو المجتمع. يتجلى هذا المحو في تحول البطل داخل المصحة إلى مجرد رقم 362/ج، حيث يرفض الطبيب مناداته باسمه، مفضلا رقمه الغريب. إن السؤال الأول الذي يطرحه الطفل البطل في ذاكرته: «من جاء أولا.. أنا أم اسمي؟»، يعكس صدمة الوعي بأن الوجود الإنساني سابق للتسمية، لكن النسيان يقلب هذه الآية. يربط «سمير قسيمي» بين نسيان الفرد ومحو تاريخ بأكمله، فالبطل الذي نسي نقطة النهاية، هو نفسه الكهل الذي يحاول استعادة وجوده عبر فعل الكتابة. إن العنوان «الكهل الذي نسي» يتناص دلاليا مع خاتمة الرواية بعنوان «الكهل الذي تذكر أخيرا»، مما يجعل الرواية رحلة دائرية، تبدأ من نقطة التيه وتنتهي باستعادة الاسم الحقيقي «سمير قسيمي»، بعد أن أدرك أن «النسيان لم يكن ضياعا، بل كان ضرورة.. ليجد البداية الحقيقية».

النص بين فضاءين: فضاء المصحة البارد، وفضاء الذاكرة المشتهى في شارع طنجة. المصحة هي فضاء المحو حيث الجدران «تنبض بخفوت كصدر محتضر»، وحيث تسلب الهويات وتستبدل بالأرقام. أما شارع طنجة وعمارة الوصفان، فهما يمثلان الوجود الضائع الذي يحاول الكهل استعادته. يبرز الزمن هنا كبنية لا تسير في خط مستقيم؛ فهو زمن دائري يشبه رسمة الثعبان الذي يعض ذيله. الربط بين السنوات الكبرى (1979، 1988، 2002) يمنح الرواية ثقلا واقعيا؛ فمن صمت الطفولة المريب عام 1979، إلى رصاص أكتوبر 1988 الذي «قتل طفلا بداخله»، وصولا إلى مرحلة الوئام المدني التي لم تكن سوى هدنة هشة. المكان في الرواية كائن حي، فعمارة الوصفان «تختفي حين نتوقف عن ذكرها»، مما يشير إلى أن الوجود مرتبط بالذاكرة والقول. الكهل في رحلته يبحث عن مفتاح في جدار صدئ، ليكتشف أن المكان ليس مجرد جغرافيا، بل هو مستودع للأنفاس والصرخات المنسية التي يحاول «العقيد» طمسها. هذا الفضاء الزمكاني المتداخل يعكس تيه الإنسان الجزائري بين ماضٍ ممنوع من التداول وحاضر مجهول الملامح؛ حيث يصبح البحث عن عمارة الوصفان هو البحث عن الوطن الحقيقي المفقود خلف ركام سنوات الجمر.

تهيمن الرموز الهندسية على دلالات الوجود والعدم في الرواية؛ النقطة هي البداية والمنتهى، والدائرة هي السجن الوجودي الذي يبتلع الشخوص. يصف البطل رسمه للدائرة قائلا: «كان ثعبانا يتحرك.. يعض ذيله.. في رسم دوائر تصغر حتى اختفى في نقطة». هذه النقطة التي نسيها الكهل هي مركز هويته؛ فمنها تبدأ القصة ومنها تنتهي. أما دائرة الكتاب المجهولين، فهي الثيمة المركزية التي تعبر عن حالة المثقفين الضائعين في صحراء الرفض، حيث يدمنون الفشل المريح. النسيان هنا ليس مجرد فقدان للمعلومات، بل هو «رحمة مريرة» يمنحها «عبدالله طرشي» للأطفال ليخلصهم من عبء الطفولة. الرواية تطرح سؤالا: هل نحن ذاكرتنا، أم أسماؤنا، أم أفعالنا؟. الكتابة في النص تظهر كتيمة خلاص من هذا العدم، فالبطل يكتب لكي «لا يتلاشى في عيون الآخرين كهمس تبتلعه ضوضاء المدينة». إن الكلمة المراقبة تفقد شكلها عند النطق لتصبح «ضجيجا أبيض»، وهذا يعكس فلسفة النص في أن الحقيقة المطلقة تكمن في المسكوت عنه، وفي اللحظة الفاصلة بين نفس وآخر؛ حيث «يتوقف الزمن داخليا وتُفتح نافذة السر». النتيجة هي أن الوجود لا يستعاد إلا باختراق هذه الدوائر والعودة إلى النقطة الأولى التي نسيها الكهل عمدا أو قسرا.

يمارس «سمير قسيمي» في هذا العمل عملية تفكيك لفعل الكتابة نفسه، حيث تصبح الرواية «ميتا-رواية» تتأمل ذاتها. البطل المريض 362/ج يُؤمر بالكتابة كجزء من العلاج، لكن الكتابة تتحول إلى خريطة للخروج. يبرز تفكيك الأقنعة من خلال تعدد الهويات السردية؛ فسمير المريض هو نفسه «عبدالله طرشي»، وهو نفسه الكاتب الفاشل الذي يرى في مخطوطاته «شواهد قبور رقمية». يعترف البطل: «أنا لست الكاتب الذي يتخيله.. ولا أريد أن أكونه»، ومع ذلك يجد نفسه مجبراً على صياغة سيرته الأخرى. فعل الكتابة هنا هو قناع للمقاومة؛ فالكاتب ينسى لكي يستطيع أن يكتب، وكأن الذاكرة الحقيقية عائق أمام الخيال. «سمير قسيمي» يفكك صورة المؤلف العليم ويستبدله بـالراوي غير الموثوق الذي لا يعرف حتى اسمه الحقيقي. تنتهي اللعبة السردية باكتشاف مذهل في الخاتمة: الكهل الذي نسي هو نفسه «سمير قسيمي» الذي يكتب الرواية التي بين أيدينا، مما يكسر الجدار الرابع بين النص والواقع. بهذه التقنية السردية، لا يفكك «سمير قسيمي» قناعه فحسب، بل يفكك يقين القارئ أيضا، ليجره إلى منطقة التيه ذاتها التي يعاني منها البطل. لتصبح الكتابة اعترافا صامتا وطقسا للمحو، وهي الوسيلة الوحيدة لتجاوز حالة الفشل المريح التي يفرضها النظام السياسي والثقافي على الفرد، ليكون الحل النهائي هو هدم كل شيء لإعادة بنائه من جديد.

أقنعة السلطة: شخصية «العقيد» و«الطبيب»

تفكك الرواية قناع السلطة المطلقة المتمثلة في شخصية «العقيد»؛ ذلك «الشبح» الذي يبتلع الأسماء ويمنح الأرقام. العقيد لا وجه له، ولا اسم له، وهو رمز للنظام الذي يعمل ببساطة: «يمحو، ثم يكتب من جديد، ثم ينسى أنه محا». أما الطبيب ياسين بلقاسم، فهو قناع العلم الذي يخدم السلطة، لكنه يبدأ في التفكك حين يتماهى مع المريض؛ حيث يكتشف أن الخط الفاصل بين العاقل والمجنون أكثر هشاشة مما نتخيل. يمارس النص نقدا للسلطة التي تحاول إعادة برمجة العقول كما يُبرمج الكمبيوتر، معتبرة أن الكلمات أخطر من الرصاص. إن تفكيك الأقنعة هنا يصل إلى جذور التاريخ؛ فالمؤرخ «مصطفى أمت» يُقتل في السجن؛ لأنه حاول نبش الحقيقة الموءودة خلف الإساءة لرموز الثورة. السلطة في «الكهل الذي نسي» تخاف من الكلمة المكتوبة لأنها خيانة لثغرة الصمت التي بنيت حولها الدولة. بهذا، تصبح الرواية مواجهة بين عقل الكاتب اللاهث وراء الحقيقة، وجدار السلطة الذي يحاول فرض النسيان كقانون وحيد للبقاء. الشخصيات كلها -سمير، عبدالله، الطبيب- هي في جوهرها أقنعة لمواطن واحد يحاول النجاة من دائرة العقيد الخانقة.

في الفصل الأخير من تفكيك الأقنعة، يلجأ قسيمي إلى التناص الثقافي كأداة لاستعادة الجذور المسلوبة. رموز «التيفيناغ» الأمازيغية التي تظهر على جدار عمارة الوصفان وعلى ساعد خديجة، هي

اللغة المنسية التي لا يفك شفرتها إلا المنبوذون تاريخيا. جملة «أغالو أمت» ليست مجرد خرافة، بل هي وشم في الذاكرة الجمعية يُعلن أن «الاسم أقوى من الموت». يتناص النص مع الأدب العالمي ليعكس حالة الغربة والاحتقار التي يعيشها الفرد في واقع عبثي؛ فالبطل يقرأ رواية «الغريب» في محاضرة القانون تعبيراً عن انفصاله عن القوانين التي تشرعن المحو. تبرز الحمامة البيضاء كقناع للرسالة الملهمة التي تأتي من «خديجة» (الذاكرة/الأنثى/الجذور) لتواجه الثعبان..(الزمن/ النسيان/ السلطة). إنَّ التفكيك الثقافي في الرواية يعيد الاعتبار لـ«أغالو» الذي سقط من التاريخ الرسمي بسبب لونه وأصوله، مما يجعل البحث عن الاسم الحقيقي فعلا ثوريا ضد العنصرية الثقافية المبطنة. تنتهي الرواية بتفكيك قناع النسيان نفسه، معتبرة إياه ضرورة للكتابة، فلكي تكتب سيرتك الحقيقية، عليك أولا أن ترفض الأسماء التي أطلقوها عليك، وتستعيد وشمك الخاص الذي نقشته الأرض قبل أن يمحوه البشر.