بشرى خلفان
مليون ريال والله يا خالد، تسمح لي أناديك خالد بلا ألقاب؟
مليون ريال!أصدقك القول، كاد قلبي أن يقف عندما سمعته يقول: «مليون ريال».
أتعلم كم يعني المليون؟ كم صفرا فيه؟
نعم، أنت تعرف، بالتأكيد تعرف، أنتم كبرتم متمرغين في النعمة، أما من كان مثلنا فمليون ريال كثير عليه، كثير جدّا، والله حتى الألف كثير إن أردت الحق، لكن المليون هو المليون، أصفاره كثيرة، قبله ما رأيت غير صفرين، ومرة واحدة فقط أعطاني سيدي شيكا بثلاثة أصفار.
في اليوم الذي استلمت فيه الشيك، أحسست -سامحني الله- أني وعمك صرنا كتفا بكتف، ما عدتُ بحاجة لأن أقول له «سيدي» قبل كل كلمة أنطقها؛ تفضل سيدي، حاضر سيدي، إن شاء الله سيدي، لبيك سيدي، تمام سيدي. أقول لك الحق، عندها فقط استطعت أن أرفع رأسي ولو قليلا، وأُطيل النظر إلى البيت الذي خدمت فيه عمري كله دون أن أجرؤ على تأمُّل تفاصيله.
لكن والله يا خالد، أظنك تسمح لي بمخاطبتك خالد دون كلفة، صحيح؟ أربعين عاما لم أرفع رأسي وأنظر إلى وجه سيدي ولا المدام الكبيرة ولا حتى المدام الصغيرة. أنت تعرف أنها بالذات ستقتلني ولن تهتم. ركلة تايكواندو واحدة تكفي لأسقط مغشيّا عليَّ، وربما رقدت في المستشفى أسبوعا أو اثنين.
عندما كانت المدام الصغيرة في السابعة، لم يأتمن سيدي أحدا غيري عليها، فكنت أوصلها بنفسي إلى النادي في فندق الإنتركونتيننتال، بلباسها الأبيض وحزامها الذي تغيرت ألوانه وهي تكبر من الأبيض إلى الأصفر ثم الأزرق حتى وصلت إلى الأسود، فأقامت لها المدام الكبيرة حفلا خاصّا بفتيات نادي التايكواندو في الحديقة الخلفية للقصر، حضرته البنات ببزاتهن البيضاء وأحزمتهن الملونة وتناولن السوشي. أنت تعرف السوشي يا خالد؟ أكيد تعرفه، سمك نيء مع القليل من الرز ومغلف بالطحالب، هكذا أخبرني الطباخ عندما سألته. أنا لا أعرف الطحالب وما سمعت عنها من قبل، إلا أنه قال إن هذا أكل اليابانيين فجربته، ولو سألتني -أستغفر الله- هو أكل يعافه الكلب.
عندما تعود المدام الصغيرة إلى البيت تبدأ في التمرن علينا؛ ركلات وضربات في كل من تصادفه، عمال البيت والحديقة، السائقين، الطباخين، حتى مربيتها، وسيدي يراقبها ويضحك حتى تدمع عيناه.
لكنها طيبة، صدقني، حتى إنها كانت في الأعياد تناولني بطاقة في مغلف، بطاقة صفراء صغيرة، عليها وردة، تقطفها من حديقة المنزل، ثم تجففها وتلصقها في ورقة، أما في الداخل فتكتب بخط متعثر مثل خطي «عيد سعيد».
فتاة طيبة ولطيفة، لكنها مثل أبيها حريصة، لم ترفق تلك الكلمة يوما بعشرة ريالات ولا حتى بريال. علَّ ذلك كان من حسن الخلق، فأنا رجل كبير، لا يقبل العيدية مثل الصغار، لكن أكانت الريالات العشرة ستفقرهم؟
عندما أبلغت سيدي بنيَّتي في الاستقالة، لم يمانع، لكنه قال: «انتبه يا ولدي». تعرف أنه رجل متواضع، ودائما يخاطبني بـ«يا ولدي»، لكني أقول له: «يا سيدي»، فنحن نعرف أيضا كيف نحفظ المقامات. المهم، قال لي: «يا ولدي، لا تغرَّك الفلوس، كن حريصا واستثمرها في شيء مفيد».
سيدي لا يعرف أن مليوني يختلف عن مليونه. مليوني جديد ويحرق راحة اليد، فما استطعت القبض عليه طويلا. أما مليونه فقديم، قديم منذ أكثر من أربعين سنة. ثم أنت تعرفه، لا يترك مصباحا مضيئا في البيت؛ فإن دخل غرفته لينام أطفأ مصابيح البيت كلها. حتى الطباخون اشتكوا من أنه يعد الصحون والشوك والملاعق كل جمعة، أما الطناجر فوضع أرقاما لها. لكن والله، وحتى أقول الحق، سمعت ذلك وما شهدت.
في بداية السبعين هبطت إلى مسقط مع خالي علي. كنت صغيرا، ربما ابن اثني عشر أو ثلاثة عشر، لاقانا رجل من معارف الخال في دكان مراد مال الله، بائع الأقمشة، أمي كانت قد أوصتنا بقماش «بو ربية»، أتذكره قماشا سماويّا بدوائر صفراء، خاطته أمي لفتحية أختي الصغيرة، التي لبسته يوم العيد ثم أصابتها الحمى وما لبثت أن ماتت. قالت أمي أكلها السحرة، واتهمت حبّوه سلامة. حبّوه سلامة ما تركت أحدا من الصغار في تلك الأيام إلا أكلته.
المهم أن ذلك الرجل أخبر خالي عن وظائف في الحكومة، قال: «من عرف كتابة اسمه يصبح كاتبا أو موظفا، ومن لم يعرف يعمل سائقا أو مقهويا». قال: إن المقهوي راتبه عشرون ريالا. عشرون ريالا في ذاك الزمان كثيرة يا خالد، ونحن مساكين.
بعد العيد رجعت مع خالي إلى مسقط، وقدمنا لوظيفة، قُبل خالي سائقا في وزارة الشؤون الاجتماعية، وأنا مقهويا في مكتب سيدي، لكن ما لبث الخال أن ترك وظيفته وعاد إلى البلاد واشتغل في الصيد حتى مات.
أما أنا فكنت صغيرا، لا زوجة ولا ولد. طابت لي الحال في مسقط، تعودت على الدشداشة النظيفة والفراش الطيب، وفهمت مزاج سيدي فكان راضيا، وأرسلني إلى دورات لتعليم العربية والإنجليزية والطباعة. صرت أعرف كيف أرد على التلفونات وأسجل الملاحظات وأطبع الرسائل، حتى اسمي صرت أعرف كتابته بالإنجليزي، لكن أقول الحق، ما تمكنت منها، صح أفهمها وأعرف كيف أقول بليز، يس، وهاي، وماي دير، وثانكيو، لكن هذا كان جل ما تعلمته.
لكن خبرني يا خالد، كيف نفد مليوني ومليونكم لم ينفد، بل يزيد ويزيد؟ هل مليوني حرام ومليونكم حلال؟ لا والله ما أظن، أنا على الأقل اشتريت وبعت، وأنت ماذا فعلت؟ وجدته ينتظرك في حسابك البنكي.
أعرف أنك ورثته عن أبيك -رحمه الله- كنت أعرفه رجال طيب، لكن هو من أين ورثه؟ سمعت أن جدكم الكبير كان حَمَّارا، وما رأيت أباك، رحمة الله عليه، إلا وهو سكران.
عندما وثق بي سيدي حولني إلى خدمة البيت، أنا ما اعترضت؛ فالراتب كان أكبر والعمل عند سيدي شرف في أي مكان، لكن خدمته في البيت مهمة صعبة بل أصعب منها في المكتب.
هكذا رقَّاني سيدي، وعينني سكرتيرا لأم قيس، أكون في خدمتها وأسهِّل أمورها وأتواصل بدلا عنها مع المحلات وأرتب إرسال الورود والشكولاته لبيوت الوزراء والسفراء وأساعدها في ترتيب الحفلات.
كنا نسميها المدام، هكذا علموني. أما هو فنقول له سيدي؛ لأنه عسكري خدم في الجبل وفي ظفار، وهي نقول لها المدام، كانت صغيرة جدا يوم تزوجها، وأنا الذي زففتها في المرسيدس الحمراء، كانت صغيرة يا خالد وجميلة، مثل دمية.
كان سيدي من عمر أبيها، بل ربما تجاوزه، ويُقال: إنه كان متزوجا من امرأة في ظفار، لكنها ماتت من دون أطفال أو أنه طلقها. لست متأكدا، غير أني كنت معه عندما رآها تهبط من باص المدرسة في مريولها الحليبي. أمر السائق فتبعناها، وصار يرسلني بالهدايا إلى بيتهم موسومة بالحروف الأولى من اسمه وبالتاج يعلوه.
المهم أننا ليلتها سكرنا وغنينا ورقصنا حتى الصباح على أغاني أبو بكر سالم وسالم راشد الصوري، وبعد أسبوع سافر بها إلى لندن.
كان سيدي يراعيها كأنها ابنته، وعلمها كل شيء، كيف تأكل بالشوكة والسكين، كيف تلبس، كيف تتكلم، وهي كانت صغيرة وتستوعب، تعلمت بسرعة، وصارت مثل أصدقائه الإنجليز؛ تلبس مثلهم وتتكلم مثلهم وتأمر وتنهي مثلهم، وعندما أنجبتْ له سيدي الصغير أحضر له مربية إنجليزية، أما المدام الصغيرة فأحضر لها امرأة فرنسية يقولون إن أصولها من الجزائر، عربية، غير أنها لا تتكلم مثلنا، ثم ما لبثت أن تركت الوظيفة بعد أن حصلت المدام الصغيرة على الحزام الأسود.
أتعرف؟ أنا اشتريت الأرض قبل ثلاثين عاما بما ادخرته من راتبي، أرض كبيرة، فكرت في أن أقيم فيها مزرعة، وأبني فيها بيتا وأتزوج من حسنة بنت خالي، لكن حسنة تزوجت بصالح ابن عمتها، وأنا بنيت بيتي في مسقط، على أرض مساحتها أربعمائة متر في الخوض، حصلت عليها من وزارة الأراضي في ذلك الزمن بتزكية من سيدي، والأولاد جاؤوا من امرأة أخرى.
أولادي تعلموا في أستراليا وكندا، خالد طبيب وقيس مهندس، شرف لي أن سميتهما تيَّمنا بكما، أنت وابن عمك، سيدي الصغير.
خالد تزوج وأصبح استشاريّا ألتقيه في الأعياد وأحيانا يأتي أيام الجمع، أما قيس فيعمل في شركة نفط، يتنقل بين إفريقيا وهولندا، ولا أراه إلا عندما يعود في الإجازات. وعندي بنت، فتحية، سميتها على عمتها التي ماتت في ثوبها أبو ربية، لكنها عندما كبرت قالت هذا الاسم لا يعجبني وغيرته إلى سارة. قل لي أنت أيهما أجمل؛ سارة أم فتحية؟
المهم، البنت درست في جامعة السلطان قابوس، ثم أحبت أستاذها الكندي، حاولت أن أمنعها لكنها سافرت وتزوجته في بلاده. بعد ذلك أخذت الجنسية وبعثت لي جوازها الأحمر بالبريد كي أسلمه إلى الشرطة، وأنا سلمته وجبيني يقطر ماء الخجل.
ما عرفت أربِّي يا خالد، ربما لو علمتها التايكواندو، أقول ربما، وتحملت ضربها ورفسها، ما أحست أنها غريبة هنا.
المهم، بعت الأرض وسلمني الموظف الشيك وقال: «عد الأرقام، المليون ستة أصفار». كان يحسبني جاهلا، وكأني لم أتربّ عند سيدي، لكنه معذور، هو لا يعرف سيدي، ولا الأصفار التي في حسابه البنكي.
والله يا خالد، وأنا أقدم الشيك لموظف البنك شعرت بدوخة خفيفة، لا أعرف إن كان ضغطي ارتفع أم أنه السكري لعنه الله، وعندما قال لي: إنه سيحول المبلغ وسيودَع في حسابي خلال ساعات، خفت، لا أنكر ذلك، زاد خفقان قلبي، ماذا لو ضل المليون أو صفرٌ من أصفاره طريقه إلى حسابي؟
لم أجد ما يسليني في الانتظار، قرأت ورقة الإيداع الصفراء التي ناولني إياها الموظف يمكن ألف مرة، ومرارا منعت نفسي من الاتصال بالبنك لأسأل عنه، أين وصل أو متى يصل؟
هل يحدث لك ذلك عندما تنتظر وصول مليون جديد إلى حسابك، أم أن ملايينكم تبيض كما الدجاجات من دون حاجة لديك؟
لكنها وصلت بعد يومين لم أنم فيهما، وصلت الأصفار الستة والواحد على يسارها، كأنه سيدي عندما يقف وقفة العسكر ويده مقبوضة إلى جانبه.
ماتت زوجتي بعد السلطان بأيام وقبل أن يكتمل الحول مات سيدي، ورغم أني كنت قد انقطعت عنه مدة، إلا أني أحسست وكأنَّ أبي قد مات، أحلف لك، لم يؤلمني موت أبي كما آلمني موت سيدي، رحمه الله.
سمعت أن المدام الصغيرة في رفقة المدام الكبيرة في ألمانيا الآن. هل صحيح أنها مصابة بذلك المرض؟ أصحيح أنهم قالوا لا أمل في شفائها؟
المليون حلو يا خالد، أليس كذلك؟ أعلم أنك تملك في حسابك الآن ربما مائة مليون، من يدري! حتى أنت لا تعرف، أنا متأكد من ذلك، أنت لا تعرف، أليس كذلك؟
أما أنا فكان عندي مليون واحد ونفد، مثل الدنيا، ومع ذلك لا تستطيع أن تنكر أن كلينا يعرف المليون، تعرفه أنت أكثر بالطبع، لكني مثلك ذقته، لحسة صغيرة ربما، مثل كل شيء آخر في حياتكم، أقصد حياتي.
بشرى خلفان قاصة وروائية عمانية