بعض الأدباء الجدد كتبوا مباشرة على ورقة "الورد" الافتراضية. لم يجرِّبوا ملمس الورق الحقيقي ورائحة الحبر حين ينسال عليه. لم يجربوا الشطب على الكلمات ومدِّ أسهمٍ إلى الهوامش وصناعة بالونات بالمرادفات البديلة، فالكمبيوتر أتاح لهم التعديل ونقل الكلمات والفقرات من مكان إلى مكان دون أن يضطروا لصناعة خريطة!


في هذا الاستطلاع نحاول أن نعرف كيف صارت علاقة الكتَّاب - خاصة من الأجيال الأقدم - بالمخطوطات، وهل تركوا الورق بالكامل وصارت أعمالهم مجرد أيقونات تنام على الحواسيب أم أن الحنين لا يزال يشدهم إلى الماضي؟


علاقة الكاتبة الليبية رزان نعيم المغربي تطورت مع الوقت وتعدد التجارب. ورغم تعاملها المبكر مع الأجهزة الإلكترونية بمجال المحاسبة والمنظومات، بقي لديها شعور بعدم الاطمئنان الكامل لها، خاصة مع خبرة البرامج القديمة التي يمكن أن يمحو فيها خطأ بسيط كل شيء دون استعادة، لهذا لم تفضل الكتابة على الكمبيوتر في البداية، واستراحت للورق. تعلق: "أحتاج أن أرى النص أمامي، أن أتصفحه، أن أعود إلى صفحة بعينها. ذاكرتي بصرية، ولهذا أكتب وأراقب خريطة العمل، أترك الصفحة المقابلة فارغة، وأعود إليها لاحقاً بإشارات وأسهم تمتد من سطور الصفحة الأولى إليها".


وتضيف: "أختار كراساتي المثبتة بدوائر من السلك اللولبي، وأعتمد طقساً صار ثابتاً، أتجاوز الصفحات الأولى، وأبدأ الكتابة بعد ذلك، أكتب بخط كبير ومساحات مفتوحة تسمح لي بالعودة والتعديل. أختار قلم الحبر الجاف بعناية وأشتري منه عدداً كبيراً".


أسألها كم "درافت" كنتِ تحتاجينها للعمل الواحد؟ وما شكل النسخة الأخيرة للمخطوط التي تدفعين بها إلى الناشر؟ وهل تحتفظين بمخطوطاتك القديمة؟


تقول: "بعد إنجاز كل فصل، تعودت إرسال نسخ مصورة إلى قريبتي لتطبعها، أفعل ذلك في الرواية فقط، حتى لا أنشغل بالتصحيح مبكراً، وتكون مراجعتي وتحريري للنص عند اكتمال العمل، أبدأ مرحلة أخرى على الكمبيوتر، حيث تتعدد النسخ والملفات، وأحرص على حفظ كل تعديل، وفي نهاية كل يوم أقوم بنسخ كل التعديلات على "هارد"، زيادة في الاحتياط وخوفاً من غدر التقنية. هذا القلق يستمر معي حتى الانتهاء تماماً من العمل. لدرجة لو قارنت المسودة الأولى مع المخطوط النهائي سيكون هناك فرق كبير بينهما.. لكن تبقى الكراسة هي الشاهد على التدفق الأولي للأفكار".


وتختتم حديثها قائلة: "أحتفظ بمعظم كراساتي، بعضها ما يزال في ليبيا داخل "كراتين"، وأخرى ترافقني حيث أقيم في هولندا. بالنسبة لي، المخطوط هو سجل كامل لتكوُّن النص، وذاكرته التي لا يمكن تعويضها".


القلم حلقة الوصل
أسأل الكاتبة العمانية الدكتورة عزيزة الطائي هل تظل العلاقة مع الورق هي الأكثر إنسانية؟


تجيب: "نعم. العلاقة بين الكاتب والورق شديدة الحميمية، ويمثل القلم حلقة الوصال بينهما، لذلك الكتابة على الورق هي أصدق الكتابات، وأكثرها شفافية. حتى وإن حلَّ الحاسوب بشاشته ومفتاح حروفه محل الورق والقلم، فإننا نحتاج كثيراً الكتابة على الورق وحاجتنا نابعة من صدق القلم مع الورق. ويتجسد هذا كله من فكرة تطرأ على البال، أو حدثاً ما تريد تدوينه. لذلك حقيبتي لا تخلو من مفكرة صغيرة وقلم".


كيف كنتِ تجرين المراجعة أيام الكتابة على الورق؟ وكم "درافت" تحتاجينها للعمل الواحد؟


تقول: "كتبت على الورق العديد من أعمالي في بداياتي، وكانت لهذه التجربة بالغ الأثر في النظر بقرب للنص أكثر من مرة قبل اكتماله. ومراجعة ما كتبته تمر بكثير من الأطوار، وأحياناً أستكمل العمل أو أتركه ثم أعود إليه بعد فترة بالتحرير والتشذيب والتجويد. وبهذا يكون للعمل الواحد أكثر من أربع مخطوطات، وقد تصل إلى عشر مخطوطات. أحتفظ بها كلها بداية، وبعد أن يخرج العمل للنور أحتفظ بالمخطوطات ذات البعد الحيوي، والمراحل الأهم".
أما التحرير بالنسبة لعزيزة الطائي فيأخذ أشكالاً متنوعة، لغة، وأسلوباً، ومن حيث تنامي الفكرة، وتناسق جوهرها. تعلق: "عندما أنتهي منها أدفعها لقارئ موضوعي مخلص ومحب حتى يعطيني رأيه بصدق وشفافية دون مجاملة، وقد أستشيره في نقاط توقفت عندها كثيراً".


عزيزة ترى أن الكاتب حين يؤمن بأن فكرة المخطوطات انتهت، فإنه يحرم نفسه من لذة تشكل مراحل أفكاره وإبداعه، والأهم تقييمه لقلمه وإبداعه، لذلك تبقى فكرة المخطوطات هامة جداً، حتى وإن احتفظنا بها مرقمة ومتسلسلة في حواسيبنا مع تقدم التقنيات الكتابية وأسلوب تحريرها.


ورقة وكمبيوتر
منذ أن بدأ الروائي المغربي محمد سعيد احجيوج الكتابة الأدبية، أول مرة، سنة 2003، وهو يستخدم الكمبيوتر والورقة معاً. كان يكتب أحياناً على الورق ثم ينقل إلى الكمبيوتر، أو يكتب مباشرة على الكمبيوتر، أيهما متوفر لحظة الإلهام. وهكذا استمر حتى اليوم، مع هيمنة الكمبيوتر أكثر. يستدرك: "الجديد مؤخراً أنني أستخدم الهاتف أحياناً، وأنا أمشي في الطريق، لتسجيل أفكار سريعة أو حتى فقرات كاملة".


احجيوج يراجع مباشرة على الكمبيوتر، لكن متى وصل إلى مرحلة مهمة في الكتابة أو جفَّ نبع الإلهام، يطبع على الورق ليراجع النص بعين مختلفة. يعلق: "طبيعة المراجعة على الكمبيوتر لا تسمح، في الغالب، بالحديث عن عدد معين من المسودات، فهي عملية متواصلة ونادراً ما أحتاج إلى إنشاء ملف جديد لأجل مسودة مختلفة. أكتب إلى أن يتوقف التدفق، ثم أعود لمراجعة ما كتبت وتعديله. وبحكم طريقتي في الكتابة، من الصعب أصلاً الحديث عن "مسودات" مختلفة. أتوقف طويلاً عند الفصل الأول، أراجعه وأحذف منه الكثير وأعيد صياغته أكثر من مرة، إلى أن يأخذ شكله النهائي. عندها أتقدم في الرواية دون توقف، والمراجعات التي يعرفها العمل بعد ذلك لا تخرج عن نطاق التحرير البسيط، تحسين الصياغة، حذف بعض الجمل، تصحيح الثغرات في السرد، دون تغييرات جوهرية".


ألم تكتب عملاً كاملاً على الورق؟ أسأل ويجيب: "لا، ربما باستثناء بضع قصصٍ في مرحلتي الأولى. لذلك ليست لديَّ مخطوطات قديمة محفوظة".
أسأل مجدداً: لكن هل انتهت فكرة المخطوط؟ يقول أخيراً: "لا أعتقد. هي تحولت فحسب، مثل كل شيء في الحياة. المخطوطات اليوم صارت ملفات رقمية، وللكاتب حرية أن يحتفظ بكل مسودة بالطريقة التقنية التي تناسبه، أو ألا يفعل".


أفضل نسخة
أي نسخة من المخطوط يسلمها الكاتب السوري نصار الحسن للناشر ومَن هو أول قارئ لها؟ يجيب: "أسلم أفضل نسخة بعد قراءة النص عدة مرات والوقوف على كل الجزئيات التي لا تنسجم مع كامل الأحداث والشخصيات. والدي كان أول مَن أطلعه على المخطوط وزوجتي أيضاً، وأستشير الأصدقاء في بعض الجزئيات. وأحياناً أسأل ذوي الاختصاص أو أحاول التقرب أكثر من الشخصيات المشابهة لشخصيات الرواية للتوسع في تحليلها ودراستها".
يعترف نصار أن الاعتماد على النسخ الإلكترونية خطأ، داعياً للاحتفاظ ورقياً بما لم يتم نشره ليسهل العودة إليه عند الضرورة.


الروح الأولى
الكاتب العماني وليد الشعيلي كان يكتب في أوراق بيضاء مرتعشة، أو دفتر مدرسي يشبه الفواتير المتراكمة، وحين تتجمع النصوص يعيد قراءتها وتمحيصها، وتنقيح تراكيبها، لكن ثمة نصوص يتركها كما هي حسب ضربتها الروحية الأولى البِكر ووحيها وتدفق لحظتها.


ويقول: "أكتب بقلم أسود دوماً، أشتمُّ الحبر والدم والكلمات وأحلم أن هذا المخطوط حين يصبح كتاباً منشوراً ستتبادله النساء وسيضعه البعض تحت وسادته. ومخطوطي الأول "القادمون والمغادرون" الذي نشره المنتدى الأدبي عام 2014 لا أزال أحتفظ ببعض ما تبقى منه بعد سنوات التعديلات والتمزيقات والتعاطف والتمرد أحياناً، وبعض المخطوطات والأوراق ذابت في فم الزمن وتنقلات الغرف والأحوال، ثم لاحقاً صرت أدون ملاحظاتي على الهاتف، أكتب اليومي ممزوجاً بمجازات والتواءات كي يمر اليوم بسلام على أعماقي المظلمة، وكي أداوي مرض الكتابة الذي يأكل دماغي وأصابعي، لذا فكرة المخطوط الورقي التهمها الهاتف ولم يبقَ منها سوى الحنين ومشاهد الجلوس والجنون وجثث الليل والاستعداد المسبق بإخراج القلم وصب الوحي في البياض الأبدي. بعد أن يكتمل المخطوط أطبع منه عدة نسخ أرسلها لبعض الأصدقاء الكتَّاب ممن تهمني نظرتهم الصادقة والجادة، ثم أستقر على السبك النهائي الذي يشعرني بأنني قريب من المتلقي".


قلم أزرق
المترجمة المصرية رولا عادل رشوان ترد على سؤال كيف كنت تجرين المراجعة أيام الكتابة على الورق؟ قائلة: "اعتدت الكتابة بقلم أزرق، على أن تكون المراجعة بقلم أحمر. أشطب وأعدل وأكتب ملاحظات تحتها خطوط متعددة تقل أو تزيد بحسب أهمية الملاحظة وكونها نهائية أم موضوعة لأخذ قرار فيها أثناء المراجعة الأخيرة على النص".


وتضيف: "ما أزال أتبع نفس النمط حالياً، أعني استخدام الورق والملاحظات المكتوبة، لكن ليس في ترجمة الكتب، وإنما في وضع الخطط السنوية عن الكتب التي أنوي ترجمتها كل عام، وملاحظات عن دار النشر المناسبة لكل كتاب، ثم أعود كل فترة لدفتر الخطط هذا، فأشطب وأعدل الخطط أو أكتب ملاحظة بجوار كل كتاب تخص كل التطورات الحاصلة بشأنه من انتهائي منه وتسليمه أو نشره بالفعل وهكذا".


كم "درافت" يكفيكِ للعمل الواحد؟
تقول: "درافت واحد هو كل ما أحتاجه، أو يناسبني، حتى وإن كان ملطخاً بالألوان والتعديلات والملاحظات. كنت أرى أن كتابته كل مرة من جديد هدر للوقت، وأخشى أن تفوتني ملاحظة ما، أو أن تروح سلاسة الإحساس الأول بالنص. أما المخطوطة الأخيرة فهي النسخة النظيفة المعدلة دون ألوان متفرقة أو تعديلات، فقط مضاف إليها الهوامش والتي أتركها دائما لأتفرغ لها أثناء كتابة النسخة المعدلة".


وتضيف: "ما زلت أحتفظ بمخطوتاتي وشخبطاتي القديمة في بيت والدي رحمه الله، أطلع عليها بالصدفة كلما زرت الغرفة بحثاً عن شيء، أو تصادفها أمي وأحيانا أولادي ويسألون عنها مستغربين من الرموز الغريبة فوقها، فقد احتوت بعضها على جمل بالروسية كتبتها لغرضٍ ما حينها".


هل تعودين إلى الورق؟
تجيب: "لا. لم أعد إلى الورق منذ أن سهل عليَّ استخدام الكمبيوتر، غير أن مرات المراجعة على الجهاز صارت متعددة ولا أتمُّها مرة واحدة كما اعتدت مع النسخ الورقية، وإنما هناك دائماً مراجعة أولى لصحة الجمل وانسجامها مع النص، وثانية للصياغة وثالثة للهوامش وهكذا، لكني احتفظت بعادة تدوين الملاحظات لنفسي على الورق، ولديَّ دفتر مخصوص لهذا، أخصص بعض صفحاته لكل مشروع، أكتب فيه كل ملاحظاتي لنفسي حول الهوامش، أو تغيير لفظ متكرر أحتاج إلى أخذ قرار في ترجمته، متنقلة وحائرة في البداية بين مرادفاته وهكذا. لم أعتد أبداً حتى الآن صناعة دفتر ملاحظات رقمي. يشعرني هذا كأني أحدث نفسي وأتناقش معها في النص، وهي تجربة حميمية لا أظنني سأحب التخلي عنها".


وتنهي حديثها قائلة: "قارئي الأول هو زوجي، هو مَن يراني أتنقل بين حالات نفسية متغيرة مع كل كتاب، خاصة التي تحوي مشاعر ثقيلة أو حكايا مأساوية. إنه قارئ شغوف ومولع بالحكايات من كل نوع، فلسفية أو اجتماعية أو تاريخية، ويتأثر بالبديع من الكتابة وتنطبع الحالة النفسية للكتاب الذي يقرأه عليه مثلي تماماً مع ترجماتي".


مثل كل ما يجري حولنا من تطور. أزاحت الأجهزة الذكية الكثير من تفاصيل الواقع وألغت معها الذكريات الجميلة وتركت لنا الحنين فقط إليها، لكن كلام المشاركين في التحقيق يعني أن تلك الأجهزة لم تستطع أن تلغي الورق بالكامل، إذ سيظل بالنسبة لبعض الأدباء جسر الحنين إلى الماضي الرائع.