كم جميل أن يناجي العبد ربه في كل الأحوال متقربًا إليه في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء.
هذا اللجوء النفسي أثره يمتد طويلًا، لذا "حدثوا ربكم بما يؤلمكم.. فلا أحد يجبر القلوب سواه"، بهذه العبارة الموزونة بالألم والأمل والثقة، تدعونا لكي نلجأ إليه سبحانه لطلب العون والمساعدة، فلا أحد منا بخير كما ندعي في كل مرة، فالله سبحانه وتعالى جعل الإنسان في كبد إلى يوم الدين.


يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله -: "بين كل خير وخير، مسافة مرهقة تسمى الابتلاء، مليئة بالأجر لمن يصبر ويحتسب، فالحمد لله على كل حال".
استوقفتني عبارة قرأتها منذ زمن مفادها: "حتى في وقت الصمت، يترك الفقد جرحًا لا يمكن للكلمات أن تشفيه، لأن الحزن ليس إنسانيًا فحسب، بل هو ملك لكل روح تعرف معنى الحب والحياة معًا".


باختصار، منذ زمن بعيد، وكلنا نكذب في وجهين، الأول على أنفسنا لنصبر على البلاء، وثانيًا على الآخرين من حولنا حتى لا نجد الشماتة في عيونهم "فالشكوى لغير الله مذلة"، وما بين الاثنين هناك صراع حقيقي للوصول إلى معنى الصبر وتحمل قسوته.
نقول بوجه باسم لكل من حولنا: "نعم نحن بخير!"، بينما نحمل في أعماق صدورنا أوجاعًا لا ترى، نتعمد أن نبتسم في وجوه الحاضرين أو بمن نلتقي بهم في الطرقات، بينما نخفي خلف تلك الابتسامة المصطنعة معارك ضروس لم يشاركنا أحد في خوضها حتى هذه اللحظة، وقد تكون هناك نيران مستعرة لا يشعر بها أحد سوانا!.


في كل شدة تنغمس فيها أرواحنا، نحاول جاهدين إقناع أنفسنا بأننا لا نزال أقوياء صامدين، وفي الحقيقة هناك ليالٍ حالكة السواد بكينا فيها بما يكفي حتى نامت أرواحنا من التعب، نحن نخاف من الاعتراف بما يلامسنا من وجع، ونخشى من البوح بضعفنا المتلاحق، لأن العالم من حولنا لا يرحم من يظهر هشاشته وانكساره، بل يتلذذ في إغراق الأرواح في بحار مالحة لا تروي عطش الإنسان!.


نحن نكذب عندما نعلن بأن خسائر الماضي لا تؤذينا أو الكلمات القبيحة لا تجرح أرواحنا أو أشواك الوجع لا تدمي أجسادنا، بينما في الخفاء هناك لحظات تائهة تأتينا فجأة لتعيد إلينا كل شعور كنا ندفنه سرًا في مقبرة الزمن، أملًا منا في أن يتوارى بعيدًا عن أنظار الناس، نحن البشر اعتدنا على أن نحمل في قلوبنا أوجاعًا متفرقة، وفي عقولنا قصصًا لم تُحكَ لبشر من قبل، وحديثًا طويلًا لم تسمعه آذان الناس.


هناك قول خالد للروائي الياباني هاروكي موراكامي: "أحيانًا أُفكر بأن قلوب الناس مثل الآبار العميقة، لا أحد يستطيع أن يعرف ما في الأسفل، كل ما يمكنك فعله هو أن تتخيل ما الذي يطفو على السطح كل فترة".


في الخفاء، ثمة أحلام ماتت منذ زمن، وأصبحت متوارية في مقبرة الصمت، تمامًا كما يصمت الأموات في قبورهم، لكن من كل تلك الاحتياطات النفسية والجسدية، نفاجأ باستيقاظ الألم من جديد خاصة عندما يبلغ الضعف مبلغه.
وحتى لا يلاحظ أحد بقربنا هذا التغير المفاجئ، نسرع في ارتداء قناع القوة الخادعة، ونسير في الشوارع، ونختلط بين طابور السائرين في طرقات الحياة وكأن كل شيء على ما يرام، نضغط على أنفسنا المعبأة بدخان يخنق أنفاسنا لحظة بلحظة، نصنع ذلك لأننا أيقنا وتعلمنا بأن الحياة لا تتوقف حتى لو توقفت قلوبنا عن الخفقان!.


نعتقد خطأ بأن "الفضفضة" مع الغير سلاح نصد به وجع الروح، لكن بعض الحديث يتحول إلى بندقية ربما يصادنا بها الآخر، لذا فالحديث عن الأوجاع ما هو إلا كشف لعوراتنا وبيان ضعفنا للآخرين، لذا ليس لنا سوى الله ملجأ ومنجي مما نحن فيه من ألم وشدة.


لن نرتاح كبشر في الحياة إلا عندما تمتلئ قلوبنا بالرضا، عندها ستدرك أن أبسط الأشياء ما هي إلا نعم عظيمة يفتقدها الآخرون.. حتى الشوكة التي آذتك لم تكن سوى نعمة نثاب عليها.. ولكن الإنسان يراها شرًا لأنه ينظر إلى الأشياء بمحدودية علمه ووعيه، والله يدبر الأمور بواسع علمه وحكمته، لذا علينا أن نقول دائمًا وأبدًا: "الحمد لله".