سعد صبار السامرائي -
يختار الكتّاب عناوين أعمالهم بعناية؛ فالعنوان أول ما يواجه القارئ، وأول ما يفتح له باب النص، سواء كان رواية أم قصة أم قصيدة. وهو جزء أصيل من بنية العمل، وعتبة من عتبات معناه، وومضة تختزن شيئًا من روحه. وتميل عناوين كثيرة إلى الإيجاز، فتشير بكلمة واحدة أو كلمات قليلة إلى شخصية رئيسة، أو حادثة محورية، أو معنى كامن يهيّئ القارئ للدخول إلى العالم التخييلي.
دارت في رأسي أسئلة كثيرة وأنا في النادي الثقافي خلال الجلسة الحوارية التي نُظّمت بعنوان «عين الطائر على القصة العُمانية القصيرة» في الثالث من مايو 2026. كنت أستمع إلى الدكتور محمد البلوشي وهو يقرأ على مسامع الحاضرين قصته «النقطة»؛ تلك العلامة الصغيرة التي انفجرت في النص، وفتحت عالمًا رمزيًا بديعًا. ومن تلك النقطة انسحبت ذاكرتي إلى نقطة أخرى، كتبها قاصٌّ عُماني جعلني أحب هذا الجنس الأدبي منذ أن تعرّفت إلى أحد نصوصه مصادفة في مكتبة روازن عام 2018: القاص والطبيب عبدالعزيز الفارسي.
حاولت أن أضع النقطتين فوق حروف الأسئلة التي أخذت تنقر في ذهني: ما الذي يُغري الكاتب بهذه العلامة الصغيرة؟ وكيف تستطيع نقطة واحدة أن تصلح عنوانًا لقصتين تنتميان إلى عالمين سرديين مختلفين؟ وما السرّ في أن تتحول هذه العلامة الصامتة التي لا تكاد تُرى إلى مركز دلالي قادر على إشعال الحكاية، وفتح أبواب التأويل؟
النقطة في ظاهرها لا تكاد تكون شيئًا. لا طول لها، ولا عرض، ولا عمق. كائن صفريّ لا يمتد في المكان، ولا يزاحم الأشياء بأبعاده. غير أنها متى تحركت صنعت خطًا، ومتى تحرك الخط صنع سطحًا، ومتى امتد السطح انفتح باب الحجم والشكل. وقد نُسب إلى الحلاج قوله: «النقطةُ أصلُ كلِّ خطّ، والخطُّ كلُّه نُقَطٌ مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكلُّ خطٍّ مستقيمٍ أو منحرفٍ فهو متحرّك عن النقطة بعينها. وكلُّ ما يقع عليه بصرُ أحدٍ فهو نقطةٌ بين نقطتين».
كان يمكن للحديث أن يطول في المعنى الهندسي والفلسفي والصوفي للنقطة، غير أن موضع التأمل هنا قصتان عمانيتان اتخذتا من هذه العلامة عنوانًا واحدًا، ثم مضت كل واحدة منهما في طريق. في القصة الأولى تتحول النقطة إلى رمز ناطق، يخرج من نظام الكتابة إلى نظام السلطة. وفي القصة الثانية تتحول إلى أثر دموي صامت، يخرج من الجسد إلى المصير والاحتمال.
في القصة الأولى، وهي للدكتور محمد بن علي البلوشي، والمنشورة في مجموعة «مريم» عام 1992 عن دار جريدة عمان للصحافة والنشر، تظهر الأليغوريا في قصة «النقطة»؛ إذ يعمل الحدث الظاهر ستارًا لمعنى أعمق، وتتحول هذه «النقطة الهاربة» إلى صورة لأفكار كبرى. تستدعي القصة جوّ الحكاية الموروثة أو المنقولة: «حدَّث فلان ابن فلان عن فلان الفلاني...»؛ بيد أن هذه الصيغة تحمل في داخلها تهكمًا خفيًا من كل رواية تتوارثها الألسنة حتى تفقد أصلها، ثم تكتسب سلطة لمجرد أنها قيلت قديمًا.
تسقط النقطة من كتاب أصفر مهترئ، ثم تختار طريقها. تمشي قرب البحر، تلمع في رأسها فكرة، وتصعد الجبل. وهذا الصعود لا يمثل انتقالًا في المكان وحده؛ إنه انتقال من الهامش إلى العلو، ومن المنحدر إلى المنبر، ومن العلامة الصغيرة إلى ادعاء المركز. وما أن تعتلي القمة حتى تبدأ في صناعة هالتها:
« أنا بدء البدء.. أنا النواة.. أنا أول السطر.. أنا بدء الكلام.. أنا انتهاء الانتهاء.. أنا انحناء الحروف.. أنا استقامتها.. في البدء.. بدء الكتاب.. في بدئه كنت أنا.. كنت مدادًا.. لا كنت فكرة... بل كنت شيئًا آخر لا تفقهونه أنتم.. أما أنتم.. أنتم.. يا نتاج انحنائي.. انحناءات حروفي.. أما أنتم.. أنتم لم تكونوا أي شيء.. ودوني لم تكونوا أي شيء.. أنتم مواليد الصدفة.. أبناء الأشياء.. اشتهائي حين أرعب الخروج خارج دائرتي.. أذكركم.. أنا النقطة.. لا تنسوا.. واستعدوا.. استعدوا للخطوة الأولى..».تكرر النقطة ذاتها، وتراكم ضمير المتكلم المتضخّم «أنا»، وتصنع من الصغر قداسة. هكذا يبدأ الطغيان في القصة: على هيئة خطاب. تصعد النقطة، ثم تتكلم، ثم تعيد تعريف العالم من حولها، ثم تقنع السامعين أن وجودهم فرع من وجودها. النقطة هنا صورة لكل مركز صغير يدّعي امتلاك الأصل. قد تكون حاكمًا، أو فكرة مغلقة، أو خطابًا ثقافيًا، أو أسطورة جماعية، أو معنى يخرج من حدوده ويطالب العالم بأن يدور حوله.
وتبدأ الأوامر، أول ما تطلبه النقطة أن يصير البحر قطرة. ويبلغ التصوير هنا ذروته حين يجعل البلوشي البحر، بما يحمله من سعة وامتداد وحركة وغموض، مدعوًّا إلى التخلي عن طبيعته والانكماش في شكل صغير يوافق مزاج النقطة. يمانع البحر أول الأمر، تضطرب أمواجه، يكاد يغرق القرية، ثم يستسلم في لحظة ضعف. ويُقنع الناس أنفسهم بأن العظمة في الصغر، وأن جوهر الشيء في انكماشه، وأن البحر حين يصير قطرة يغدو أكثر نقاءً وأقل خطرًا.
بعد البحر يأتي الليل. تطلب النقطة أن يختفي سواده، بحجة أن الظلام يعيق العمل ويوقظ الخوف في النفوس. تبدو الحجة ناصعة، فهي تتكلم باسم النور والعمل والطمأنينة. بيد أن إلغاء الليل ليس انتصارًا للضياء، وإنما كسر لإيقاع الوجود. فالليل راحة وحلم ولباس وتأمل. وحين يختفي، ينتصر نمط واحد لا يعترف بالتعاقب، ولا يطيق الاختلاف، ولا يسمح للعالم بأن يتنفس بين ظلمة وضوء.
ثم تصل النقطة إلى الغابة. تأمر بطرد الحيوانات والطيور باسم حماية الأشجار. يتردد الناس؛ لأنهم يعرفون أن في القرار خسارة لماشيتهم وطيورهم وأرزاقهم. ثم يقولون العبارة التي تكشف عصب القصة:
«لعلها حكمة سيدتنا النقطة... ومن يدري؟ فربما كانت تخطّط لشيء لا تسعه عقولنا...».ولعل القارئ يتساءل: ما الذي تقوله لنا القصة إلى الآن؟
تكشف القصة من خلال هذه النقطة أن الطغيان ينشأ من العلاقة المختلّة بين رمز تضخّم فوق حجمه وجماعة سلّمت عقلها طوعًا. فالناس لا يفهمون ما يجري، ثم يجعلون عجزهم عن الفهم برهانًا على العمق. لا يعثرون على معنى واضح، فيرفعون الغموض إلى منزلة الحكمة. ومن هنا يتحول العبث إلى تدبير، والخوف إلى يقين.
ثم تقع المفارقة التي تكشف زيف الخطاب كله. بعد أن طُردت الحيوانات والطيور حمايةً للأشجار، تأمر النقطة بحرق الأشجار نفسها. يسقط التبرير الأول، ويولد تبرير آخر. لم تكن الغاية حماية الغابة، ولا إصلاح القرية، ولا إنقاذ الإنسان. الغاية أن يبقى الأمر صادرًا من الأعلى، وأن يبقى الناس في موضع التلقي. كل شيء قابل لأن يصير خطرًا: البحر خطر، الليل خطر، الحيوان خطر، الشجر خطر. وحين تغدو الحياة كلها خطرًا، لا يبقى للحياة مكان.
في الخاتمة يحس الهواء أن دوره قد حان. لا يحتاج إلى أمر مباشر. لقد فهم النسق: بعد البحر والليل والحيوان والشجر، لم يبقَ سواه. يحزم أمتعته، ويتهيأ للرحيل. والهواء آخر شروط البقاء؛ لا يُرى ولا يُمسك، لكنه العنصر الأهم. وحين يرحل، لا تفنى القرية فورًا، وإنما تبقى لها «كميات ضئيلة تملأ أنوفهم ورئاتهم». صورة خانقة لحياة ناقصة: لا موت كامل، ولا عيش كامل؛ مجرد تنفس قليل في عالم ضاق حتى صار على هيئة نقطة.
وقد أحسنت الدكتورة منى حبراس التي أدارت الجلسة في تحليل حضور عناصر الطبيعة في قصة البلوشي، ووضعت يدها على الجرح الإيكولوجي في النص. ومن هذه الزاوية يمكن أن أستعير عين الطائر، لا لأبتعد عن القصة، وإنما لأراها في كليتها: حكاية عن الاختزال المتدرج. تبدأ النقطة باختزال اللغة، فتجعل نفسها أصل الكلام، ثم تختزل البحر في قطرة، والزمن في ضوء دائم، والطبيعة في غابة بلا كائنات، ثم في أرض بلا شجر، حتى تنتهي الحياة نفسها إلى هواء شحيح. وهكذا ينتهي كل ما كان واسعًا إلى الضيق، وكل ما كان متعددًا إلى الأحادية.
وإذا كانت نقطة البلوشي قد صعدت إلى قمة الجبل لتتكلم باسم السلطة، فإن نقطة الفارسي تهبط إلى الجسد، إلى الدم، إلى الأثر الذي لا يزول.
تتّسم قصص الدكتور عبدالعزيز الفارسي -رحمه الله- بتفرّد لافت في مقاربة الأجناس الأدبية وتوسيع حدودها؛ إذ تستند إلى أدوات معرفية ولغوية تكشف عن ذهن متّقد، وحسّ عميق بالجمال والخيال. فقد تجاوز الفارسي طرائق السرد التقليدية، مؤسِّسًا أسلوبًا يمزج بين المحسوس والرمزي، ويستنطق العناصر المادية واليومية، والطبية أحيانًا، ليكشف من خلالها أنساقًا ثقافية مضمرة في الوعي الفردي والجمعي.
وقبل الغوص في قصة «النقطة»، نبّهني الأستاذ سليمان المعمري الذي جمع الأعمال القصصية الكاملة لعبدالعزيز الفارسي في كتاب واحد صدر عن دار نثر عام 2024 إلى أن للفارسي «نقطتين»، لا نقطة واحدة. فقد ظهرت النقطة الأولى في مجموعته «مسامير» الصادرة عام 2006 عن دار الانتشار العربي، حين جاء على ظهر غلافها قول ساخر ولافت: «هل أنتم مصابون بالربو؟ بدأتم بثمانين صفحة وانتهيتم بسطر. غدًا تضعون لنا نقطة ثم تقولون: قصة».
يبدو أن تلك العبارة بقيت عالقة في ذهن عبدالعزيز الفارسي؛ فبعد سنوات وضع النقطة وحدها، وقال لنا: هذه قصة. وهكذا تحولت علامة صغيرة تكاد لا تُرى إلى فضاء واسع من الدلالة في أحد أكثر نماذجه القصصية لفتًا للنظر. وقد نُشرت قصة «النقطة» أول مرة عام 2016 في مجموعة «رجل الشرفة: صياد السحب»، ضمن سلسلة كتاب نزوى.
والسؤال هنا: كيف يمكن لنقطة صغيرة أن تحمل هذا العبء كله؟ كيف لهامش ضئيل على بياض الصفحة أن يغدو مركزًا لتأملٍ لغوي وفلسفي وجمالي؟ بيد أن النقطة في جوهرها الرمزي، ليست صغيرة كما تبدو. فمنها تبدأ خطوط الحياة، ومن الخط تتولد الأشكال والهوامش والنهايات.
من هذه الطاقة المزدوجة تبني القصة معناها العميق. تبدأ الحكاية من شيء بالغ الصغر: بقعة دم تجمدت فوق دشداشة طفل، عجزت مساحيق الغسيل عن محوها. تقول القصة: «إن مشوار خليفة مبارك العبري بدأ من تلك البقعة التي لم تنجح أمه في إزالتها، فتحولت مع الزمن إلى بقعة صفراء باهتة لا تخفى على العين، ولا تزول من الذاكرة». تتحول هذه النقطة إلى بذرة القصة كلها. فالدم لا يبقى دمًا، والبقعة لا تبقى بقعة. تتحول النقطة إلى علامة داخلية، إلى جرح مؤسس، إلى وشم لا يختفي من نسيج القماش. وما عجزت اليد عن غسله من الدشداشة عجز الزمن عن غسله من الذاكرة. ومن هذه النقطة تصعد القصة في حركة شبه معجزة: طفل فقير، دشداشة بيضاء وحيدة، دراجة مستعارة، جرح في الركبة، ثم نبوغ، دراسة، طب، مختبرات عالمية، اختراع يغيّر وجه الطب، جائزة نوبل. كأن النص يريد أن يختبر الفكرة الفلسفية القديمة التي ترى أن أصغر الأشياء قد يكون أصل أكبر الامتدادات. فالنقطة في الهندسة أصل الخط، وفي الكتابة أصل الفصل بين المعاني، وفي الخط العربي ميزان الحرف. تأمل معي هذا النص:
«لكن البقعة الصفراء في تلك الدشداشة التي لبسها عامًا دراسيًا كاملًا كانت الحافز الذي دفعه لتغيير العالم من بعده، وأوصله للفوز بجائزة نوبل في الطب عام 2060.»تنتقل النقطة من الأثر إلى العلة. البقعة التي كان يمكن أن تكون موضع خجل تتحول إلى حافز للمعرفة. والجرح الذي كان يمكن أن يغلق على صاحبه شعورًا بالنقص يتحول إلى سؤال علمي: لماذا يبقى أثر الدم؟ كيف يمكن فهم الدم من دون أخذ عينة من الجسم؟ هل يمكن تحليل الجسد من دون جرحه؟ من هنا تولد «كاميرا عمان»، ذلك الاختراع المتخيل القادر على إجراء التحاليل الطبية من دون أخذ قطرة دم واحدة.
والجميل في القصة أنها لا تجعل العلم منفصلًا عن الجرح. فالاختراع لا يخرج من مختبر أبحاث فقط، وإنما يخرج من ذاكرة ساخنة، من دشداشة ملطخة، من طفل رأى الدم على جسده ولم يفهم لماذا يظل أثره عالقًا. بهذا المعنى، تصير المعرفة استمرارًا للجرح لا هروبًا منه. وكأن القصة تقول إن العلم العظيم لا يبدأ دائمًا من سؤال نظري مجرد، بل قد يبدأ من ألم صغير، من إحراج طفولي، من أثر لا يزول.
مع ذلك، فالقصة لا تكتفي بهذا المسار الصاعد. لو انتهت عند جائزة نوبل، لكانت حكاية نجاح مألوفة عن طفل فقير يغلب ظروفه. قوتها الحقيقية تكمن في أنها تبني هذا المجد كله، ثم تسحبه في النهاية. بعد أن يطمئن القارئ إلى أنه قرأ سيرة عالم عربي غيّر الطب، تعود القصة فجأة إلى لحظة الاصطدام الأولى: الدراجة، السيارة، الحديد العازل، الزجاج، الدم. ويأتي السطر الأخير ليقلب المعنى كله:
«كمية دم صغيرة التصقت بالزجاج الأمامي للسيارة، ولم تزل رغم الغسيل المتكرر بأقوى مساحيق الغسيل وتحولت بمرور الوقت إلى بقعة صفراء باهتة». تكشف قصة الفارسي أن النقطة التي ظننا أنها صارت بداية حياة عظيمة، ربما لم تكن إلا علامة موت مبكر. المجد كله، الرحلة من سور العبري إلى مسقط ولندن وهيوستن، الاختراع، نوبل، تغيّر العالم، قد يكون حياة محتملة مرّت في لحظة خاطفة قبل الاصطدام أو بعده. كأن السرد أعطى خليفة الحياة التي كان يستحقها، ثم أعادنا الواقع إلى الزجاج الأمامي للسيارة.
النقطة هنا نقطة البداية والنهاية معًا. إنها اللحظة التي ينفتح منها مصير، واللحظة التي ينغلق عندها المصير نفسه. إنها مركز الحكاية وهامشها في وقت واحد؛ ففي المسار المتخيل تكبر النقطة حتى تصنع عالمًا جديدًا، وفي المسار الواقعي تصغر حتى لا تبقى إلا أثرًا باهتًا لا يلتفت إليه أحد.
ولأن النقطة في الخط العربي قادرة على تغيير الحرف، والحرف قادر على تغيير الكلمة، والكلمة قادرة على تغيير المعنى، فإن نقطة الدم في هذه القصة تغيّر معنى حياة كاملة؛ فهي ليست تفصيلًا واقعيًا عابرًا، ولا علامة هامشية على زجاج سيارة؛ إنها مفتاح البناء السردي كله. تظهر في البدء أثرًا صغيرًا، ثم تعود في النهاية لتكشف أن الحياة التي حسبناها متنًا كاملًا لم تكن ربما سوى احتمالٍ خاطف معلّق على تلك البقعة الباهتة.
من جهة يمكن للقارئ أن يستشعر أسلوب التحوُّل أو الانقلاب في الحبكة؛ فالقصة تقود القارئ في اتجاه، ثم تقلب هذا الاتجاه فجأة، فيتبدل معنى ما سبق. كل ما قرأناه قبل النهاية يُعاد تأويله. ومن جهة أخرى، تنتمي القصة إلى أدب الاحتمال؛ فهي لا تقول صراحة إن ما حدث كان حلمًا، ولا تقدمه بوصفه واقعًا مستقرًا. تتركه في منطقة بينية: ومضة ما قبل الموت، أو حياة بديلة، أو احتجاجًا سرديًا على عالم لا يمنح الفقراء والموهوبين فرصتهم. ومن هذه المنطقة المعلقة ينبع جمالها؛ إذ يخرج القارئ منها وهو يسأل: هل حدث هذا أم لم يحدث؟ ولماذا كان ممكنًا ألا يحدث؟
تتكرر العناوين في الأدب مرارًا، داخل اللغة الواحدة أو عبر الترجمة، وقد يدخل هذا التكرار في باب التناص حين يجعل القارئ يستحضر نصًا سابقًا وهو يدخل نصًا لاحقًا. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة قصتي «النقطة»؛ فهما تتقاربان في العنوان، ثم تتباعدان في العمق والدلالة: في إحداهما تخرج النقطة من نظام المتن وتدّعي أنها أصل النظام، فتتحول إلى رمز يختزل العالم في ذاته، وفي الأخرى تصير أثرًا دمويًا صغيرًا، صامتًا وعاجزًا عن الكلام، لكنه يفتح أفق حياة كاملة قبل أن يكشف السرد أن تلك الحياة ربما لم تكن إلا احتمالًا ضائعًا.
كل شيء يبدأ بنقطة، وكل شيء ينتهي بنقطة، حتى هذا المقال.