حسن المطروشي 

يشكل شعر المديح الجزء الأكبر في مدونة الشعر العماني. وذلك واضح في أغلب الدواوين العمانية المطبوعة التي وصلت إلينا مثل ديوان ابن دريد والستالي والكيذاوي والحبسي والمعولي وخلف ابن سنان وبشير الفزاري وابن رزيق وابن عرابة وأبي مسلم البهلاني وأبي الصوفي المجيزي وابن شيخان والسيد بدر بن هلال البوسعيدي وغيرهم من كبار الشعراء العمانيين.

ويعد الشاعر محمد بن عبدالله المعولي (ق 17 ـ 18م) من أبرز الذين كتبوا في المديح، وقد خصص مدائحه في أئمة اليعاربة وولاتهم وقضاتهم. ويتميز شعر المديح لدى المعولي بظواهر لافته، كونه من الشعراء الذين أبدعوا في هذا الفن وترك إرثا كبيرا يمكن خلاله رصد هذا المنجز وقراءته ودراسته.

خلود الممدوح

في الوقت الذي يسبغ الملوك والسلاطين والوجهاء العطاء للشعراء ويجزلون لهم المكرمات ويغدقون عليهم بالهبات السخية نظير ما يدبجونه من أشعار المديح، فإن الكثير من الشعراء يرون أنهم جديرون بهذا العطاء وهو كسب مستحق، لأنهم يسهمون في تخليد سير هذه الشخصيات وبقاء ذكرها على مر الدهور والأزمنة. فالعطاء يفنى والأشخاص يرحلون، أما الإبداع فيبقى خالدا عصيا على الفناء.

تروي مصادر الأدب العربي أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لواحد من أولاد هرم بن سنان، وهو أحد سادات العرب في الجاهلية، الذي كان يمدحه الشاعر زهير بن أبي سلمى: «أنشدني بعض ما مدح به زهير أباك، فأنشده. قال عمر: «كان يحسن فيكم القول. قال ابن هرم: ونحن كنا نحسن العطاء. قال عمر: لقد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم».ومن أمثلة ذلك في الأدب العماني ما رواه ابن رزيق في (الصحيفة القحطانية) أن السلطان أبو العرب النبهاني بعث إلى الشاعر الستالي ألف دينار، وثياباً فاخرة له ولأهل بيته، ففصل الشاعر من تلك الثياب قميصاً لابنته. وفي يوم العيد مضت ابنة الشاعر إلى بيت الإمارة لتعيّد على السلطان، ثم خرجت إلى المصلى مع ابنة السلطان. وفي الطريق مسكت ذيل قميص ابنة الشاعر شجرة صغيرة ذات شوك عظيم، فجذبت القميص جذباً مفرطاً حتی انشق أكثر القميص من تلك الجذبة، فالتفتت إليها ابنة السلطان وقالت لها: «لو كان أبوك اشترى هذا القميص لما صنعت به هـذا الصنع»، فتألمت ابنة الشاعر من ذلك الكلام. وحين رجعت هي إلى بيت أبيها قعدت بين يديه مطرقة رأسها، فسألها عن الأمر فأخبرته الخبر، فقال لها: «ارجعي إليها، وقولي لها إن أباك كـسانا حلة تبلى، وكسوناه حللاً لا تبلى، فالفضل لنا عليكم». فرجعت، وقالت لها مثل ما قال أبوها ثم عادت مسرعة إلى بيت أبيها. غضبت ابنة السلطان وأخبرته بما قالت ابنة الشاعر لها، فقال لها: «لقد صدقت في كلامها هذا يا بنية، فإن الفضل لهم علينا، لقد كسانا أبوها حللا لا تبلى، وكسوناه حلة تبلى، فليتك ما قلت لها ما قلت، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولاً».

وفي هذا السياق يقول الشاعر العماني بشير الفزاري:

أهديتني حلة تفنى محاسنها

لألبسنك من حسن الثنا حللا

وله أيضا:

سأكسوك يا نجل ابن سيف بن مالك

برود ثناء ليس يخلقها الدهر

أما الشاعر المعولي فقد أكد على هذه الحقيقة في عدة قصائد، وجاهر بها دون تردد، مبينا أن مديحه يمثل ذكرا أبديا خالدا لممدوحيه. يتجلى ذلك في قوله للإمام بلعرب بن سلطان، واصفا قصيدته بالعروس:

خذها عروسا بنت فكر مبدع

بكرا عروبا تفضح الأبكارا

تاهت على أخواتها بفرائد

وفوائد لا دملجا وسوارا

تحيي لك الذكر الجميل مجددا

ما دام قطب في السما مدرارا

وقال في مدح بلعرب أيضا:

إياك أن تدع الزمان يصيبني

بلواه بالبساء والضراء

أو أن يكدر ما صفا من مشربي

بصروفه أو أن يهد بنائي

فادرأ أذاة النائبات وكفها

عن أن يعض بها على أعضائي

ولتسخونّ بما ملكت فإنه

فانٍ ويبقى فيك حسن ثنائي

التماس العطاء

وانطلاقا من تلك الرؤية التي تجعل الشاعر يشعر باستحقاق العطاء، فإن كثيرا من الشعراء لم يكونوا يترددون في السؤال والطلب المباشر من الممدوح بأن يمنحهم ما هم جديرون به نظير هذا الثناء والشعر البديع الذي يسجل مآثرهم ويحفظ ذكراهم ويوثق مكارمهم ويدون مواقفهم وإنجازاتهم. لذا فإننا نجدهم لا يبدون تجاه ذلك أي حرج أو إحساس باللوم أو يخشون القدح أو سوء الفهم لدى الناس. إنهم مبدعون، أشبه بأصحاب المهارات العالية الذين يتقاضون حقوقهم الطبيعية لا غير. بل إن بعضهم لا يجد غضاضة في تسمية بعض حاجاته ويذكرها نصا. مثالا على ذلك طلب الحبسي من الإمام سلطان بن سيف بعض الملبوسات له ولزوجته سليمة:

إليك أبيات شعر

صحيحة لا سقيمة

أبغي بهنّ لحافا

ولو بأيسر قيمة

نعم، وأبغي رداء

ومعوزا لسليمة

كما رأينا ابن شيخان يطلب من السلطان فيصل بن تركي بندقية موزر قبيل رحلة يعتزم القياد بها فيقول:

سيدي فيصل هب لي

موزرا ذا رميات

فلقد آن ركوبي

للمطايا المنجبات

سوف يمضين رويدا

بالعطايا المثقلات

فاحيِ قلبي بعطاء

منك يا ماء الحياة

إنما جودك غيث

والرعايا كالنبات

أما المعولي فلم نجده يسمي حاجة بعينها، ولكنه كغيره من الشعراء يصرّح بطلب العطاء ويلتمسه، ويذكر سخاء الممدوح وفضله عليه وكيف تولاه بالعناية والرعاية والبذل السخي منذ أن كان صغيرا، وقد شب في هذه النعمة حتى كبر واشتد عوده. إنه يقابل هذه الهبات بالشكر وعدم الجحود والنكران، في الوقت الذي ينتظر دوامها واستمرارها:

يا أيها الملك المرجو إن لنا

لحاجة نحن نرجوها وننتظر

فما بسطت يدي أرجو مساعدة

إلا وكفك لي بالجود ينحدر

وكيف أجحد نعمى وهي سابغة

علي في صغري حتى أتى الكبر

وقال مخاطبا الإمام سلطان بن سيف:

إني دعوتك فاستجب لي دعوتي

يا غاية الإجلال والإكرام

أمطر علي سحائبا من فضة

من أنمل مثل البحار هوامي

وفي قصيدة أخرى يذهب المعولي إلى استحضار عظمة قصيدته وجمالها، واصفا إيها بالأنثى الفاتنة التي جاءت تختال في ثياب بهائها، كريمة الأصل تفوق نظيراتها في الحسن والجمال. ويطلب من الممدوح بأن يرهف لها السمع ويصغي لهمس حروفها ويتأمل روعة منظرها، فهو الوحيد الكفؤ لمثل هذه القصيدة البديعة. وبعد أن يفرغ من وصف قصيدته يتوجه بالسؤال مباشرة إلى الممدوح بأن يعطها ما تستحق من الثواب، وأن يجزل لها الإحسان:

هاك من مخلص هديا تهادى

في ثناء من الثياب اختيالا

بنت فكر كأنها بنت عشر

تستحق الإحسان والإقبالا

كرمت محتدا وفاقت رواء

وجلت منظرا وتهات جمالا

فاصغ سمعا إليها إذا ما

نطقت بالمديح فيك امتثالا

أنت كفؤ لها فأجزل لها الإحسان

عفوا جاءتك تبغي النوالا

تبجيل الممدوح

يرفع المعولي من ممدوحه ويخلع عليه صفات فوق طبيعة الإنسان العادي. ويرى المعولي أن مدح الأئمة من فضائل الأعمال أو شيء كالعبادات التي يتقرب بها إلى الله ويلتمس بها ثوابه في الآخرة. فهو عبْر مديحه يبتغي ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. وقد ورد هذا في العديد من قصائد المعولي، ومن أمثلة ذلك قوله:

مدحي لكم أرجو به الحسنى غدا

أو أن يبوئني بدار بقاءِ

وقوله:

مدح الإمام شفاعة

ترجى ليوم لا مفر

ويقول أيضا:

مدحي له دين ولا

أخشى أصير به أثيما

ويقول في موضع آخر:

كان مدح الأئمة العدل دينا

وامتداح الضلال ظلما وفسقا

وإذ يسعى المعولي لترسيخ هذه القناعة في مدائحه، فإنه يسوق في ذلك مبررات جوهرية، فهو يرى وجوب التزام طاعة الإمام، ويربط طاعة الله بطاعة الإمام، ويقرر أن من عصى الإمام فقد زلت به قدمه وحاد عن الطريق القويم. الإمام هو العالم العلم، وهو المجتهد القائم بالعدل بين العباد، وهو الرؤوف الذي لا يجوز عليه اللوم أو الندم. وبالتالي فإن مدحه أمر يرجو منه الشاعر مغفرة الله ومحو الذنوب. إن المديح وفق رؤية المعولي عمل يتسم بالنبل والشرف، إذ هو تخليد لسجايا الإمام وسرد لمحامده وما يتصف به من الخصال السامية:

فطاعة الله رب العرش طاعته

ومن عصاه فقد زلت به القدم

فكن مطيعا له في كل حادثة

من الأوامر فهو العالم العلم

فهو المقيم بعدل الله مجتهدا

وهو الرؤوف عداه اللوم والندم

مدحي له أرتجي غفران يوم غد

ومحو ذنب جرى مني وما يصم

وحين يقرر المعولي هذه الحقيقة، التي يبدو أنها كانت تشكل لديه رؤية تصورية يقينية، فإنه ينطلق منها لما يبدو أنه قد بلغ ذروة المبالغة في التصوير، حين يشير أنه قد عمل على كتابة قصيدته بإخلاص وهذبها من النقص والخطأ، لأنه يرجو أن ينال بها الثواب من الله عز وجل وغفران الآثام والمعاصي، وهو يضع تلاوتها في مقام تلاوة القرآن الكريم. وفي الحقيقة لقي هذا التشبيه عدم القبول من قبل الكثير ممن قرأوا شعر المعولي وعدوه إحدى السقطات والمبالغات. ونحن إذ نتوقف عند هذا البيت فإننا نرى أنه ربما نلتمس للبيت معنى غير المعنى الانطباعي المباشر الذي يتلقاه القارئ من القراءة الأولى، ويتوجب علينا الذهاب إلى خيارات تأويلية تتفق مع روح الشعر وطبيعته في تعاطيه مع اللغة. يقول المعولي واصفا قصيدته:

هذّبتها أرجو الإله بها غدا

فيحط عني الإثم والآصارا

إن الذي يتلو معانيها كمن

يتلوا كتاب الله والآثارا

القصيدة/ الأنثى

تتجسد قصيدة المديح لدى المعولي في صورة أنثى فاتنة، بارعة الجمال، وكأنها غادة حسناء، مكتملة البهاء. إنه نوع من أنسنة القصيدة وإلباسها ثوبا حسيا، عبر وصف محاسنها ومفاتنها، بل يذهب أحيانا إلى التباهي بنسبها وأصلها العربي. يقول المعولي في هذا معنى:

فاسمع لها عربية فكأنها

من حسنها كالغادة الحسناء

لا عيب في أبياتها إلا إذا

قرئت تسوّد أوجه الأعداء

ويقول أيضا:

ودونكمُ عروسا بنت فكر

تفوق الشمس إشراقا ولمعا

خصصتكمُ بها فاخلع عليها

لباس الجود والإحسان خلعا

إذن فالمعولي يرفع من قمية الممدوح كما يرفع أيضا من قيمة القصيدة. إننا أمام القصيدة/ العروس/ الشمس/ البدر/ الثريا، المبرأة من النقص والعيوب سوى أنها تغيظ الأعداء غيرة وحسدا. لذا فإنها تستحق المهر العالي والعطاء الجزل، فتلك قيمتها الطبيعية. إن قصيدة كهذه في نظر المعولي جديرة بكل عطاء وإكرام، وهو يطلب من الممدوح أن يفيها حقها ويجزل في الإحسان:

هاك عروسا من ذي وداد

فاخلع عليها الإحسان خلعا

كأنها البدر لاح نورا

أو كالثريا تروق لمعا

لا عيب فيها سوى الأعادي

تسفعهم في الأحشاء سفعا

وادفع لها مهرها وأجزل

لأنها تستحق رفعا

الاعتداد بالذات

من الظواهر البارزة في شعر المعولي عامة وفي مدائحه خاصة اعتداده بذاته وافتخاره بموهبته وإعجابه بعبقريته الشعرية الفذة، التي يرى أنه لا يضاهيها أحد في الولين والآخرين. ومما لا شك أن هذه النزعة موجودة لدى الكثير من الشعراء والمبدعين عموما، فالمدبع دائما ما يشعر أنه متفوق على أترابه، وهذا أمر شائع في حقول الإبداع عموما. ولئن كانت هذه الظاهرة ليست بارزة في الشعر العماني إلا إن عددا من شعراء المديح يفصحون عنها بوضوح وأبرزهم المعولي. فها هو حين يمدح بلعرب، يصور الإمام أنه الأوحد في الجود والسخاء ويصور نفسه أنه الشاعر الواحد الذي لا يضاهيه شاعر آخر ولا يبلغ علو قامته:

يا واحدا في جوده، أنا واحد

في شعره، سامح وخذ ما أمكنا

جاءتك من رب الفصاحة مدحة

تزري على غرر المدائح والثنا

كالجوهر الشفاف تنثر لؤلؤا

فالقطه ممن سرّه ما أعْلنا

وحينما يصف قصيدته بالعذراء الفريدة يقرر أنه لم يتفوه بمثلها أحد. إنها القصيدة المعجزة التي لن يأتي البشر بمثلها ولا تخطر على بال إنسان.

هاك عذرا بنت قؤول

ما لها في الأنام إلاك بعل

لم يفه بمثلها فم بقواف

زانها من لديك قول وفعل

لا تبالي بمن يدب على الأرض

فأنت المحق بالمدح فاعل

وحين يتواضع المعولي ليذكر بعض كبار الشعراء جملة من كبار شعراء العربية في قصيدة واحدة وهم البحتري والمتنبي وأبو تمام، ليقرر بعد ذلك أن قصيدته حوت من سلامة اللغة ورعة التصوير والإحكام وجودة ألفاظها ما حوته أشعار هؤلاء الثلاثة. لذا فإنه ينثرها على الإمام كالقلادة متباهيا، ويسكب بين يديه لآلئها وجواهرها النفيسة:

إني نثرت عليك در قلائد

تزري بكل لآلئ ونظام

خذها مبرأة من التدليس

والألحان فهي أتت لخير إمام

وحكت قريض البحتري سلامة

وابن الحسين الفذ في الإحكام

كلا معانيها وجودة لفظها

من شعر ذي المعنى أبي تمام

لقد أخلص المعولي في مديحه، وكان مؤمنا بأدبه، واضحا في رؤيته. لقد رأى المعولي أن الشرف مقتسم بين المادح والممدوح. فالمادح هو الشاعر الذي خصص شعره لأئمته وولاة أمره وقادته، فخلد مآثرهم وحفظ ذكرهم في شعره إلى أبد الآبدين. أما الممدوح فهم أعلام الهدى من قادة الوطن، الذين يقيمون العدل ويبذلون دماءهم وأرواحهم في سبيل نهضته وحريته وكرامته. وقد كرس المعولي صورة الشاعر المعتد بإبداعه، فكان لا يتردد في السؤال لنيل استحقاقه من الهبات والعطايا، فحامل القلم في الذود عن حياض وطنه شأنه شأن الجندي الذي يحمل السيف في ميادين القتال. كل هذه القيم والرؤى تتجلى في شعر المعولي كما تتجلى أسماء الأئمة والعلماء والولاة والأخيار.

حسن المطروشي شاعر عماني