ترجمة: محمد قنور
ليز لوكهاد
(ولدت سنة ۱٩٤٧)
ما ينقص الشعراء
على رأسه إكليلٌ،
الشاعر بريء من أريج أوراق شجرة الرَّنْد الملتوية.
وللشِّعر كل المجد.
ولا حاجة للشعراء إلى أمجاد. لمَ يستحقون الثناء؟
أمن أجل حب محاولة القبض على صورة مفصولة
وجعلها واضحة بتلك الكلمة البسيطة؛
أم لأجل الإصغاء إلى الصمت على إيقاع القُدرة
على تحمل فكرة لم يُفكَّر فيها أحد بعد؟
أم السعي وراءها مُكافأةً لها.
دع القصيدة تأتي إلى الصوت عبر تذييل الكلام
في وقت متأخر في بيت مظلم،
ودندنة مقاطع لخربشات،
أو ما يُعتقد سطور في النهاية،
إذ بإمكانك إدراكها كما يجب.
وربما في الأماكن العامة أيضا؟ في قطار النهار،
بقلم حبر، وظهر ظرف،
لتحدث متعة مطاردة الإوزة البرية مجددا
وتجاوز كل هذه الضوضاء.
الإلهام؟ جرس يرنُّ، وقطعة نقدية تسقطُ،
ومصباح كهربائي يتدلّى من أعلى
والفكرة الرديئة التي جاءت سابقاً
لا، ليس هكذا. اكتبها وامسحها،
واكتبها مجددا بنفس الأسلوب، ولكن تحت ضغط مختلف.
لتكتشف أن هذه لعبةٌ، ونادرا ما تنتصرُ،
وقد تنتهي معظم مجهوداتك في سلة المهملات.
هناك مائة مالك الحزين عابس
يتعقب امتداد النهر قرب الضفة
ولن يحدث هذا بدون سمك هناك.
وإذا لم يحدث أي شيء، ففي كل ذلك الرماد المتناثر،
وميضٌ لشيء ما يدفع إلى المحاولة السريعة.
هكذا تكون القصيدة بعد فترة طويلة من العدم،
فيمكنك انتزاعها من ذلك الشيء كطعام لك.
لتنجو، كما تفعل الأوراق.
وكل المجد للشعر، بسميائه هذا
واقترانه بالعبارات المألوفة والمتجددة،
التي نُصرُّ على سماعها ورؤيتها.
لا حاجة للشعراء إلى أمجاد بالتأكيد؟
فقصائدهم، عندما يتمكنون من إنجازها، ولو نادرا،
تتويج لهم بلونه الأخضر.
كارول آن دافي
(ولدت سنة ۱٩٥٥)
قصيدة الاشتياق
كم هو مرهق هذا الاشتياق.
الاشتياق إلى الكلمات النّائمة
في عيون الرفيقة المستلقية على ملاءة بيضاء،
هذه حالة راحة في اللغة.
فدعوني أحصي الطُّرق
أو تقليصها إلى عبارة مثل شاهدة قبر.
وتعالوا للعيشِ معي،
أو للسقوط من سحابتها العالية
كمقاطع في بركة من أبيات،
لساعة واحدة فقط.
حتى يستسلم الشوق
ويتحدث بهمسةٍ من فنّ
يا عزيزي! يا قلبي!
كيف يعجبك الأمر؟
وشفاه الحب تتحوّلُ إلى علامات اقتباس
عندَ تقبيل السّطر.
فلتنظر في أمر قلبك
لتكتب عن تلاشي ضوء الحب والسواد،
اللون الأسود كحبر على صفحة
إنه حديقة في بداياتها.
والحب يستوطن العقل
يا أمريكا! يا أرضي المكتشفة من جديد
كل شيء في القلم
الذي في يد الكاتب
ليلمحك معرضا فنيا
ليس بعيداً، بل في قصيدة،
مستظهرة عن ظهر قلب مثل صلاة،
قريبة وبعيدة على حد السواء،
قريبة وبعيدة كعثّة
برغبتها الجامحة تجاهَ نجم.
جاكي كاي
(ولدت سنة ۱٩٦۱)
لسان قديم
عندما كنت في الثامنة من عمري،
أرغمتُ على الهجرة جنوبا.
لم يمض وقت طويل، عندما فتحت فمي،
وحدَثَ شيءٌ غريب.
لقد فقدت لهجتي الإسكتلندية.
سقطتِ الكلمات من لساني:
(حمقاء.. باردة.. منهكة.. متذمرة..
متلعثمة.. ريفية.. غاضبة..
إذن أنت، وأنا أنت.. فلأراك.. فلأرى أمي)
أغلق فمك، أو سأجلدك
بدأت حروف العلة الخاصة بي تتمدد مثل عظامي
وأدرت ظهري لإسكتلندا.
اختفت كلمات في جوف الليل
وولجَت كلمات جديدة: مروّعة وفَظيعة،
المخيف أن نطق كلمة (scones) مثل (stones).
و(pokey hats) تعني آيس كريم.
اه أين ذهبت كل كلماتي
كلماتي القديمة، كلماتي المفقودة؟
هل شعرتَ يومًا بالحزن عندما فقدت كلمة ما؟
هل سبق لك أن حاولت الاتصال بها مرة أخرى؟
مثل مناداة في البحر؟
لو وجدتُ كلماتي تتجول
أقسم أني كنت سأحتويها
أبتلعها بالكامل، أو أتجرعها.
متنزهة في التربة الإنجليزية، كلماتي القديمة
تدفن نفسها. ما جعل دم أمي يغلي.
بكيت ذات يوم بصوت باطل في فمي.
أردت استعادتها. أردت استعادة لهجتي القديمة،
لساني القديم. لساني الإسكتلندي الذي صار فاشلا.
لأغني أغنية، أردت منحها كل طاقتي.
كاثلين جيمي
(۱۹٦٢)
الغطّاس
كان الشتاء قارسًا،
كنتُ أسير عبر غابة من أشجار الصنوبر
فلمحت طائرًا وحيدًا يحلق حول شلال.
حطّ على صخرة نديّة،
وبينما كان الماء يتدفق برعونة،
أطلق من حلقه
أغنية عذبة لا تُصد.
آه! ليست ملكي لأهبها الآن.
ولا أستطيع استمالة هذا الطائر إلى يدي
الذي يعرف عمق النهر
ويُغني عنه على اليابسة.
*
قمر
الليلة الماضية، حين اندس القمر إلى علية البيت
بضوءٍ مستطيل،
شعرتُ أنه جاء ليُعزّيني.
كان شهر أغسطس.
سافر بحقيبة صغيرة
أثناء الظلام والنجوم الأولى
العائدة إلى سماء الشمال،
وبدت غرفتي قد افتقدته.
تظاهر بالاهتمام بخزانة الكتب
بينما تحركت أشياء أخرى
كما في بركة صخرية،
بحياة غير متوقعة:
تألقت خيوط الخرز في وعائها الأخضر،
وأوراق متراكمة على المكتب؛
بدت الكتب أيضا وكأنها تميل
للانفتاح والاعتراف بشيء ما.
متأكدة من أن القمر
يخفي نية ما،
انتظرتُ؛ راقبتُ دهرًا
نظرته الباردة وهي تتحول
أولًا إلى رسمة زهرة
مثبتة على الجدار البعيد
ثم ينحدر ليسترخي
على أرضية خشب الصنوبر،
قبل الاكتفاء. يا قمر،
قلتُ، لكلينا ندوبٌ الآن.
هل هي بعيدة المنال عنكِ؟
كلمات الحب البسيطة! فانطق.
أنت لست أمي؛
وأنا مع أمي، انتظرتُ حتى الموت.
*
الشاهد
حسنًا يا صديقي، ها نحن هنا مجددًا نتسكع
وصلنا آخر نصف ميل من نهاية الأرض المتداعية
لنكتشف ما أعدّت لنا، ها نحن مبعثران على الأرض
مثل ريش النورس، مثل أصداف باهتة،
هذا ذكر الفقمة ممدد، جاف بالكامل،
ومنهك بسبب موسم التزاوج
طرقنا على رأسه الجلدي، لكن لم نجد أي مجيب.
تغيير.. تغيير.. هذا ما تصرخ به طيور الماء
متجهة إلى صخورها المطلة على البحر؛
تتبادل السحب المتناثرة القبل مع الملح
وكل شيء آخر مؤقت،
حتى نحن وكل ما صنعناه.
أظن أن هذا هو سبب إعجابنا بهذا المكان:
نستمع لهمهمة قصيرة؛
نغمات عصافير القنبرة الخافتة
فوق الصخور.
ليزلي هاريسون
(ولدت سنة ۱٩٦٤)
«زانادو»
في «زانادو»، يحتفظُ بمزرعته الخاصة بالخيول:
عشرة آلاف فرس وخيول مخصية، جميعها بيضاء كالثلج.
هذه الفروس تلقحها الريح
رافعة ذيولها في الخريف، تنمو ببطء
وتستدير، وتنكمش مع تغير الفصول
حتى تختفي في يوم من الأيام.
ثم يأتي الشتاء:
الماشية هزيلة، وخطوط أضلاعها مكشوفة؛
تتشقق القرون، ويُعفنُ الصقيع ألسنتها
أفواهها مصباح في ثقب أسود من أسنان وجليد.
يتراجع الآن ضوء النهار، ويصير أحمر
والأنهار الباردة ملتحمة بالأرض؛
تدور الأرض حول القمر؛
عالمان توأم من هواء أبيض جاف
وعظام عارية متناثرة.
الأيام بلا أسماء؛ صمت خانق في كل يوم.
ثم في يوم من الأيام، أواخر أبريل
تترك الريح آثار أقدام موحلة على الطريق؛
تحرق الشمس ثقبًا في السماء
وهناك ترعى الخيول على التلال
كغيومٍ مُكسرة على العشب
كائنات من بلدٍ غريبٍ وقديم
ينمو شعرٌ خشنٌ على أطرافها
بينما يتسلل الضوء منها خفية.
جيدا بيرل
(ولدت سنة ١٩٧٨)
التنزه في مرتفع
صقرٌ في صدري: أمنيةٌ في نفسي
مكانك هنا، بين الشجيرات ونباتات الخلنج.
دعها تتسكع فوقك
جسدك الأسمر الذي يتسكع في الوادي، ليس منظرًا غريبًا.
تجاهل حيرتها ونظراتها الحادة
لا يمكنها الشعور بالفروع المكسورة بداخلك.
اتبع ذلك المسار الشوكي الضئيل.
فلترسو سفينتك في وجه الريح العاتية.
ابحث عن الرؤوس الصخرية البارزة
وثبت نفسك على أرضك.
تحدث بفطرتك
لا أحد يصدقك، لكن لن يعرفوا أفضل منك.
فكن صبورًا مثل شجرة التامول الفضية المتجاسرة
نعم.. أو عابرا مثل الشعيرات على الشوك.
ماريون مكريدي
(ولدت سنة ۱٩٧٧)
انظر إلى الزعفران
الجفون آخر بتلات تُطبق على هذه الحياة.
ضعوا الزعفران على عينيَ عندما أموت، فسيرشدني.
أركعُ بجانب الزعفران، وألمسه برفق كما لو كان جروًا صغيرًا
يقفز بحماس في نسيم الربيع بأسنانه الشبيهة بمشبك.
انقضى الثلج أخيرا، بعدما نظّف الأرض للزعفران الفاخر
وصار مثل الشعر الحريري أو البشرة المدهونة بالزيت.
لا تنخدعوا، فالزعفران جامح كعجلة مدينة ملاهي
تدورُ بلا سيطرة. قُذف الزعفران على الأرض؛
وهو متناثر حول جذوع الأشجار كبقايا حادث مروّع.
إنها دموع أرجوانية مخيّطة يدويًّا على الأرض.
كلنا ناجون في هذه الحياة، ولكن لا أحد أكثر نجاة من الزعفران
المغروس بين الأعشاب مثل شريحة إلكترونية تجمع تاريخ العالم.
الزعفران غواصات تتحرك بصمت بين أمواج خضراء.
يبدو الزعفران وكأنه يذوب بين زهور الثلج كالمثلجات
بمظهر ضفدع رطب؛ بالكاد تُرى مياسمه البرتقالية مثل حليمات اللسان.
الزعفران أقمار صناعية في العشب تراقبنا،
تعرفنا أفضل مما نعرف أنفسنا. أنظر إلى الزعفران.
ولا تطأ على الزعفران الأرجواني، فسيتذكر آثار أقدامك؛
كالفيّلة؛ لا تنسى أبدًا. الزعفران يغري مثل مشروب كحولي منزلي الصنع
كل زهرة كأس من ضوء الشمس. الزعفران كلمة رقيقة في أذني؛
الزعفران هو أفضل ما فيّ. أحمله في رأسي كأغنية.
أريد أن أزحف داخل دِرعه الأرجواني، لأسكن في خيوطه العسلية
في شعيراته الرفيعة هناك في قلبه.
شكرا لله، حتى عندما يُسدل الستار الأخير
فسيكون مصنوعا من الزعفران.
*
جبال «أروشار ألبس»
لقد عُرفتُ بقدرتي على إنجاب جبل كامل،
سلسلة منها في أحشائي،
أخرجتها واحدًا تلو الآخر.
الابن ذو الوجه الأسود الملطخ بالدماء،
لم أصدق اكتماله،
وجهه مثل الألماس المهشّم.
ثم الآخر، الذي طار مني كشهاب ساقط؛
فتاة توأم كالمرآة، وجهها مثل أوركيدة
انفتح.. وانفتح.. وانفتح..
فحدث المزيد منها،
واحد مولود من الماء، وواحد من نار،
واحد لكل عنصر.
لكن أيامي الجبلية قد ولّت الآن.
وسحب الليل الحمراء، المشيمة
في دواماتها كأصداف الحلزون.
أطلقنا على الأجِنّة أسماء:
جبل «نارنين» وجبل «فين» وجبل «إيم»،
وجبل «فورلتيش» وجبل «بهويد».
*
ورود
لا مفر من عاصفة الورود
المتشابكة على الجدار المتشقق
لقوس نافورة مهجورة.
لا مفر من بذورها الحمراء،
المنتشرة لتذكرني بأطفال لم أرزق بهم.
إذ أصغيتَ جيدًا، يمكنك سماع طنينها،
دويّ قلب بتلاتها مثل صوت القيثارات.
لا عودة إلى الوراء،
ولا داعي لاكتشاف المريخ
أو هذه الكواكب الحمراء التي تقف أمامي متأملةً،
إنها مفترسة الضوء التي تفقصت من الشمس
تنزف دما مثل قبضات نساءٍ
خضنَ حربًا.
*
خشخاش بري
وكيف لكِ البقاء؟ بحلقكِ الطويل،
ورأسكِ الأحمر كالثور الهائج؟
تنهضين ثقيلة في الليل، والنجوم ترتوي
من عنقكِ البرتقالي.
تطربني ألحانكِ الحريرية
تحت امتداد جبال «البرانس».
تتحركين كأنك في دار الأوبرا،
وتتفتحين كشقائق النعمان البحرية.
أنتِ دماء الأرض الأولى.
وكم تُحبكِ الطيور!
أغبطكِ على فستانكِ الأحمر.
وأنتِ مستعجلة مثل البريد الجوي، حمراء مثل الوحش،
صُلبان «أربعاء الرماد» موشومة على رأسكِ.
وأنفاسكِ مثل الفراشة
تطلقين العنان لأريجك وأسراركِ،
فيسوّد النحل فمكِ
كأن غسيلكِ الأحمر متسخٌ
ويتدلّى على الأرض.
مورييل سبارك
(۱٩۱۸-۲۰۰٦)
الرسل
يصلون في وقت متأخر أحيانًا،
ولا يمكن توقع قدومهم أبدا، لكنهم يأتون،
يحملون معهم المعنى الخفي
بين سطور داخل رسالة.
كالفزّاعة في موسم الحصاد
تحوّل حقلًا غافلا إلى التياع
هذه التلميحات الشاقة غبية ولا داعي للإصغاء لها،
لأنها تجعل الحدث أزمة كبيرة.
إنهم الرسل الذين يديرون خشبة المسرح،
فيما نحاول التشكيك بهم،
يضعون مصيرنا بين أيدينا؛
بدونهم ماذا كان سيفعل «سوفوكليس»؟