محمود حمد -

يشير فيليب هامون في تحليلات كتابه «سميولوجيّة الشخصيّات الروائيّة» إلى ما يمكن أن يضيفه تعاون أدوار الشخصيّات في توجيه الأحداث إلى تكثيف أزمة الرواية، وهذا -وكما هو معروف أساسا- يعود في كثير من الأعمال الروائيّة إلى نجاح العمل في تشكيل بُنى العقدة التي تتطوّر أساليبها متوازية مع تطور الفكر والفلسفة الإنسانيّة في الخطاب الروائيّ. وإذا كانت الشخصيّات الرئيسة تتنافس في إظهار تطورات الأحداث وتكثيفها بحسب دورها في التأثير المرتبط بمواقفها التي يميّز بها العمل كل واحدة عن الأخرى؛ فإن الشخصيّة المحوريّة وإن اعتبرها الدارسون ضمن الشخصيّات الرئيسة؛ لكنها تتميّز بإثارة الكثير من الطرح الناتج من أدوار بقيّة الشخصيّات، وهي أقرب إلى ما تسمّيه أحلام بكري الشخصيّات المدوّرة؛ تلك التي لا تستقرّ ولا يعرف القارئ مصيرها، غير أنني أقول عنها محوريّة لأن الشخصيّات تدور حولها أو تتأثر بها. طالب الرفاعي في روايته «خطف الحبيب» شكل محورا صلبا بضعفه ومواقفه وهي شخصيّة أحمد، ومع أنها تطوّرت بمواقفها السلبيّة عن الآخر من خلال نظرتها الأيديولوجيّة؛ لكن قوّتها تكمن في تأثيرها على شخصيّات الرواية الرئيسة والثانويّة، فالعلاقات -كما يشير عبدالملك مرتاض إلى اشتغال بالزاك- تفرضها عيوب وعواطف وأحقاد وشرور وآلام وأهوال حياة الشخصيّات، وردة فعل أبيه تشي بعمق هذا الأثر.

«مَنْ لعب بفكر أحمد، وحشا اقتناعه بعشق الدم... وسلّمناه لقمة سائغة لمتصيّدي حمام المساجد؟! كلانا أثِمَ بإهمال سلوكه، وجعل منه إرْهابيّا!» (ص14).

تأثير شخصيّة أحمد في محاكمة الذات يدل بوضوح إلى الخذلان بين الواقع والمأمول، والقسوة تكمن في الوعي الذي يشكل فهم المحيط، وعلى الرغم من الاعتراف بفشل الشخصيّة في تحقيق المأمول؛ لكنه تدرك وطأة المؤثّرات على المحيط، وكل هذه المحاكمة تولّدت من محوريّة شخصية أحمد؛ تلك التي تنتزع الأب من انشغاله وعواطفه وعلاقاته، بل وتفرض نفسها في كثير من المواقف عليه.«تحرّك ضيقٌ خفيٌّ في صدري..»، «كدت أتعثّر بضيقي ورائحة الدم وأنا أنزل درجات السُّلم..» (ص15).

شخصيّة أحمد تستعيد عذاباتها على شخصيّة الأب يعقوب باسترجاع هذه الأخيرة ذكرياتها وإرهاصات تغيّر شخصيّة أحمد، يرتبط الأمر بعلاقتها بالأب، وهو ما تؤكده كثيرا من مواقف ومواضع متعددة في الرواية، أحمد الأقرب دون إخوته من أبيه، ولهذا كان شخصيّة محوريّة في الرواية؛ لأن وعلى الرغم من الدور الذي تؤديه شخصية يعقوب الأب في صيرورة الرواية وتحوّلاتها؛ إلا أن هذه الشخصيّة ضعيفة، هشّة، مشتّتة أمام الشخصيّة المحورية أحمد.

«تعلّق يعقوب به دونا عن إخوته، كان كلما جلسنا وحدنا، يبوح لي بنشوته: حبيبي أحمد يشبهني!. كنت أنظر إليه؛ فتعلو وجهه ابتسامة غريبة، ويؤكّد: يعجبني في شخصيّته، وهدوئه وصمته! سأجعله يتولى أمور شركاتنا، وستكبر أكثر به. كنت ألومه: لا تفضّله على بقيّة إخوته!، وكان يبرّر: هو الأقرب إلى قلبي، ولن أقصّر مع أيّ من إخوته» (ص28).

هذا الحوار بين يعقوب وشيخة يفسّر انهيار الآمال إضافة إلى كسر العاطفة التي أودت باستقرار وهدوء حياة يعقوب، وعلى الرغم من دور شخصيّة يعقوب -كما أشرنا- وعلى الرغم من اهتمام الكاتب بها؛ لتكون في مركز اهتمام الشخصيّات الأخرى، ويتوقف عليها فهم تجربة العمل الروائيّ، كما أنها تقوم بالدور الأساسيّ كما يؤكد عبدالقادر سي أحمد في دراسته محوريّة الشخصيّة الروائيّة ودلالاتها في بناء رواية (دموع وشموع) لعبدالجليل مرتاض؛ نقول على الرغم من كل ذلك فمحوريّة شخصيّة أحمد توجّه الجزء الكبير من هذه الشخصيّة الروائيّة، فشخصيّة الأب تتضعضع أحلامها ومشاعرها أمام استعادات الذاكرة أو لحظة الشعور بألم ما تحوّل إليه أحمد. أحمد الذي يراه يعقوب من زاوية أخرى غير الزاوية التي يرى منها بقيّة إخوته، فسيرته تشارك الأبوين وتقتحم خصوصيتهما في الحديث، وعلى الرغم من اعتراض شيخة أو موقفها الرافض من استحوذ أحمد على اهتمام أبيه؛ لكنها لم تستطع أنْ تدفع يعقوب إلى تغيير هذا الشعور تجاه أحمد؛ (هو الأقرب إلى قلبي)؛ قالها يعقوب مقابل اعتراض شيخة ولومها.بل أكثر من ذلك؛ فقد كان صمّام الأمان في علاقة يعقوب بشيخة، ومؤثرا كبيرا على هدوئها واستمرارها.

«في إحدى المرات لامني: لم تهتمي به». «غياب أحمد وأخباره المخيفة دسّا مزيدا من البرود في علاقتنا» (ص27).

انشغال الأب عن ابنه لا يعطيه حق اتّهام الأم بتقصيرها؛ فالأولاد -وإن تفاوتت نسبة هذا الاهتمام بسبب انشغال أحدهما بالعمل أو كلاهما- مسؤوليّة الأبوين؛ لكن يعقوب ينهار نفسيّا أمام انهيار آماله بأحمد، فتؤثّر شخصيّة الأخير بتحوّلها في حياته، حتى في جانبه العاطفيّ الأكثر فراغا بينه وبين نفسه؛ حيث تسيطر عليه شخصيّة (فرناز) الجميلة؛ توجّه محوريّة شخصيّة أحمد شخصية يعقوب إلى ارتباك وشعور بالندم.

«كيف حرّكتْ هذه الفتاة مياه بحيرة قلبي الساكنة؟» (ص51).

أحمد يشكّل علاقة حادة مجهولة متوهّمة يشعر بها يعقوب؛ وهذا توجيه آخر لشخصيّته المحوريّة تؤثر على شخصيّة يعقوب الأب، يتوهّم يعقوب إثر حياته الممزّقة عاطفيّا بين ابنه وحاجته إلى فرناز. يتصوّر وجود علاقة استقراء لتزامن ظهورها في أزمة أحمد؛ يقول:

«شيء ما يجمع بينها وبين أحمد، هي مُقدّمة لأمر سيأتي، وعليَّ تتبّع الإشارة» (ص45).

«ظهور هذه الفتاة أمامي أجج اشتعال جمرة أحمد في قلبي، كأن شوقي لها يغذّي شوقي لولدي. لكن هل من الممكن أنْ تكون هي طريقا يأخذني إليه» (ص72).

هذا التزامن الذي يتوهّمه يعقوب أداة فنيّة يربط بها الكاتب بين التحوّل العاطفي في ظل انكسار الشخصيّة وعقدة الوصول إلى أحمد بمساعدة (فرناز) التي جسّدها وقوف أخيها مع يعقوب في أشد موقف يكون فيه، وهو ما أدّت إليه شخصيّة أحمد من تضحية الأب مغامرا في إنقاذ ابنه. ومع ذلك تتحوّل هذه الحالة التي تنبتها (فرناز) في يعقوب من رغبته فيها إلى تجاهل شعوره بها لحظة حضور الشعور بأحمد.

«ماذا أريد من الفتاة؟، أشعر كأن شيئا أكبر وأكثر من الجنس يهزّني نحوها ويلعب بروحي. بقيت متفكّرا فجاءتني صورة أحمد، وعلى الفور صعدت رائحة الدم لأنفي، وهاجت بروحي». (ص104).

إن شخصيّة أحمد توجّه شخصيّة يعقوب بأكثر من شكل، ومنذ أنْ اتجه في طريقه تتوالى عليه هموم تثقل كاهله وتخرجه من أحلامه ورؤاه، والعلاقة بينه وبين ابنه منذ الصغر ساهمت في صنع شخصيّة أحمد المحوريّة، وكل ما تقوم به شخصيّة الأب من ردّات فعل هو نتيجة قوة تأثير شخصيّة أحمد. لقد دارت حولها شخصيّات أخرى بين الاستغلال والحب، فأمه بين وجع قسوته عليها وبين قسوة غيابه، واستغلّ خاله عثمان اتجاهه الدّيني في صنع شخصيّة التحول منذ صباه.

يمكن أن تقدّم دراسة أو قراءة واسعة في محوريّة هذه الشخصيّة، وهو مما لا تتسع له محاولة تتبع هذه القراءة لبعض هذه الملامح؛ وإلا فإن الرواية تنجز كثيرا من المتعاكسات الناشئة في الجانب العاطفي المتعلق بالشخصيات الرئيسة؛ وعلى رأسها شخصيّة الأب.

محمود حمد شاعر عماني