إبراهيم فرغلي 

بالرغم من الطوفان الرقمي الذي يغمر عالمنا اليوم، بما يشمله من الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية التي تنقل تفاصيل العالم بالصوت والصورة لحظيا، فلا يزال أدب الرحلات يحتفظ بنوع من الغواية والجاذبية التي لا تخبو.

ولعل سرّ هذه الغواية يعود في أحيان كثيرة إلى قدرة الكاتب على الغوص عميقًا وتقديم ما يقع «تحت سطح الصورة» المرئية، متجاوزا اللقطات السريعة والعابرة. وتتضاعف هذه القيمة الفنية والتوثيقية بشكل خاص عندما تتاح للرحالة الإمكانات والوقت الكافي للعيش في المكان لفترات طويلة، مما يحول النص من مجرد رصد سطحي للمشاهدات إلى غوص معرفي يلامس روح المكان ويحاول تفكيك أسرار مجتمعه وثقافته.

وأعتقد أن هذه الأسباب من بين ما يسوغ جماليات كتاب «تحت سطح العالم» للكاتبة غادة لبيب، الصادر عن دار الشروق في القاهرة، بالإضافة إلى اختيارها لبلد بعيد نسبيا، وهي أستراليا. الدولة- القارة، بلد الكنغر والطبيعة الفريدة بكل مكوناتها التي تمتزج بشكل ما مع صخب الحداثة، والتي تجمع المهاجرين إليها مع السكان الأصليين في بوتقة واحدة وغيرها مما تعرفنا عليه في متن الكتاب.

اغتنمت لبيب، وهي طبيبة أسنان في الأساس، فرصة وجود شقيقها، الدكتور عمرو لبيب؛ الطبيب المتخصص في جراحة الغدد، في تلك البلد القارة، البعيدة، وقررت القيام برحلة طويلة امتدت إلى ستين يوما، للقاء عائلة شقيقها بالأساس ثم للتعرف على البلد البعيد، بالأحرى على مدينتين أستراليتين أساسيتين هما بيرث وملبورن، بالإضافة لزيارة سريعة إلى سيدني، وأن توثق ما تراه وتطرح منه الأسئلة ثم تحاول الإجابة عنها بالبحث والاكتشاف وكانت النتيجة هذا الكتاب الفريد.

شغف

لفت انتباهي من السطور الأولى للكتاب، حالة «الشغف» التي تسيطر على الكاتبة. شغف يحركه فضول للمعرفة، ويتجلى في تتبع ورصد دقيق لما تراه وتوثيق ما تتعرف عليه واغتنام أي فرصة لاكتشاف أي معلم سياحي أو ثقافي؛ متحف، مكتبة، حديقة، أسواق، معالم طبيعية، مناطق شلالات، مسارح أو منشآت ثقافية وفنية، بالإضافة إلى وصف الزيارات التي تقوم بها مع أفراد عائلة شقيقها في مناسبات مختلفة لأماكن سياحية أو لبعض لأماكن الاعتيادية التي يتردد عليها سكان المدينة في حياتهم اليومية، ووصف تفاصيلها وملاحظاتها الخاصة لكل ما تراه أو تسمعه، بما يفيد الكيفية التي تمنحنا بها فرصة إضافية لفهم طبيعة الحياة اليومية لسكان المدينة.

ولعل الكثير مما لا نعرفه عن هذه البلد القارة يعود إلى بعد أستراليا الجغرافي، لكن هناك أسباب أخرى وبينها، وهذا أمر لافت جدا، سيطرة المركزية الأوروبية على التاريخ من جهة، وعلى عقولنا أيضا بشكل أو آخر.

ولكيلا أرجئ شرح هذه النقطة أنتقل إلى زيارة قامت بها غادة لبيب إلى متحف «بولا بيرد»، وهي كلمة بلغة السكان الأصليين لأستراليا وتعني «قصص عديدة»، وهذه إحدى التجليات التي يكشفها الكتاب عن الطريقة التي تولي بها الحكومة الأسترالية اهتماما بثقافة السكان الأصليين وحقوقهم، ومحاولة تقديم اعتذار المستعمر على ممارساته في حق أصحاب الأرض، حيث ترصد عبارة شائعة تقول إنها رأتها في كافة المنشآت الحكومية إضافة إلى أنها تتردد شفاهة أيضا عند تقديم أي حفل موسيقي أو مسرحي، ونصها: «نحن نعترف ونحترم السكان الأصليين لهذا البلد وصلاتهم بالأراضي والمياه والسماوات».

أستراليا شريك زيارة القمر!

هذا المتحف الذي يعد معرضا يوثق تاريخ أستراليا من نشأتها حتى التاريخ المعاصر يضم بين محتوياته قاعة بعنوان «قاعة القمر»، ومن الاسم نفهم بأنه مخصص لكل ما يتعلق بالقمر، إذ يضم أقساما مختلفة بوسائل عرض بصرية حديثة بينها وسيلة تعمل على إيهام الزائر في أحد المواقع أنه يخطو بقدميه ويرى أثر خطواته على القمر كما تصفه الكاتبة بشاعرية.

ومن خلال هذه الزيارة تكشف لبيب معلومة حول دور أستراليا في إنجاح مهمة «أبولو ۱۱» الشهيرة التي انتهت بوصول الإنسان إلى القمر لأول مرة، بقولها: «وفرت محطة كارنارفون الأرضية الأسترالية اتصالات حيوية وروابط قياس عن بعد لمحطة ناسا الأمريكية في ولاية هيوستن في أثناء العمليات على سطح القمر، ودعم وحدة القيادة والحفاظ على الاتصال بالوحدة القمرية. كما ساعد تليسكوب باركس في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية أيضًا على نقل بث مباشر عالي الجودة من الوحدة القمرية إلى ناسا؛ ما سمح لأكثر من ٦٠٠ مليون شخص في جميع أنحاء العالم بمشاهدة اللحظة الشهيرة التي وطئ بها نیل آرمسترونج سطح القمر .

كانت هذه المعلومات جديدة تماما بالنسبة لي، ربما لأن وسائل الإعلام الأمريكية صاحبة الحدث لا تُبرزها، ولكنهم هناك في أستراليا فخورون بإنجازهم ويبرزونه تماما».

وهذه المعلومة ليست فقط أحد شواهد المركزية الأمريكية، لكنها من جهة أخرى شاهد ضد محبي نظريات المؤامرة ممن يميلون إلى تصديق الزعم القائل إن أمريكا لم تذهب إلى القمر من الأساس!

والحقيقة أن زيارات المتاحف التي قامت بها الكاتبة ورصدتها على صفحات الكتاب لا تكشف فقط ولع أستراليا بالتوثيق، بل تقدم دليلا دامغا على أهمية المتاحف في ثقافة الشعوب، وضرورتها في ربط الماضي بالحاضر، وتدعونا إلى أن نعيد التفكير جديا في صياغة مفهوم المتحف في إرجاء العالم العربي، وليس في مصر فقط.

فعلى سبيل المثال يمكن لمتحف مثل متحف السفن الغارقة، من بين قائمة المتاحف التي زارتها الكاتبة، أن يوثق طبيعة تلك السفن والمهام التي كانت موكلة لها أو دورها أو من كان على متنها، لكن الأهم أن هذه التفاصيل تقدم توثيقا تاريخيا موازيا لحقبة زمنية لا يستهان بها من تاريخ أستراليا، وتوضح طبيعة الصراعات والحروب التي دارت على الحدود البحرية للقارة. بالإضافة إلى تفاصيل أخرى مشوقة ومثيرة للتأمل عن المسافات العميقة التي وجدت بها هذه السفن تحت سطح المياه، وهو ما يجعل المتحف يخصص قسما إضافيا عن الكائنات التي تعيش في أعماق الأعماق في عتمة تامة والتي لا نعرف عنها شيئا.

وفي كل زيارة لمتحف من المتاحف التي أتيح للكاتبة زيارتها والكتابة عنها يتجلى هذا الأثر العميق لفكرة المتحف، وبينها متحف للكتب في ملبورن، أو متحف للأزياء، أو متاحف مخصصة للتاريخ الطبيعي للحياة في زمن الديناصورات وغيرها.

سنرى كذلك من خلال ما ترصده الكاتبة في إحدى زيارتها لسجن تاريخي مثل سجن فارنتيل، الذي اتخذ من إحدى القلاع القديمة مقرا له وتحول إلى متحف، كيف بات شاهدا على مرحلة من عمر البلد الذي استغل المهاجرين الأوائل لبناء السجن، وبعدما انتهوا من البناء قام باعتقالهم جميعا!

لمسات عاطفية

وعلى امتداد صفحات الكتاب حافظت الكاتبة على الاهتمام الشديد بالتفاصيل، من وصف دقيق لما تراه، بحيث يراه القارئ بعينيها، ورصد الأثر العاطفي لمشاعرها في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى أنها حقنت النص بعناصر عاطفية أضفت عليه تيارا خفيا ينبض بالشغف الحقيقي بالأدب والفنون، يفضحه فضولها المعرفي والأدبي من جهة، كما يتجلى، من جهة أخرى، في بعض ردات الفعل التلقائية التي تنقلها في مواقف عديدة؛ من مثل وصفها لمشهد رؤيتها لحيوان الكنغر لأول مرة واللقاء به وجها لوجه، أو عندما رأت ملصقا يعلن عن تواجد سيرك كندي شهير، ووصفها اللاحق لزيارتها لأحد العروض.

تأخذ عائلة شقيقها حيزا من رصدها واهتمامها المتعاطف به وبزوجته وبأبنائه، فتقدم في الوقت نفسه صورة شخصية لها كفرد من عائلة. وهذا ما منح النص حسا مختلفا نسبيا من خلال هذه المشاعر العاطفية والعائلية.

الأجيال المسروقة

وتولي الكاتبة اهتماما إنسانيا وتاريخيا عميقا برصد الكثير مما يتعلق بالسكان الأصليين لأستراليا، (الأبورجيون)، متجاوزة بذلك النظرة السياحية التقليدية العابرة. وتتجلى هذه الرعاية والاهتمام في عدة لقطات ومحطات محورية رصدتها الكاتبة على مدار فصول كتابها.

فبالإضافة لما أشرت إليه حول بيان الكيفية التي تولي بها الدولة اهتماما بتأكيد احترامها واعترافها بالسكان الأصليين وعلاقتهم بوطنهم الأم ومصادر ثرواته الطبيعية وعقائده، تُسلط الكاتبة الضوء على المأساة التاريخية الحية والمعروفة باسم «الأجيال المسروقة» (Stolen Generations)، راصدةً عمق الجرح الإنساني والاجتماعي المستمر نتيجة سياسات فصل أطفال السكان الأصليين عن عائلاتهم في الماضي.

وتتناول، على سبيل المثال سيرة امرأة تعد رمزا من رموز السكان الأصليين، وخصوصا هؤلاء الذين يطلق عليهم لقب «الأجيال المسروقة»، وتدعى كارول آن مارتن، وتورد تفاصيل سيرتها خلال جولة في أحد متاحف بيرث حيث تتصدر صورتها إحدى القاعات، وعنها تقول: «كارول ولدت عام ١٩٥٧ لوالدين من السكان الأصليين، تربت في بيرث أسرتها، وعندما بلغت سن الثانية عشرة، أُخذت من أسرتها بقوة القانون. ففي ذلك الوقت، كان يُسمح للسلطة بأخذ الأطفال من ذويهم بحجة تربيتهم بطريقة أفضل. هذا القانون ليس له مبررات كالإساءة الجسدية مثلا للطفل كما هو مُطبَّق الآن في أوروبا وأمريكا، لكنه كان بلا أي أسباب. الهدف منه تربية هؤلاء الأطفال على قيم المجتمع الإنجليزي والمعتقد المسيحي. استمر هذا القانون الجائر لعقود طويلة شكل جرحًا غائرًا في نفوس السكان الأصليين، وما زالت آثاره مستمرة إلى الآن. أطلق على هذه الفئة من أطفال السكان الأصليين لقب «الأجيال المسروقة».

قائمة إيملي

وتنقلت كارول بين عدة دور رعاية أخصائية اجتماعية. ساعدت مع المجتمع المدني على إعادة الأشخاص المخطوفين من قبل السلطة بعد سنين إلى أسرهم. وفي عام ٢٠٠١، خاضت الانتخابات البرلمانية في ولاية غرب أستراليا وفازت بسهولة بمقعد كيمبرلي. وخلال مدة وجودها في البرلمان، حتى العام 2013، كان لها عدة إسهامات قيمة في مجالات الرعاية الاجتماعية والنهوض بالفنون الخاصة بالسكان الأصليين، منها على سبيل المثال لا الحصر: مشروع قائمة إميلي الذي يهدف إلى إدماج عدد أكبر من النساء من السكان الأصليين في العمل العام.

كما اهتمت بتوثيق تاريخهم الشفهي والموسيقي في المكتبات، إذ ترصد لبيب اهتمام المؤسسات الأسترالية -نتيجة الشعور بالذنب تجاه الممارسات التاريخية- بحفظ إرث السكان الأصليين؛ وتضرب مثالًا بمكتبة بيرث العامة التي تضم آلاف الساعات من التاريخ الشفهي، والمقطوعات الموسيقية، والخرائط التي توثق نمط حياتهم القديم.

قرأت بشغف تفاصيل زياراتها للمتاحف بسبب دقة الرصد للمحتويات بالشكل الذي لا يبدو معه الأمر مجرد زيارة سياحية بل توثيق تاريخي مهم. فعلى امتداد المساحات التي خصصتها من الكتاب للشرح أقسام المتاحف في مدينتي بيرث وملبورن، متتبعةً جذور قصة الإنسان الأسترالي الأول، وتفاصيل صدامهم مع «الرجل الأبيض» عند وصول الاستعمار، وكيف تطورت العلاقة وصولًا إلى الأوضاع المعاصرة. بالإضافة إلى قيامها بالربط بين التاريخ والحقائق المعاصرة؛ إذ لا تكتفي الكاتبة بسرد الماضي، بل تربط تاريخ السكان الأصليين بالواقع الحالي، راصدةً التنوع الثقافي وسياسات الدمج والتعايش ومحاولات رد الاعتبار لهويتهم وثقافتهم.

وفي تأصيلها لتاريخ ونشأة مدينة بيرث، على سبيل المثال تشير أنها تقع على أراضي شعب وادجوك نونجار (Whadjuk Noongar) حيث عاش السكان الأصليون الأستراليون منذ ما يقرب من 4500 عام الأقل. وقد أسس الكابتن جيمس ستيرلينج، القائد البحري الإنجليزي (1791- 1865) في عام 1829 مركزيا إداريا لمستعمرة نهر سوان، وسميت على اسم مدينة بيرث في أسكتلندا.

وقد مُنع الـسكان الأصليون من دخول مساحات واسعة من بيرث تحت التهديد بعقوبة السجن؛ وهو الحظر الذي استمر حتى عام ١٩٥٤، وخلال تلك الفترة طلب من السكان الأصليين خلال تلك الفترة حمل تصريح أو ما يُعرف بـ Native Pass دائما إذا أرادوا الدخول لأي غرض ولو كان العمل.

وتستطرد لاحقا: انتهت الجولة وخرجتُ لأسير في الطريق، أفكر: كم طفلًا من المسروقين قد اجتمع شمله مع أهله بعدما كبر؟ وبأي حق استطاعَتِ السُّلطة فعل هذه الجريمة الأخلاقية البشعة؟ وهل نتائج ذلك أيا ما كانت من تربية حديثة وتعليم جيد، تساوي ما تركته التجربة من جروح في نفوس الأطفال والأهالي؟ وألم يكن هناك طريقة أخرى تضمن النشأة السليمة للأطفال وسط أحضان ذويهم؟

فجوات ثقافية

تطرح غادة لبيب أسئلة عميقة حول الفجوات الثقافية التي تم ترسيخها بين المستعمر وبين السكان الأصليين، وهي أسئلة تطرح نفسها اليوم ليس فقط في حالة العلاقة بين المستعمر وأصحاب الأرض، بل تمتد لتشمل الاختلافات والفروق الحضارية التي تزداد اتساعا اليوم بين ثقافات وحضارات تسعى المركزية الأوربية لتأكيدها وترسيخها على اتساع الكوكب.

قدم للكتاب الكاتب القدير الدكتور محمد المخزنجي، وهو كاتب له باع طويل في أدب الرحلات لا سيما خلال فترة عمله في مجلة العربي حيث عرف باستطلاعاته لبعض دول آسيا وإفريقيا التي نشرت لاحقا في كتب.

يقول المخرنجي: لم أتفاجأ عندما قرأت الكتابة الجميلة للدكتورة غادة لبيب في رحلتها الفريدة هذه، فمتابعتي لعروضها الممتازة لكثير مما تقرأه أكد لي أن من يقرأ جيدا يكتب جيدا. وبهذا الرصيد الثقافي جابت عوالم هذه الدولة القارة لتخرج برؤية جمالية مشوقة في نص عن بلد الكنغر الذي التقته شخصيا ورحب بها بمودة استثنائية، وكأنه يدرك كم أن هذه الزائرة ستجلي الكثير من الفريد المجهول عن هذا البلد -القارة- البعيد، الذي لم يتجاهل ماضيه، فدشن صروحا ثقافية للتطهر والاعتراف. أعتقد أن الكاتبة أجادت استنطاقها بسبق ورهافة وجمال».

إبراهيم فرغلي روائي مصري