غزة- بهاء طباسي:
بين الركام الذي خلّفه القصف في حي الرمال بمدينة غزة، يقف الخمسيني مصطفى الشرقاوي باحثًا عن ملامح عيدٍ سلبته حرب الإبادة تفاصيله. يتأمل الرجل أطفاله الذين اعتادوا في مثل هذا الوقت من كل عام أن يلتفوا حول أضحية العيد، يداعبون صوفها وينتظرون بلهفة لحظة الذبح. هذا العام، تبدّل المشهد تمامًا؛ غابت التكبيرات الحية في الفناء، وحلّت مكانها حسرة صامتة وهو يضع فوق مائدتهم المتواضعة كيلوغرامًا واحدًا من اللحوم المجمدة المستوردة، كبديل قسري فرضته سنوات الحصار والموت.
يصف الشرقاوي هذا التحول بكثير من الألم، مشيرًا خلال حديثه لـ«عُمان» أن بهجة العيد التي كانت تجمع العائلة والجيران والأصدقاء، تحولت إلى ذكريات تؤرق القلوب. فالأوضاع الاقتصادية والإنسانية بلغت حدًا من القسوة يجعل مجرد التفكير في شراء خاروف، وصل سعره في الأسواق الشحيحة إلى نحو سبعة آلاف دولار، ضربًا من المستحيل لعائلات فقدت مصادر دخلها وبيوتها. يرى الرجل أن اللحوم المجمدة هي المحاولة الأخيرة والوحيدة المتاحة لصناعة شبه ابتسامة على وجوه صغاره، رغبةً منه في إحياء العيد كعبادة، رغم أن واقع القطاع بات خارج حدود الوصف والتأويل.
صلاة فوق الأنقاض وشعائر معطلة
تلك المأساة لم تكن تفصيلًا عابرًا في حياة الشرقاوي وحده، بل كانت الملمح الطاغي على أول أيام عيد الأضحى في قطاع غزة. فقد استقبل الغزيون العيد بقلوب مثقلة بالهموم، واكتفوا بأداء الصلاة فوق أنقاض المساجد المدمرة وفي ساحات مراكز الإيواء المكتظة. ورغم أن خطباء العيد صدحوا بالدعوة لإحياء سنة الفداء والتقرب إلى الله، إلا أن الغالبية العظمى من المواطنين عجزوا عن ترجمة هذه الدعوات إلى واقع، بعد أن منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الماشية والأغنام إلى القطاع للعام الثالث على التوالي. هذا الحصار الخانق أجبر مئات الآلاف من العائلات على استبدال الأضاحي الحية باللحوم المجمدة المستوردة، والتي باتت الملاذ الأخير لكسر حدة الجوع الشديد، وإشعار الأطفال بأن ثمة عيدًا يمر من هنا.
عيد مُثقل بالفقد والألم
في خيام النزوح بمدينة غزة يعيش المربي المتقاعد عبد الرحمن اليازجي، البالغ من العمر سبعة وستين عامًا، فصولًا من المعاناة ذاتها. اليازجي، الذي أمضى قرابة أربعة عقود من عمره معلمًا في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، لم يكن يفرط في ذبح الأضحية طوال حياته قبل هذه الحرب. كانت باحة منزله في مدينة رفح جنوب القطاع تتحول في ليلة العيد إلى خلية نحل يشارك فيها الأبناء والأحفاد، يصنعون الفرح ويوزعون الحصص على الفقراء والمقربين.
اليوم، يجلس اليازجي في خيمة النزوح، محاصرًا بمشاعر الضيق والكآبة بعد أن غيبت الحرب تلك الطقوس، وتركته عاجزًا عن توفير الأضحية بسبب خلو الأسواق تمامًا. يتحدث المربّي المتقاعد بمرارة عن الفراغ القاتل الذي يلف أيامهم، وكيف تحول العيد من مناسبة عظيمة مفعمة بالبهجة والترقب وسهر الليالي، إلى يوم عادي كئيب، يثقله الحزن وتلفه أجواء الفقد والآلام. ومع ذلك، لم ينقطع أمل اليازجي في العودة إلى ركام بيته في رفح، ليصدح بالتكبير مجددًا، ويمارس نسكه بحرية وكرامة بعيدًا عن سطوة الاحتلال.
«مكرمة المحسنين».. غياب اللحم الطازج
لم تقتصر هذه المعاناة على أرباب العائلات الكبيرة، بل امتدت لتطال الفئات الأكثر هشاشة. الشابة ياسمين الخالدي، وهي أم لثلاثة أيتام وفقدت زوجها في القصف المستمر على شمال القطاع، تروي كيف كان العيد يمثل لها ولأطفالها موسمًا للتكافل الاجتماعي، حيث كانت اللحوم الطازجة تصلهم من الأقارب والمؤسسات الخيرية.
تقول ياسمين لـ«عُمان» إنها «وقفت لساعات طويلة في طابور طويل أمام إحدى التكيات الإغاثية للحصول على حصة صغيرة من طبخة أُعدت بلحوم معلبة ومجمدة». وتضيف بحزن أن «أطفالها يسألونها عن رائحة الشواء التي كانت تملأ الحي في السنوات الماضية، فلا تجد إجابة سوى الدموع»، معتبرة أن الاحتلال لا يحارب الأجساد فقط، بل يتعمد ذبح الفرحة في نفوس الصغار، وحرمانهم حتى من الشعور بقدسية الأيام المباركة.
لم يكن عيد الأضحى في غزة هذا العام مثل بقية الأعياد قبل حرب الإبادة؛ فقد غابت المذابح، وصمتت ثغاء الماشية، وحلت مكانها علب المرتديلا واللحوم المجمدة القادمة عبر المعابر الشحيحة، لتبقى غزة شاهدة على عيد يذبح فيه الحصار والهدنة المخترقة كل معاني الحياة، دون أن ينال من إصرار أهلها على البقاء.