في محاضرة فكرية حملت عنوان «مفهوم الخلاص بين الغيب والمادة»، قدّم الدكتور سيف بن سالم الهادي قراءة نقدية موسّعة لما يعرف بـ«علوم الطاقة» وقانون الجذب والريكي واليوغا والشاكرات، متتبعا جذورها الفلسفية والتاريخية، ومحذرا من تحول بعض الممارسات الحديثة إلى بدائل روحية قائمة على «القوة الكونية» بدل الارتباط بالله سبحانه وتعالى.


واستهل الدكتور الهادي محاضرته، التي نظمت برعاية جامعة السلطان قابوس ومؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، بالتأكيد على ضرورة التفريق بين الممارسات الطبيعية اليومية وبين الممارسات التي ترتبط بخلفيات فلسفية وعقدية، موضحا أن الحديث لا يتعلق بالاسترخاء المعتاد أو الرياضة أو التنفس الصحي الطبيعي، وإنما بالممارسات التي تقوم على فكرة «تحريك الشاكرات» واستدعاء «الطاقة الكونية» والإيمان بوجود قوى خفية تسري في الكون.


وأوضح أن بعض أنواع التأمل والتنفس العميق والرياضات الشرقية مثل «التاي تشي» و«التشي كونغ» ترتبط بفلسفات شرقية قائمة على مفاهيم «الين واليانغ» و«البرانا» و«التشي»، وهي مفاهيم بحسب وصفه تتجاوز الجانب الجسدي إلى بناء تصورات عقدية عن الكون والوجود والإنسان، وأشار إلى أن التأمل في الكون يقود الإنسان وفق الرؤية الإيمانية إلى تعظيم الخالق والارتباط بالله سبحانه وتعالى، مستشهدا بآيات قرآنية تتحدث عن خلق السماوات واتساع الكون والنظام الدقيق الذي يحكم المجرات والكواكب، وقال: إن العلماء المعاصرين حينما اكتشفوا قوانين الجاذبية والقوى النووية والطاقة الكهرومغناطيسية والضبط الدقيق للكون، فإن كثيرا منهم انتهى إلى الإقرار بوجود خالق لهذا الكون.


وفي مقابل ذلك بيّن الدكتور الهادي أن بعض الفلسفات الشرقية القديمة فسّرت الكون على أنه صادر عن «قوة كونية» نشأت من تفاعل «الين واليانغ»، معتبرا أن هذه التصورات أسست لاحقا لفكرة الطاقة الكونية التي تسري بحسب معتقداتهم عبر «الجسم الأثيري» و«الشاكرات السبع» داخل الإنسان، وأكد أن الهدف من المحاضرة ليس إصدار أحكام على الناس أو تكفيرهم، بل «تنبيههم» إلى الخلفيات الفلسفية لبعض الممارسات الرائجة، وقال: «المسلم مؤمن بالله، لكن قد يمارس بعض هذه الأشياء من دون معرفة جذورها الفكرية».


وتتبع المحاضر الامتدادات التاريخية لهذه الأفكار، مشيرا إلى أن بداياتها تعود إلى الفلاسفة اليونانيين الذين حاولوا تفسير الكون بعد تراجع الأساطير القديمة، حيث قال طاليس: إن أصل الوجود هو الماء، فيما قال آخرون: إن أصله الهواء أو النار أو العناصر الأربعة، وأضاف أن هذه التصورات تطورت لاحقا إلى نظريات تتعلق بالأخلاط الأربعة في جسم الإنسان وربطها بالسعادة والحظ والأبراج، كما تناول تطور ما يعرف بـ«حساب الجُمّل» وربط الأرقام بالحروف، موضحا أن هذه الفكرة انتقلت من الفينيقيين إلى اليونانيين ثم امتزجت لاحقا بمعتقدات الأبراج والطالع والسحر والأوفاق، قبل أن تجد طريقها إلى بعض تطبيقات «قانون الجذب» الحديث.


وفي هذا السياق خصّ الدكتور الهادي الحديث عن كتاب السر الذي يعد من أشهر الكتب المؤسسة لفكرة «قانون الجذب»، موضحا أن هذا القانون يقوم على فكرة أن الإنسان يستطيع جذب النجاح والثروة والسعادة عبر ترديد عبارات معينة وتكرار أرقام محددة ورفع «الذبذبات» و«الترددات» وأشار إلى أن بعض المروجين لهذه الأفكار يستندون إلى شخصيات مثل نيكولا تسلا، موضحا أن تسلا كان يؤمن بأفكار غنوصية وروحية، وأن بعض مدارس الطاقة استلهمت منه فكرة «الأرقام المقدسة» مثل 3 و6 و9، وربطتها بممارسات علاجية وروحية لا تستند بحسب تعبيره إلى دليل علمي حقيقي.


وانتقد الدكتور الهادي ما وصفه بـ«العلوم الزائفة» التي تستنزف أموال الناس عبر جلسات العلاج بالطاقة والريكي والشاكرات، مستشهدا بتجربة أجرتها طفلة بريطانية على معالجين بالطاقة، حيث فشلوا في إثبات قدرتهم على استشعار «الهالة الطاقية» أو تحديد موضع يدها بشكل يتجاوز الاحتمال العشوائي، كما استعرض الخلفيات الدينية والفلسفية لعقائد «الكارما» و«التناسخ» و«النيرفانا» في البوذية والهندوسية، مبينا أن هذه المعتقدات تقوم على فكرة انتقال الأرواح والطاقة عبر دورات متكررة من الحياة والموت وصولا إلى «الخلاص».


ورأى أن الحركات الروحية الحديثة في الغرب جاءت نتيجة «الفراغ الروحي» الذي عاشته المجتمعات الغربية بعد الصراع مع الكنيسة، مشيرا إلى ظهور ما يسمى بـ«حركة العصر الجديد» التي استلهمت الطقوس الشرقية وجرّدتها من إطارها الديني وقدّمتها بوصفها وسائل للتنمية البشرية والاستشفاء الروحي، وأشار إلى أن كثيرا من مصطلحات التنمية البشرية الحديثة مثل «اكتشاف الذات» و«رفع الوعي» و«التوازن الداخلي» تأثرت بهذه الحركات، منتقدا بعض البرامج التي تدعو الإنسان إلى تخيل نفسه غنيا أو ناجحا وتكرار العبارات التحفيزية بوصفها وسائل لتحقيق الواقع.


وتطرق المحاضر إلى انتشار الرموز المرتبطة بالطاقة مثل الأحجار الكريمة والأساور المغناطيسية والقلادات المرتبطة بالشاكرات، موضحا أن الإشكال ليس في الزينة نفسها، وإنما في الاعتقاد بأنها تجلب الحظ أو تدفع الحسد أو تمنح الطاقة، كما عرض نماذج من الممارسات التي تربط الموسيقى والذبذبات الصوتية بما يسمى «الترددات العلاجية»، مشيرا إلى شيوع استخدام تردد 432 هيرتز وربطه بأرقام تسلا والطاقة الكونية، معتبرا أن هذه الممارسات تُسوّق أحيانا على أنها علاج نفسي أو روحي رغم غياب الأدلة العلمية الكافية عليها، موضحا أن كثيرا منها يُقدَّم باعتباره وسيلة لجلب الحظ أو الحب أو الراحة النفسية أو النجاح، بينما يرى أن هذا الاعتقاد يدخل في باب الأوهام التي لا تستند إلى أساس علمي.


وقال إن الإسلام يرسخ مبدأ السعي والعمل والاجتهاد، ويربط النجاح والتوفيق بالأخذ بالأسباب والتوكل على الله، لا بترديد «المانترا» أو محاولة «ضبط الترددات الطاقية»، وأضاف أن المسلم حين يرتبط بالله يشعر بالطمأنينة دون الحاجة إلى وسائط غامضة أو ممارسات لا تقوم على دليل علمي أو شرعي.


كما تطرق إلى بعض التطبيقات الحديثة المرتبطة بما يسمى «ذبذبات الشفاء» أو «الترددات العلاجية»، مبينا أن خفض الترددات الصوتية قد يمنح الإنسان شعورا بالاسترخاء من الناحية الفيزيائية، لكن تحويل ذلك إلى عقيدة تتعلق بالطاقة الكونية أو بالأرقام المقدسة يعد بحسب وصفه خلطا بين التأثيرات النفسية الطبيعية والخرافات المعاصرة.


وأضاف د.سيف الهادي أن من أخطر ما تروّجه بعض مدارس «الطاقة» هو إقناع الإنسان بأن الكون يستجيب لرغباته مباشرة، فيتحول الدعاء بحسب وصفه من علاقة عبودية بالله إلى محاولة للاندماج في «وعي كوني» أو «طاقة مطلقة»، وأشار إلى أن بعض المدربين الروحيين في الشرق والغرب قاموا بإعادة صياغة المعتقدات البوذية والهندوسية القديمة في قوالب حديثة جذابة، مستفيدين من المصطلحات العلمية والنفسية والتقنيات التدريبية، حتى بدت للكثيرين وكأنها برامج تطوير ذات أو وسائل علاجية بريئة، بينما تحمل في عمقها كما قال تصورات فلسفية مرتبطة بوحدة الوجود والطاقة الكونية.


واستعرض عددا من الشخصيات التي لعبت دورا في نشر هذه الاتجاهات، من بينهم ميكاو أوسوي الذي طوّر «العلاج بالريكي»، وسادغورو الذي اشتهر بدورات «فتح العين الثالثة»، إضافة إلى أوشو الذي نشر ما يسمى «التأمل الديناميكي»، موضحا أن هذه المدارس اعتمدت على دمج التأمل والرقص والتنفس والرموز الروحية ضمن تصور شامل عن «الخلاص الداخلي»، وبيّن أن هذه الحركات لم تعد مقتصرة على الشرق، بل أصبحت جزءا من الثقافة الغربية الحديثة عبر مراكز التدريب والتنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية، حتى تسربت بحسب تعبيره إلى المجتمعات العربية والإسلامية من خلال دورات التحفيز والطاقة والاستشفاء الروحي.


وأكد الدكتور الهادي أن الإسلام يقدم تصورا مختلفا تماما لفكرة الطمأنينة والخلاص، يقوم على التوحيد والارتباط بالله والأخذ بالأسباب والسعي الواقعي في الحياة، لا على انتظار «استجابة الكون» أو «تحريك الطاقات الخفية»، وقال: إن القرآن الكريم يربي الإنسان على التحرر من الخوف المرتبط بالأبراج والتمائم والأسحار والأوهام، ويربطه بالله وحده.


وأوضح أن النصوص الشرعية شددت على إبطال الاعتقاد في التمائم والأحجبة والربط الوهمي بين الأشياء، مستشهدا بأحاديث نبوية نهت عن تعليق التمائم واعتبارها وسيلة لدفع الضرر أو جلب النفع، مشيرا إلى أن بعض الممارسات الشعبية القديمة كانت امتدادا لهذه التصورات التي اختلطت على الناس عبر القرون.


وفي سياق حديثه عن «العلوم الزائفة»، أشار إلى أن كثيرا من الباحثين الغربيين أنفسهم انتقدوا هذه الاتجاهات، وصنفوا عددا كبيرا من ممارسات الطاقة والتنمية البشرية ضمن الخرافات الحديثة التي تستغل حاجة الإنسان النفسية للطمأنينة والمعنى والنجاح، وقال: إن الإسلام لا يرفض العلم الحقيقي أو الطب أو الرياضة أو الاسترخاء الطبيعي، بل يشجع الإنسان على الاعتناء بجسده وصحته النفسية، لكن الإشكال بحسب قوله يبدأ عندما تتحول هذه الوسائل إلى فلسفات تحمل تصورات عقدية غامضة أو تدفع الإنسان للاعتقاد بوجود قوى خفية تتحكم في مصيره بعيدا عن الله سبحانه وتعالى.


وأكد الهادي على أن المسلم يحتاج اليوم إلى وعي فكري وفلسفي يمكنه من التمييز بين العلم الحقيقي والخرافة الحديثة، داعيا إلى التعامل النقدي مع الدورات والممارسات التي تُسوّق تحت عناوين «الطاقة» و«الجذب» و«الترددات» و«الاستشفاء الكوني»، وأشار إلى أن بناء الطمأنينة النفسية لا يكون عبر الأرقام والذبذبات والشاكرات، وإنما عبر الإيمان والعمل والسعي والتوكل على الله، مؤكدا أن الإنسان كلما ازداد تعلقًا بالله تحرر من الخوف والوهم والارتهان لما وصفه بـ«الأسواق الحديثة للخرافة».