باريس - "أ.ف.ب": قد يبدو باريس سان جرمان الفرنسي وأرسنال الإنجليزي متشابهين على أرض الملعب من حيث الاعتماد المتزايد على المواهب الشابة والمشاريع الرياضية طويلة المدى، إلا أن التدقيق في تفاصيل الناديين يكشف عن اختلافات جوهرية في فلسفة الإدارة، وطبيعة التمويل، وحتى طريقة بناء المشروع الكروي نفسه.
ففي الوقت الذي يستند فيه باريس سان جرمان إلى قوة استثمارية تقودها دولة عبر صندوق "قطر للاستثمارات الرياضية"، يعتمد أرسنال على نموذج مختلف يقوده رجل الأعمال الأمريكي ستان كرونكي، الذي يتعامل مع النادي ضمن منظومة رياضية واستثمارية واسعة تضم عدة أندية وفرق في الرياضات الأمريكية المختلفة.
ومنذ استحواذ "كيو أس آي" على سان جرمان عام 2011، تحول النادي الباريسي من فريق محلي تقليدي إلى علامة عالمية تتجاوز حدود كرة القدم، بعد استثمارات ضخمة بلغت رسميا نحو 1.4 مليار يورو، رفعت قيمة النادي السوقية إلى أكثر من أربعة مليارات يورو. ولم يقتصر المشروع القطري على كرة القدم فقط، بل امتد إلى استثمارات رياضية وتجارية متعددة تهدف إلى تعزيز العلامة التجارية لسان جرمان عالميا.
أما أرسنال، فرغم أنه لا يملك القوة المالية ذاتها، إلا أن مشروعه يقوم على الاستقرار الإداري والرؤية بعيدة المدى. ويُعرف كرونكي بابتعاده عن الضغوط الإعلامية والقرارات الانفعالية، وهو ما انعكس على سياسة النادي خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع استمرار المدرب الإسباني ميكل أرتيتا في مشروعه الفني رغم بعض الفترات الصعبة.
ويظهر الفارق المالي بوضوح بين الناديين؛ إذ تبلغ ميزانية باريس سان جرمان نحو 880 مليون يورو، مقابل حوالي 600 مليون لأرسنال، لكن النادي اللندني بدا نشطا بقوة في سوق الانتقالات الأخيرة، عبر سلسلة تعاقدات بارزة تؤكد رغبته في استعادة حضوره القاري والمنافسة على الألقاب الكبرى.
وفي الجانب الرياضي، يعتمد الناديان على شخصيتين بارزتين في الإدارة الفنية؛ فالبرتغالي لويس كامبوس في باريس يُعد من أشهر مكتشفي المواهب في أوروبا، بينما تعاقد أرسنال مع الإيطالي أندريا بيرتا، الرجل الذي صنع جزءا كبيرا من نجاحات أتلتيكو مدريد في سوق الانتقالات خلال السنوات الماضية.
ورغم هذا التنافس المالي والإداري، يلتقي الناديان في نقطة مهمة تتمثل في الاستثمار في الأكاديميات والمواهب الشابة. فباريس سان جرمان يحاول منذ سنوات ترسيخ مشروعه القائم على إنتاج اللاعبين المحليين، مستفيدا من افتتاح مجمعه التدريبي الحديث عام 2023، والذي جمع فرق النادي المختلفة في منشأة واحدة.
وفي المقابل، يواصل أرسنال الحفاظ على سمعته التاريخية كأحد أبرز الأندية الإنجليزية في تطوير اللاعبين، ويتصدر النجم بوكايو ساكا صورة هذا المشروع، بعدما تحول من طفل في أكاديمية النادي إلى أحد أبرز نجوم الكرة الإنجليزية.
ولا يقتصر الاختلاف بين الناديين على الإدارة واللاعبين فقط، بل يمتد أيضا إلى البنية التحتية. فأرسنال يمتلك ملعب الإمارات الحديث الذي يشكل أحد أهم مصادر دخله، فيما لا يزال باريس سان جرمان يبحث عن حل نهائي لأزمة ملعب "بارك دي برانس"، وسط جدل طويل مع بلدية باريس حول شراء الملعب أو بناء استاد جديد خارج العاصمة الفرنسية.
وبين طموح باريس سان جرمان للتحول إلى قوة عالمية شاملة، ورغبة أرسنال في استعادة أمجاده الأوروبية عبر مشروع أكثر استقرارا وتدرجا، تبدو المقارنة بين الناديين انعكاسا واضحا لاختلاف نماذج الاستثمار الحديثة في كرة القدم الأوروبية.