كثيرة هي القصائد التي قيلتْ في الأعياد بشكل عام، وفي عيد الأضحى على وجه الخصوص، كونه مناسبة دينية عزيزة على قلوب المسلمين، وزاد من ذلك ارتباطه بحجّ البيت الحرام، لذا عدّه الشاعر المتصوّف عبد الرحيم بن أحمد البرعي اليماني «أشرف الأعياد» ليبيّن المنزلة الرفيعة التي يتبوّأها هذا العيد بين الأعياد الدينية، وقد ورد هذا الوصف في قصيدة الشاعر الذي عاش في العصر المملوكي في النصف الثاني من القرن الثامن الموسومة «يا راحلين إلى منى بقيادي»:

ويقول لي: يا نائمًا جدَّ السُرى

عرفاتُ تجلو كلّ قلبٍ صادي

تاللَه ما أحلى المبيت على منى

في يوم عيد أشرفِ الأعيادِ

الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى

وأنا حججتُ فما بلغتُ مرادي

ومن الصعب حصر القصائد التي قيلت في عيد الأضحى، لذا اخترت التوقّف إزاء قصيدين للمتنبّي كتبهما في عيد الأضحى، وكلاهما يذهب باتجاه معاكس، فبعد تبدّل الحال على ملك اشبيلية (المعتمد بن عباد)، عندما انتزع منه الملك، وانتهى أسيرا في (أغمات) المغربية، حلّ العيد، ورأى بناته يعملن في غزل الصوف، وأقدامهن حافية، فقال:

فيما مضى كنت بالأعياد مأسورا

فساءك العيد في (أغمات) مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

وتبدّل الحال من طبع الأيّام، كما يقال، وهذا ما جرى لأبي الطيّب أحمد بن الحسين المتنبّي المولود في الكوفة سنة 915م والمتوفى في واسط سنة 965م، وعبّر عن ذلك بقصيدتين، الأولى كتبها لسيف الدولة الحمداني مهنّئا بالعيد، وقد دأب الشعراء على تهنئة الخلفاء والأمراء والوجهاء بهذه المناسبة السعيدة، وكان وقعها كبيرا؛ لأنه كتبها بعد جفوة حصلت بينه وبين الأمير، فهي قصيدة مديح، أما الثانية، فقد كتبها ليلة عيد الأضحى أثناء هروبه من مصر إلى الشام، وتصنّف بأنها قصيدة هجاء، وبين المديح والهجاء بون شاسع، رغم أن المناسبة واحدة، أما المهجو فهو كافور الأخشيدي(905-968م)، رابع حكّام الدولة الأخشيدية التي حكمت مصر والشام، وقد اكتسبت القصيدتان شهرة واسعة، وكلاهما يعدّهما الدارسون من أهمّ قصائد المتنبي، فقد نالتا شهرة واسعة، وردّدتهما الألسن على مدى أكثر من ألف سنة، يقول في القصيدة الأولى مخاطبا سيف الدولة الحمداني :

هنيئًا لك العيد الذي أنت عيده

وعيد لمن سمّى وضحّى وعيدا

ولا زالتِ الأعياد لُبسك بعده

تُسلِّم مخْروقًا وتُعطَى مجددا

فذا اليوم في الأيامِ مثلُك في الورى

كما كنتَ فيهم أوحدا كان أوحدا

هو الجد حتى تفْضلُ العين أختَها

وحتى يكون اليوم لليومِ سيدا

وكلّ بيت من هذه القصيدة يستحق وقفة تأمّل لما تنطوي عليه من معان سامية، وتراكيب مبتكرة ولغة جزلة، وصور فنية مرسومة بدقّة فنان يمتلك مخيّلة أهّلت صاحبها ليكون واحدا من أبرز الشعراء في تاريخ الشعر العربي، وظلّ على امتداد قرون، كما وصفه ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة في محاسن الشعر ونقده) «مالئ الدنيا وشاغل الناس»

أما الثانية، فهي لا تقلّ جمالا عن الأولى، ولكنها تفيض مرارة، يطغى عليها الشعور بالخيبة، ويُسقط الشاعر هذا الإحساس على العيد، ففي الأبيات الأولى منها يناجي المتنبّي العيد، ويبثّه شكواه من تغيّر الحال، فيقول:

عيد بأية حال عدت يا عيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أما الأحبّة فالبيداء دونهم

فليت دونك بيدا دونها بيد

لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي

شيئا تتيمه عين ولا جيد

ثم ينتقل في الأبيات اللاحقة إلى غرض القصيدة: الهجاء، فيهجو كافور الأخشيدي بشكل شديد القسوة، وكأنه يريد أن يطبّق قوله في إحدى قصائده الخالدة «وعداوة الشعراء بئس المغنم»!

ومن الغريب أن الكثيرين اليوم يستحضرون هذه القصيدة، دون سواها، كلما مرّ العيد إذا ما صاحبه ألم، ويكتبونها في صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، ويردّدونها مع الأصدقاء، بكلّ ما تحمله من طاقة سلبيّة، وتحديدا مطلعها:

عيد بأية حال عدتَ يا عيدُ

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

حتى طغى المطلع على القصيدة، بل وعلى شعر المتنبي!، وينسى هؤلاء أنّ العيد فرحة، ومناسبة مثالية لصنع أجواء السعادة، التي كثيرا ما نحتاج إليها وسط ضغوطات الحياة، ومتاعبها اليومية، لذا ننتظر قدومه بكلّ لهفة، وحتّى لو شعرنا بالألم بسبب فقدان أو بُعد عزيز، كان يشاركنا العيد، علينا إخفاء هذا الشعور على المحيطين بنا، لكي لا نصادر هذه الفرحة العزيزة.. فرحة العيد.