رذاذ الفرح يتساقط في القلوب كحبات المطر التي تسكن ثرى الأرض العطشى، فتخضر شرايين الجسد وتسعد الروح بهذا الغيث الآتي من الغيب، عندها تخفق القلوب وتهنأ بهذا الحدث الجميل، "مهما ضاقت الدنيا ومهما صغرت، فإنَّ فيها شقًا ينفذ منه النور ويحمل الهواء" لعبدالرحمن منيف، من روايته الشهيرة "شرق المتوسط".


البشر دائمًا ما يتآلفون فيما بينهم، ويتضادون في أفكارهم، ويتفرقون في نظرتهم للأشياء التي تحيط بهم، لكنهم سرعان ما يتشاركون في الحديث عن أي حدث يحدث لهم ولغيرهم، أما جانب تحمل المسؤوليات فإن دماءها تتفرق على الأرض! هكذا هم ببساطة معشر البشر.
يقول الروائي والقاص البرازيلي باولو كويلو: "نحن لم نخلق لنبقى وحيدين، بل لنجد من نحبه ويحبنا ونعيش أجمل لحظات الحياة معًا".


الحياة ليست كلها سعادة، فعندما تتحول مجالات الرؤيا لمرحلة "الضعف"، يقل التركيز على الملامح الحقيقية للأشياء، فهذه الضبابية قد تكون نوعًا من التحدي للإنسان لمعرفة اتجاه هدفه في الحياة، أما المعوقات بدورها فتثير دخانًا خانقًا يكتم على أنفاس السائرين إلى غاياتهم الطامحين حول الوصول إلى بوابات السلام النفسي، هكذا هي السعادة، يجب أن نبحث عن أماكن وجودها حتى ولو لم نكن على يقين في الوصول إليها بسهولة.


بعض الواصلين إلى مواقع "السعادة" سرعان ما يبدلون جلودهم، وينفضون عن أجسادهم غبار النصب، ويبدون في صورة أخرى جديدة، هذا التغير المفاجئ من حال إلى آخر ليس أمرًا مشينًا، فالتخلص من عوالق الماضي أمر لا بأس فيه، خاصة إذا كان مؤلمًا.


بعض البشر يحبسون أنفسهم في قنينة الوجع ولا يستطيعون الخروج منها، ليس لأنهم كسالى بل لأنهم لا يبحثون عن معنى السعادة، لهذا يحسون بعد وقت قصير بحالة من الإعياء والاختناق، هكذا هو حال بعض الأشقياء الذين لا يفتحون نوافذ الفرح للدخول إلى قلوبهم.


لذلك، علينا أن نتخلى عن عنادنا ونبتعد عما يوجع قلوبنا، ونبحث عن ما يسرها ويبعث الأمل من جديد ويضمن لنا الراحة والسكينة، لذلك كان "العيد" هو ذلك المنفذ السحري لتجاوز عتبات الصعاب وإرهاصات الزمن المتلاحقة.
نتفق مع كل من يرى بأن فرحة الأطفال بالعيد تتجلى في أبهى صورها من خلال ارتداء الملابس الجديدة، وجمع "العيدية" التي تضفي على الوجوه الصغيرة عناوين البهجة والسرور، إلى جانب أن العيد فرصة للاستمتاع بتناول الحلويات وشراء الألعاب، مما يوجد جوًا عاليًا يظل طويلًا في ذاكرة الجميع.


والعيد بالنسبة للأطفال هو قطار مليء بالفرح الملون، أما ضحكاتهم البريئة فهي التي تضفي على المناسبة فرحًا آخر، فمع كل كلمة ينطقها أطفالنا هي وصف حقيقي لما يعبرون به من بهجة، وعفوية لا تقدر بثمن.
عيد الأضحى المبارك في هذا اليوم، يطل بوجهه المشرق من أجل أن تسعد أوطاننا العربية والإسلامية بفرحة قدومه، بينما تلهج ألسنة حجاج بيته الحرام في الأماكن المقدسة بالدعاء والتضرع في سبيل حصول الأجر والقبول.


إن تفاصيل العيد لهي كثيرة جدًا بما يكفي لسرد تفاصيل عميقة تأتي من باطن الذاكرة، فعقولنا معبأة بالأحداث العتيقة، وبعضها يعود إلى عشرات السنين، أي بعد مرحلة الوعي بالوجود، كبشر يعيشون ويتفاعلون مع الواقع.
المشاهد وإن بدت مماثلة بعض الشيء في بعض تفاصيلها وطريقة حدوثها، إلا أنها قد لا تكون نسخًا مكررة، ففي كل مرة هناك شيء جديد وفرح متجدد، لكن الفقد المتوالي في الأرواح هو الذي يتكرر معنا، وهو ربما عقدة أزلية لن تنتهي فصولها أبدًا.


ومع ذلك، اعتاد البشر على قسوة الأقدار، فكما يقال: الحياة مسرح كبير "فرح هنا، وحزن هناك"، لكن عجلة الزمن لا تتوقف عن دورانها بالوجوه، ففي كل يوم هناك شيء مستحدث، ومفاجأة جديدة.