أيام الله على الأرض عظيمة، والمناسبات السعيدة أوجدها الله تعالى لنا لتخفف عنا وطأة الإحساس بمشاعر الاضطراب النفسي نتيجة ما نتلقاه من ضربات متلاحقة من أحداث جسام، فالإنسان المؤمن دائمًا مبتلى، ومطالب بالصبر والاحتساب، ولذلك جعل الله لنا عيدين عظيمين تسلية لقلوبنا وتجديدًا لطاقاتنا التي تهدر في الانشغال بأمور الدنيا وما فيها.


العيد في كل مرة يأتي في ظل أجواء استثنائية وتفاصيل تعيد ضبط إيقاع التواصل الاجتماعي ما بين الناس، خاصة في مسارات مزدحمة بالمارين في طرقات الحضور والغياب، ولا يرتبط شعورنا بأهمية العيد من خلال الوقت الحاضر فقط، بل يجذبنا بالماضي أيضًا إلى سرادقه المليئة بالكثير من الذكريات المتباينة، إذ يميل الإنسان منا إلى استرجاع صور الماضي، خصوصًا تلك المرتبطة بالطفولة والعلاقات القريبة التي عشناها في أعمار مختلفة.


لا نكتم سرًا إذا قلنا إن ثمة حنينًا دائمًا إلى "المكان والزمان" اللذين ارتبطنا بهما منذ زمن، وهذا ليس مجرد استعادة للماضي الذي فقدناه، لكنه في نظر المفكرين والمختصين آلية نفسية تعزز الشعور بالانتماء والمعنى لأهمية الأحداث الماضية التي شكلت منعطفًا في حياة بعض الناس.


أيام العيد لنا فيها ذكريات لا تنسى، وقد يكون تذكرنا للماضي هو جزء من الحرص على عدم فقدان الأحداث المهمة أو الأشخاص الرائعين الذين رافقونا في مثل هذه المناسبات، وتذكرهم اليوم يقلل الشعور بالفجوة ما بين "عيد الأمس" و"عيد اليوم".


وفي نظراتنا للزمن، تخبرنا بأن ثمة تلاقيًا واضحًا سواء كان هذا الأمر فكريًا أو عاطفيًا، فالعيد عند جموع المسلمين يأتي من منظور مختلف عن بقية أيام العام، ليس من باب أنه "مناسبة دينية" وجب الاحتفاء أو الاقتداء، وإنما أيضًا فرصة لتجديد العلاقات بين الناس، وتضميد شيء من جراح الزمن، خاصة في القلوب المكلومة بوجع الفقد.


إن العيد مهما تحدثنا عن أهميته وتفاصيله وذكرياتنا معه لن نكف عن الحديث مطلقًا، فهو في معتقدنا البشري "إحساس رفيع" يمنحنا نوعًا من الحبور ويرسم البهجة على وجوهنا، ويدخل السرور إلى قلوبنا.
في أيام العيد الثلاث، نقضي ساعات برفقة من نحب من الأهل والأصدقاء، تغمرنا مشاعر المودة والتآلف النفسي، والانسلاخ قليلًا من الأعمال اليومية والانشغالات التي لا تنقضي، فالعيد محطة لمراجعة الكثير من الأمور التي تسقط منا بسبب الوقت وعدم الاهتمام بها.


في وقت من الأوقات كنت أكتب بعضًا من الكلمات ثم أمزقها، لم أكن أقتنع بأنني كنت محقة في وصف العيد كما ينبغي لي كتابتها، لكن أدركت في لاحق الوقت بأن ما كتبته هو مجرد مشاعر أريدها أن تصل إلى الآخرين لكي تخبرهم بأن بهجة العيد لا يمكن أن توصف بالكلمات، بل المشاعر قد تكون أصدق في وصفها.


وبعد سنوات، أيقنت ثانية بأن الذكريات موجعة بعض الشيء، خاصة عندما تذكرت من شاركتهم يومًا الاحتفاء بالعيد، لقد تغيرت الحياة والمشاعر وتباعدت الخطوات، لكن بقيت الأحداث الماضية في خانة الذكرى مخبأة في سرداب مظلم وفي صندوق عتيق.


مرحلة الطفولة وما فيها من شغف بالعيد قد انقضت، وعندما كبرت أدركت بأن العيد الحقيقي ليس مجرد احتفال وقتي أو مكاني، إنما هو تذكير لنا بأهمية العطاء والمشاركة لكي نجعل فرحتنا مضاعفة عندما نشارك من حولنا أنبل المشاعر وأصدق الأمنيات.


وبعد تجارب كثيرة مع العيد، أدركت كغيري من الناس بأن الفرحة في العيد لم تختفِ - كما نعتقد الآن -، لكنها تتغير مع مرور العمر وكثرة الضغوطات ونسيان الذكريات وفقدان الأحباء، فأرى كما يرى غيري بأن التركيز على لحظات بسيطة وحقيقية وإعادة تعريف الطقوس القديمة، يمكن أن يعيد البهجة إلى حياتنا من جديد، حتى لو كانت أقل صخبًا من الماضي، لكن على الأقل نحتفظ بشيء من رائحة من نحب.